الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 58، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح مفهوم القدر ومشيئة الله تعالى، وأن إرادة الله لا تتعارض مع اختيار العبد. يُبين أن الله خلق الخلق وما هم عاملون.
يشرح مفهوم الإيمان بالقدر وعدم جواز الاستدلال به على فعل المعاصي. يُبين أهمية الإيمان بالقدر كركن من أركان الإيمان.
يشرح أن الإيمان بالقدر يؤدي إلى التوكل والثقة بالله مع الأخذ بالأسباب. يُبين أهمية التوكل مع الأخذ بالأسباب لتحقيق الإيمان الكامل.
يُبين عدم جواز معايرة التائب بمعصيته بعد توبته لأنها وقعت بقدر الله تعالى. يُفرق بين ذكر المعصية قبل وقوعها وبعدها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال ورووا سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: قام عمر بن خطاب بالجابية، قال خطيبًا فقال في خطبته: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له». قال: وعنه الجاثليق يسمع ما يقول، قال: فنفض ثوبه كهيئة المنكر، فقال عمر: «ما يقول؟» قال: يا أمير المؤمنين، يزعم أن الله لا يضل أحدًا. قال: «كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله، أما والله لولا ولاية عهد لك لضربت عنقك». إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون، وخلق أهل النار وما هم عاملون. قال: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه. وهذا الأثر وإن كان في سنده شيء من الكلام، ولكن معناه بالجملة صحيح، فالله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء. والله عز وجل خلق الخلق وخلق ما هم عاملون، وخلق للنار أهلًا وللجنة أهلًا، وهو سبحانه وتعالى مع ذلك حكم عدل، فلا ينافي ما شاءه الله سبحانه وتعالى ما كان من عمل العاملين وإرادتهم. كما تقدم وتكرر معنا في دروس سابقة، وفي عدة فقرات مرت معنا سابقًا، فالله عز وجل خلق الخلق وعطاهم القدرة على الاختيار وامتحنهم وابتلاهم سبحانه وتعالى بما في هذه الدنيا، وابتلاهم سبحانه وتعالى بما شرع سبحانه وتعالى. فمن أخذ بما شرع فاتبع الرسل وما أنزل سبحانه وتعالى، فإنه أخذ بيد نفسه لطريق الجنة، والأمر كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وفي المقابل، من عرض عن شرع الله سبحانه وتعالى ودينه واتباع رسله، فقد رضي لنفسه بطريق الضلال، والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. ولا يخرج إحسان المحسن وإساءة المسيء عن مشيئة الله عز وجل وقدره، لأن الله عز وجل الخالق الذي بيده كل شيء، من تمام ربوبيته وألوهيته أنه لا يكون في ملكه إلا بعلمه ومشيئته، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فلا منافاة بين القدر بمراتبه الأربعة وبين اختيار العبد، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. والقدر سر الله سبحانه وتعالى، من لم يفهمه تعارضت عنده معانيه، ومن علمه ووكل أمره إلى الله لم يحصل عنده التعارض، بل علم أنه مأمور بأمر الله أن يمتثله، وفعله لذلك سبب للثواب، أو إعراضه سوى ذلك ذل للعقاب. وأنه إن فعل ذلك ففعله ذلك لا يخرج عن إرادة الله وسابق علمه، لأنه الله الخالق المدبر الرب الفرد الصمد الذي علم كل شيء قبل أن يكون كيف يكون يوم يكون. فلذلك من كمال إقرار العبد بأن الله بكل شيء عليم يعلم أنه يكون، يعلم كل شيء ما يكون من أمره وأمر هذا الكون، وهذا من قدر الله سبحانه وتعالى، ولا ينافي عمله الذي يعمله. ولذلك أهل البدع والأهواء ومنهم هذا الذي اعترض على عمر رضي الله عنه أشكل عليه ذلك، لأنه اعتقد ثم ذهب يستدل اعتقاده، فعارض ما اعتقده من باطل ما ظن أنه ينافي ما رسخ في ذهنه بباطل. فلذلك لم يرتض ما ذكره عمر رضي الله عنه، ما ذكره عمر هو نفسه ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيما يسمى بخطبة الحاجة، عَن جابر رضي الله عنه وغيره. قال رحمه الله تعالى وذكر الطبري عن أبي بكر الصديق قال: «خلق الله الخلق فكانوا في قبضته، فقال لمن في يمينه ادخل الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى ادخل النار ولا أبالي». قال: «فذهبت إلى يوم القيامة». والمعنى فذهبت كل فرقة بما قدر الله عز وجل لها. والأثر معناه صحيح وإن كان في سنده انقطاع كما أشار في التعليق، لكن معناه صحيح، فالله عز وجل خلق الخلق وممن خلق خلق أهل الجنة وخلق أهل النار، فبالجملة معناه صحيح. قال: وقال ابن عمر جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر الله؟ فقال: نعم. قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟ قال: «نعم يا ابن اللخناء، أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك». والمعنى: وهذا كذلك إسناده ضعيف كما أشار في التعليق، ولكن المعنى أنه لا يجوز معارضة القدر بالمعاصي، فلا تستدل على معاصيك بالقدر، فلا تجعل القدر متعلقك، بل هذا من الباطل ومن حجة إبليس. فالقدر لا يأمرك بفعل المعاصي ولا يأذن لك بذلك، فلذلك من فعل مثل هذا الفعل استحق العقوبة مرتين: العقوبة الأولى لفعل معصيته، والعقوبة الثانية أنه استدل بما لا يصح الاستدلال به. وضربنا أمثلة لذلك تقرب المعنى ولله المثل الأعلى. فلو أن عاملًا يعمل عند تاجر وعنده آخر، فقال هذا التاجر: سأمتحن عمالي وأنا أعلم أن فلان أمين والآخر فلان خائن، وسأمتحنهم، فلان سيجتاز الامتحان بأمانته وفلان سيفشل بخيانته، ثم كان الامتحان فاجتاز الأمين وفشل الخائن، هل يصح أن يستدل الخائن على ما وقع منه من فشل على مقولة رب العمل؟ لو استدل على ذلك لاستحق العقوبة مرتين: المرة الأولى أنه فعل تلك الخيانة والفشل، والمرة الثانية أنه استدل بما لا يصح الاستدلال به. لا يصح أن يقول: قد قال فلان أني سأفشل، يعني هل هذا حجة للبشر وهل هذا حجة للخيانة؟ لو قال مثل هذا لاستحق العقوبة مرتين لأنه استدل بما لا يصح الاستدلال به. وهكذا كذلك من يستدل بالقدر على معاصيه. قال رحمه الله تعالى وذكر عن علي رضي الله عنه أنه ذكر عنده القدر يومًا فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى فيه، فرقم بها باطن يده، يعني وضع فيها علامة هكذا، ثم قال: «أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب». وهذا سنده ضعيف كذلك كما أشار في التعليق، ولكن معناه صحيح. يعني كل شيء يفعله الإنسان الصغير والكبير القليل والكثير بقدر الله سبحانه وتعالى، لا يكون شيء في ملكوت الله سبحانه وتعالى إلا بقدر الله، حتى الذرة وما تصنع فإنه بقدر الله سبحانه وتعالى، وقد علمه الله عز وجل قبل أن يكون كيف يكون يوم يكون على وجه التفصيل والإجمال. لأنه سبحانه وتعالى الرب الإله الحق الذي هو بكل شيء عليم، لا يخفى عليه من أمر خلقه شيء، إن لم يعلم ذلك لكان هذا نقصًا بربوبيته سبحانه وتعالى، ولكن لأنه الرب الحق فإنه بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أمر مخلوقاته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله وذكر عنه أيضًا أنه قال: «إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله». وهذا كذلك في سنده انقطاع كما أشار، ولكن معناه صحيح، قد جاء معناه في حديث ابن عباس المشهور: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك». فمن الإيمان بالله الإيمان بالقدر، لا يتم الإيمان إلا بالإيمان بالقدر، فهو ركن من أركانه. ومن ذلك الإيمان أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وهذا يورث في قلب المؤمن ثقة بالله عز وجل ويقين وشجاعة، وأن كل شيء بأمر الله وقدره سبحانه وتعالى. فلن ينتقص من عمرك أحد، ولن يأخذ من رزقك أحد، ولن يستطيع أن يصيبك أحد إلا إذا أراد الله سبحانه وتعالى. وهذا الفرق بين المؤمن الموحد والكافر والمشرك والمنافق والضال من أهل البدع والأهواء. فعقيدة المؤمن الموحد غاية في الكمال والتوكل والثقة والصدق والشجاعة، لأن من الإيمان الإيمان