طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 74

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 74

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 74، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيان أنواع شر الإنسان

يشرح الإمام ابن القيم أن شر الإنسان نوعان: عدمي ووجودي، حيث يوضح أن العدم المحض لا فاعل له، ويعطي أمثلة على ذلك مثل عدم العلم والإيمان.

توضيح العلاقة بين الأسباب والمسببات

يشرح المقطع أن الأسباب ليست مؤثرة بذاتها بل جعلها الله للاستلزام والتعريف، وأن الموانع تؤثر في عدم حدوث المسببات.

الفرق بين الأسباب الموجبة والاستلزامية

يشرح أن عدم الكمال في النفس قد يكون لعدم استعدادها، وأن الشرع يحث على اكتساب الفضائل، وأن الأجر يختلف باختلاف المشقة في تنفيذ الأوامر.

ختام الدرس والدعاء للسامعين

يُنهي الدرس بالتعبير عن الامتنان للمشاهدين والدعاء لهم بالخير، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «فحقيقة نفس الإنسان جاهلة، ظالمة، فقيرة، محتاجة، والشر الذي يحصل لها نوعان: عدم، ووجود». يشير بهذا رحمه الله إلى ما ذكره شيخ الإسلام في سؤاله له؛ لأنه مر معنا، وقد طال الفاصل بينما قرأناه سابقًا وما نقرؤه الآن. فلربط السابق باللاحق مر معنا أنه سأل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: «قلت لشيخ الإسلام...» إلى آخر كلامه. وهو يشير رحمه الله إلى ما قد يخلد في النفوس من استفسارات واستفهامات فيما يتعلق بالقدر وحوال الناس فيه. فأجاب رحمه الله تعالى بجواب خلاصته أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، ولكنه سبحانه وتعالى لحكمة جعل كل شيء مرتبطًا بسببه وشرطه، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى. إذا قدر أن جعله على خلاف الوجه الذي يريده الإنسان من الكمال الذي يتصوره في الذهن لا في الواقع، فإنه بالحقيقة سيكون على خلاف خلقته التي هو فيها، كما مر معنا في ذلكم الكلام، وفي فصول سابقة قد تقدمت، وسيأتي إيضاح لها. ومن هذا الإيضاح أنه أبان رحمه الله - وسيأتي معنا إن شاء الله - أن من مواضع حكمة الله سبحانه وتعالى في تقدير الأشياء مع ارتباطها بأسبابها وشروطها أن هذا الإنسان في خلقته أصلا خلق ناقصًا، ومن نقصه تأصل الجهل والظلم والفقر والحاجة فيه، وهذا شر. ولهذا كان هذا مدخلًا لتوضيح هذه الإشكالية، فقال رحمه الله: «والشر الذي يحصل لها» - الضمير يعود إلى ماذا؟ إلى نفس الإنسان - «نوعان: عدم، ووجود». قال رحمه الله تعالى: «فالأول كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات وعدم العمل بها». وهذا العلم، وهذا العدم ليس له فاعل؛ إذ العدم المحض لا يكون له فاعل؛ لأن تأثير الفاعل إنما هو في أمر وجودي. وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات هو عدم محض، ليس له فاعل؛ فإن العدم ليس بشيء أصلا، وما ليس بشيء لا يقال: إنه مفعول لفاعل. فلا يقال: إنه من الله. إنما يحتاج إلى الفاعل الأمور الوجودية. ولهذا من قول المسلمين كلهم: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن». وكل كائن فبمشيئته كان، وما لم يكن فلعدم مشيئته. والعدم يُعلَّل بعدم السبب أو الشرط تارة، وبوجود المانع أخرى. فإذا لم يكن السبب لم يكن ما ترتب عليه. فعدم السبب سبب لحصول العدم، وعدم توفر الشرط سبب لعدم حصول المشروط عليه. فإذا على سبيل المثال، وندكر هذا بالأمور الشرعية: فإذا لم يدخل وقت الصلاة، هل تكون صلاة؟ لا تكون الصلاة. فدخول وقت الصلاة ماذا؟ سبب لوجوب الصلاة وأدائها. والطهارة شرط، فإذا لم تكن طهارة لم تكن ماذا؟ لم تكن صلاة. فهذا العدم سبب في عدم حصول ما هو سبب له، أو ما هو شرط فيه. وهكذا وجود المانع، وجود المانع. فمثلا من الموانع وجود الجنون، المجنون لا تقبل منه صلاة ولا تصح. فهذا مثال في الأمور الشرعية، وكذلك في أمر القدر. وكذلك في أمر القدر، فالله جعل سبحانه وتعالى لأعمال العاملين أسبابًا وشروطًا وموانع. فمتى اجتمعت الأسباب وتوفرت الشروط وانتفت الموانع حصل ما أراده الله عز وجل بالقدر، وإلا فإنه يكون ما يمنع ذلك من التوفيق أو العدم. قال رحمه الله تعالى: «وقد يقال: علة العدم عدم العلة». قال: «وبعض الناس يقول: الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، فلا يوجد إلا بسبب، ولا يعدم إلا بسبب». قال: «والتحقيق في هذا أن العدم ليس له فاعل ولا علة فاعلة أصلًا، بل إذا أضيف إلى عدم السبب أو عدم الشرط فمعناه الملازمة؛ أي عدم العلة استلزام عدم المعلول، وعدم الشرط استلزام عدم المشروط». فإذا قيل: «عُدِمَ لعدم علته»، أي: عدم علته مستلزم لعدمه. والنفس تطلب سبب العدم، فتقول: «لما لم يوجد كذا؟» فيقال: «لعدم كذا». فيضاف عدم المعلول إلى عدم علته، لا إضافة تأثير، ولكن إضافة استلزام وتعريف. والمعنى أن هذه الأسباب ليست هي التي تؤثر بذاتها، ولكن كما قال رحمه الله: «إضافة استلزام». جعل الله عز وجل في هذا الكون قانونًا، وعليه يسير الناس في أمورهم الشرعية وأمورهم الكونية. فمن الأمور الشرعية أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة. أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة. فإذا وجد السبب وجدت ماذا؟ النتيجة. وإذا لم يوجد السبب لم توجد النتيجة. وهذا من إضافة الاستلزام لا من إضافة التأثير. والمعنى أن هذا يستلزم منه ذلك، وليس هو الذي يؤثر فيه حقيقة. وإلا فالأصل هو فضل الله ورحمته وتوفيقه جل وعلا. فالأعمال الصالحة موجودة، ولكن ليس كل الناس يوفقون للعمل بها، ومن وفق للعمل بها لا يوفقون للاستدامة فيها، ومن وفق للاستدامة فيها لا يوفق لأن يختم له فيها، ومن وفق لأن يختم له بها ليس كلهم يوفق أن يكون عمله خالصًا لله عز وجل فيها. ولهذا كان من الذين تسعر بهم النار أولًا ثلاثة أصناف، هم من أصحاب أعمال صالحة، ومع ذلك يدخلون ماذا؟ النار؛ لأن أعمالهم الصالحة هذه لم تكن لله عز وجل. فهذا الذي تصدق، فذاك الذي جاهد. والشاهد من هذا أنه أراد أن يبين رحمه الله أن تعلق الأسباب بمسبباتها هي من باب إضافة استلزام وتعريف، لا من باب إضافة تأثير. فمن نفى الأسباب كالجبرية أخطأوا وظلموا، ومن بالغ في الأسباب كذلك ظلموا. فالقدرية الجبرية نفوا الأسباب، والقدرية النفاة بالغوا في إثبات الأسباب، وكل الطائفتين على خطأ وظلال. والصواب قول أهل السنة والجماعة في أن الأسباب هي أسباب جعلها الله عز وجل للاستلزام والتعريف لا للتأثير، وكذلك الإلزام. قال: «وأما التعليل بالمانع فلا يكون إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيًا للعدم». وأما إذا أريد قياس الدلالة فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضي موجودًا أو لم يكن. وهذا كذلك توضيح لما سبق، فالموانع حالها كحال الأسباب. فكما أن السبب يضاف إضافة استلزام وتعريف، فلا ينبغي كذلك يغلى فيه. فكذلك المانع. فقوله: «وأما التعليل بالمانع فلا يكون إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيًا للعدم»، أي: أنه مرتبط بالسبب، وارتباطه بالسبب ليس ارتباط تأثير، ولكن ارتباط استلزام وتعريف. قال: «وأما إذا أريد قياس الدلالة فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضى موجودًا أو لم يكن». والمعنى أن من الموانع ما لا تكون مرتبطة بأسبابها، فوجود المانع عند ذلك يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضى موجودًا - أي السبب - أو لم يكن. فالمجنون على سبيل المثال للتوضيح أكثر، عنده مانع، فالمانع هذا يمنعه من الصلاة وقبول الصلاة منه، ولا يمكن أن يؤدي الصلاة أصلا، سواء وجد السبب وهو دخول الوقت أو ماذا؟ أو لم يدخل الوقت. أليس كذلك؟ فهذا مانع غير مرتبط بالسبب. قال رحمه الله: «والمقصود أن ما عدمته النفس من كمالها فمنها فإنها لا تكتفي إلا بالعدم؛ أي عدم استعداد نفسه وقوتها هو السبب في عدم هذا الكمال، وهذا ليس بملزم لتلك النفس، وليس هو بحجة على الله سبحانه وتعالى، بل هذا من كمال ربوبيته وعلمه بخلقه سبحانه وتعالى». فإن من النفوس من عدمت الكمال، فهذا عنده شيء جبلي وهو ماذا؟ الشجاعة. وهذا عنده شيء جبلي الجبن والخوف. لكن جاء في الشرع ما يدعو الشجاع أن يزداد شجاعة، وما يدعو ماذا؟ الجبان أن يدفع عن نفسه الخوف والجبن. فالحجة بما فطر عليها أو بما جاء في الشرع. لكن لله حكمة، فأن فطر هذا هكذا وفطر هذا هكذا. فذاك الذي سهل عليه باب الشجاعة ليس أجره كأجر الذي يصعب عليه باب الشجاعة. أليس كذلك؟ مثل ما فطر الله الأجساد من خلقه، هذا خلق أعرج، وهذا خلق كامل الرجلين، وكلاهما مأمور بماذا؟ بالصلاة. هذا يصلي بغير مشقة، والثاني يصلي بمشقة. هذا الذي يصلي بمشقة له أجر أكثر أم لا؟ له أجر أكثر. والذي يصلي بغير مشقة له أجر كذلك، لكن ليس مثل أجر الذي يصلي بماذا؟ بمشقة. ولله حكمة في هذا، بعض هذه الحكم قد نطلع عليها، وبعض هذه الحكم ماذا؟ قد لا تخطر بعقولنا ولا نستطيع أن نعقلها، ولكن لله حكم كثيرًا. ومع ذلك ليس لأحد الرجلين حجة بأن يتقاعص فيجعل ما فطره الله عليه في جسده أو في فطرته ماذا؟ حجة على قدر الله وعلى التقاعص عن شريعة الله. هل هذا صواب أم خطأ؟ الصواب أنه لا يجوز لأحد أن يحتج بهذا على قدر الله وعلى شرع الله، بل الواجب على الجميع أن يمتثل ما أمر الله، ولا يحتج بذلك على قدر الله سبحانه وتعالى. وهذا هو قول رحمه الله: «فكذلك أحد العدمين يكون سببًا لعدم الآخر، والموجود الحادث يضاهي إلى السبب المقتضي لإيجاده، وأما المعدوم فلا يحتاج استمراره على العدم إلى فاعل يحدث العدم، بل يكفي في استمراره عدم مشيئة الفاعل المختار له». فما شاء الله كان، ما لم يشأ لم يكن؛ لانتفاء مشيئته، فانتفاء مشيئته كونه سبب عدمه. وهذا كثير في باب الشرع والقدر والأمر باختصار، كما وضح في المثال الذي سبق. قال رحمه الله تعالى: «وهذا معنى قولهم: عدم علة الوجود علة العدم». وبهذا الاعتبار الممكن القابل للوجود والعدم لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح. وهذا المرجح قد يكون كما قلنا من نفس الإنسان وخلقته وفطرة التي فطر الله عز وجل عليها الخلق، وقد يكون بماذا؟ بعمله وفعله. وكل الأمرين مطلوب، يعني ما يمكن الإنسان فعله هو يطالب به، وما جاء من الله سبحانه وتعالى فهو إما فضل وإما عدل. كحديث أشج عبد القيس. قال رحمه الله تعالى: «فمرجح عدم عدم مرجحه». ومعنى الترجيح والسببية ها هنا الاستلزام لا التأثير. وقد تقدم معنا أن الأسباب تضاف إضافة استلزام وتعريف، لا إضافة ماذا؟ لا إضافة تأثير. قال: «والسببية ها هنا الاستلزام، ولا التأثير كما تقدم». فظهر استحالة إضافة هذا الشر إلى الله عز وجل. فعند ذلك لو منع أحد سببًا ليس له حجة في ذلك على القدر. فالشر لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى إلا إضافة ماذا؟ خلق. إلا إضافة خلق، لا إضافة صفة ولا إضافة فعل. فليس من فعله ولا من صفته ذلك سبحانه وتعالى، كما في الحديث: «والشر ليس إليك». إلى هنا - إن شاء الله - نكمل الباقي في درس اللاحق. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا، شكرًا للمشاهدة.