الدرس في شرح مختصر السيرة 4، الدرس الرابع : وفيه : ( فصارت ولاية البيت ومكة لإسماعيل ثم لذريته من بعده ...فنسأل الله الكريم المنان أن يتفضل علينا وعليكم بفهمها والعمل بها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
توزعت ذرية إبراهيم بين إسماعيل وإسحاق، وحصر الله النبوة في ذريته. كانت النبوة في ذرية إبراهيم، فجميع الأنبياء من ذريته.
غير عمر بن لحي دين إبراهيم بإدخال عبادة الأوثان إلى مكة. أدى ذلك إلى اتباع أهل الحجاز لأهل مكة في الشرك بالله.
انتشر الشرك في العرب قبل الإسلام، وتفرقت الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة. واحدة منها فقط ناجية حسب الحديث النبوي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: فصارت ولاية البيت ومكة لإسماعيل، ثم لذرية إسماعيل من بعده، وانتشرت ذريته في الحجاز وكثروا، وكانوا على الإسلام، دين إبراهيم وإسماعيل، قرونا كثيرة. ولم يزالوا على ذلك حتى كان في آخر الزمان نشأ فيها عمر بن لحي، فافتدع الشرك وغير دين إبراهيم، وتأتي قصته إن شاء الله. كما جاء في التعليق عندنا صفحة 48. قال: وأما إسحاق عليه السلام، فإنه بالشام، وذريته بنوا إسرائيل والروم. وبنوا إسرائيل هم الذين فيهم اليهود، والروم هم الذين فيهم، أو أكثرهم، أو منهم النصارى. قال: إن بني إسرائيل أبوهم يعقوب عليه السلام، ابن إسحاق، ويعقوب هو إسرائيل، وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال: وأما الروم، فأبوهم عيص بن إسحاق، وهذا مشهور في كتب التاريخ، وكذلك قصص الأنبياء. والله أعلم بصحة ذلك. قال: ومما أكرم الله به إبراهيم عليه السلام أن الله لم يبعث نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ يعني حصرت النبوة في ذرية إبراهيم عليه السلام. قال: وكل الأنبياء والرسل من ذرية إسحاق. وأما إسماعيل، فلم يبعث من ذريته إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعثه الله إلى العالمين كافة. وكان من قبله من الأنبياء كل نبي يبعث إلى قومه خاصة. وفضل الله على جميع الأنبياء أشياء غير ذلك، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله، فإنه قال: «فضلت بخمسة»، وفي رواية: «بست»، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي. قال: وأما قصة عمر بن لحي وتغييره دين إبراهيم، فإنه نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس حبا عظيما، وأطاعوه لأجل ذلك حتى ملكوه عليهم، وصار ملك مكة وولاية البيت بيده. وظنوا أنه من أكابر العلماء وأفاضل الأولياء، وهذا حال أهل الجهل غالبا. ثم إنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقا، لأن الشام محل الرسل والكتب، وكانت الشام محل نظر العالم، لأنها محل إنزال الكتب والرسل ومحل العلوم. فرآهم يعبدون الأوثان فاستحسن ذلك وظنه حقا، لأن الشام محل الرسل والكتب، فلهم الفضل بذلك على أهل الحجاز وغيرهم. فرجع إلى مكة وقدم معه «هبل» وجعله بيتوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله، فأجابوه. قال: وأهل الحجاز في دينهم تبعوا لأهل مكة، لأنهم يعظمون مكة، فهم تبعوا لها في الخير والشر. قال: لأنهم ولاة البيت أهل الحرم، فتبعهم أهل الحجاز على ذلك ظنا أنه الحق. فلم يزالوا على ذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدين إبراهيم عليه السلام، وإبطال ما أحدثه عمر بن لحي. وكانت الجاهلية على ذلك، وفيهم بقايا من دين إبراهيم لم يتركوه كلا. وأيضا ظنوا أن ما هم عليه، وأن ما أحدثه عمر بدعة حسنة لا تغير دين إبراهيم. قال: وكانت تلبية نزار: «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك». كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أنكر على أولئك هذا، وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام عليه. قال: فأنزل الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال: ومن أقدم أصنامهم «مناة»، وكان منصوبا على ساحل البحر بقديد، وقديد اسم موضع في طريق جدة إلى المدينة، ومعروف اليوم. قال: تعظمه العرب كلها، لكن الأوس والخزرج كانوا أشد تعظيما له من غيرهم، لأنه قريب منهم. قالوا: بسبب ذلك أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي: لا تظنوا أن ذلك فيه حرج، إذ النية المراد لأجلها هذه العبادة أبعد ما كان عليه هؤلاء، لأنهم كانوا يتقربون ببعض الأصنام في ذلك المكان، فخافوا أن يلحقهم حرج إن فعلوا ذلك أن يشابهوا المشركين. فبين الله جل وعلا أنه لا حرج في ذلك، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. قال: ثم اتخذوا «اللات» في الطائف، وقيل: إن أصله رجل صالح كان يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره. ثم اتخذوا «العزى» في وادي نخلة، بين مكة والطائف، وهي بلد مشهورة معروفة، فيها نخل كثير، وهي اليوم كذلك معروفة. قال: فهذه الثلاثة أكبر أوثانهم، يعني: اللات والعزى ومناة. وهبل هذه أربعة. قال: ثم كثر الشرك وكثرت الأوثان في بقعة من الحجاز، وكان لهم أيضا بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة. وكانوا كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: ولما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اشتد إنكار الناس له، علماؤهم وعبادهم وملوكهم، حتى إنه لما دعا وجل الإسلام قال له: من معك على هذا؟ قال: «حر وعبد»، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، وهو حديث عمر بن عفان. قالوا: أعظم فائدة لك أيها الطالب، أكبر العلم أجل المحصول، إن فهمت ما صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ». وقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقدة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» أي: فمن القوم إلا هؤلاء. والحديث جاء في الصحيحين، وبعضه في البخاري، من حديث أبي سعيد، وبمعناه من حديث أبي هريرة، وبمعناه من حديث أبي سعيد. قالوا: قولوا: ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. وأراد بهذا رحمه الله تعالى أن يشير إلى أن هذا الانطلاق الذي عليه الناس اليوم قد أخبر