بالقدر، فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، بل يعلم ما جاء في الحديث: «أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعه بشيء فلن ينفعه إلا بشيء قد كتبه الله له، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء فلن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه». فهو على يقين من هذا الأمر لا يشك في ذلك، فإذا كان كذلك أورثه هذا توكلًا عظيمًا وثقة بالله عظيمة وشجاعة عظيمة لا يساويها شيء. ولا ينافي ذلك الأخذ بالأسباب الذي قال هذا الحديث أخذ بأسباب الوقاية من الأعداء، فاتخذ الأسباب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «اعقلها وتوكل»، ليس اعقلها واتركها، وليس توكل دون أن تعقلها، لابد من الأمرين: تتوكل على الله وتأخذ بالأسباب. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم وفعله الأنبياء، حتى إذا كانت الأسباب ضعيفة مع ما أراده الله فلابد منها. لما أراد الله عز وجل أن يجعل البحر فرقتين كل فرقة كالطود العظيم جعل له سببًا وهو: أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه، فجعل له سببًا مع أن السبب حقيقة ليس سببًا فعالًا لولا مشيئة الله، ولكن جعل له سببًا. إذن لابد من الأخذ بالأسباب ولو كانت صغيرة يسيرة، ولو كانت قليلة، الله عز وجل قادر على أن يبارك فيها. فخذ بالأسباب وتوكل على الله سبحانه وتعالى، فلا تترك التوكل ولا تترك الأسباب. ولذلك قال العلماء: لا يتم الإيمان بالتوكل إلا بثلاثة أمور: الأخذ بالأسباب، عدم الاعتماد على الأسباب، معرفة الله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته. لأنه لا يمكن أن تعتمد على الله إذا لم تعرفه حق معرفته. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يصح توكل من فيلسوف ولا من معطل، الفيلسوف والمعطل ما يؤمن بالله عز وجل حق الإيمان في أسمائه وصفاته أسمائه الحسنى وصفاته العلى. فلذلك ما يقع في قلبه من معاني التوكل. أما المؤمن الموحد لله في قلبه عظيم لعظم ما علم من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فيعظم في قلبه ربه سبحانه وتعالى، فلذلك يتحقق عنده من معاني التوكل ما لا يتحقق عند غيره من المعطلة. والأمر الثاني: أن تعتمد على الله لا تعتمد على الأسباب، بل تعتمد على مسبب الأسباب، فتفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى. والأمر الثالث: أن تأخذ بالأسباب. بهذه الأمور الثلاثة يتم التوكل وبغيرها لا يتم. قال رحمه الله تعالى وذكر البخاري عن ابن مسعود أنه قال في خطبته: «الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره». وهذا كذلك من تأكيد الإيمان بالقدر، وقد مر معنا حديث ابن مسعود وتفسيره في دروس سابقة. قال: وقال جاء مرفوعًا، يعني قال ابن مسعود: «لأن أعب على جمر أو أقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن». ومعناه: أن المؤمن الحقيقي لا يعترض على قضاء الله وقدر، بل إذا قضى الله عز وجل شيئًا ولو كان مما يكره فيقول: قدر الله أو قدر الله وما شاء فعل. لأنه يعلم أن كل ذلك بقدر الله سبحانه وتعالى، فلا يقول: ليته لم يكن، لو أنه لم يكن، لا يعترض على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره حتى ولو كان في المعاصي. وهناك فرق أن تستدل بالقدر على فعل المعاصي، وأن تُعذر من وقع فيها بعد وقوعها. وقعت بقدر الله، ولكن لا شك أن صاحبها فسق ووقع منه ما كان سببًا في ذلك، فلذلك يحتاج أن يتوب من هذه المعاصي لأجل أن يكفر الله عز وجل عنه. ولكن هل يلام على هذه المعصية أو يعير بها؟ لا، لا يعير على هذه المعصية. ولهذا جاء في الحديث: «فحج آدم موسى» من هذا الباب، حج آدم موسى من هذا الباب بعد أن يتوب التائب عن معصيته، لا يجوز أن يعير بذلك لأنه وقع بقدر الله سبحانه وتعالى. فرق بين أن تذكر المعصية مع القدر بعد وقوعها أو قبل وقوعها. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم.