الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 79، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن ضعف الإنسان منذ خلقه، ويبين أن حفظ الله تعالى يحمي الإنسان من الهلاك. هذا الضعف يشمل جوانب متعددة من حياة الإنسان.
يناقش المقطع صفات الله تعالى وعلاقة خلقه بحكمته، موضحًا أن كل ما يحدث في الكون يعتبر خيرًا وعدلًا بالنسبة للخالق. توفيق الله وخذلانه يعتبران من حكمته ورحمته.
العزة في الإسلام تعني القوة والامتناع، وتكون كاملة بالإيمان وطاعة الله. العزة الحقيقية تأتي من التمسك بدين الله والابتعاد عن المعصية، وتتجلى في عزة الله ورسوله والمؤمنين.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يعبر المتحدث عن شكر الله على نعمه وتوفيقه في إيصال الرسالة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. فأخبر تعالى أن الإنسان خلق على هذه الصفة، وإن من كان على غيرها فلأجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه. ومعناه أن هذا هو الأصل، وإلا فما كان خلاف هذا فهو بفضل الله سبحانه وتعالى وإحسانه. وهو على قسمين: قسم منه يكون بما يجعله من طبعه، وهذا قليل. والقسم الآخر ما يكون من التوفيق لشرع الله ودينه. قال: وقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال طاووس، ومقاتل، وغيرهما: لا يصبر عن النساء. وهذا من التفسير ببعض المعنى، وإلا فهو ضعيف في كل شيء. قال: وقال الحسن: هو خلقه من ماء مهين، يعني خلقه من ماء مهين فهو ضعيف. فإذا كان مبدأ خلقه من الماء المهين من الرجل والمرأة، فكيف يكون قويا؟ قال: وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى. والصواب أن ضعفه يعم هذا كله. وضعفه أعظم من هذا وأكثر؛ لأن هذا من التفسير ببعض المعنى. قال: فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر. والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في الحدور. ومعنى السيل في الحدور: يعني المكان المنحدر شديد الانحدار. فالماء إذا جاء إلى مكان منحدر وهو كثير كالسيل في مكان شديد الانحدار، ينزل بقوة، وهو ما يسمى بالشلالات. يعني معناه أن الآفات تأتي إلى الإنسان بسبب ضعفه وما يكون من ابتلاء الله عز وجل أكثر من نزولي وأقوى من نزولي هذا الماء في هذا المكان المنحدر. قال: فبالإضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده. فإن تخلى عنه هذا المسعد المعين، فالهلاك أقرب إليه من نفسه. والمعنى أن الله العظيم سبحانه وتعالى هو الذي يحفظ هذا الإنسان. فلولا حفظ الله سبحانه وتعالى لهلك هذا الإنسان، لهلك بجهله وضعفه، فضلاً عن الآفات التي تملأ هذه الدنيا. ولذلك فإن الله عز وجل بحكمة يترك هذا الإنسان ونفسه، فيحصل من البلاء ما الله به عليم. ولولا حفظ الله سبحانه وتعالى لا هلك الناس جميعاً، ولم يطق منهم أحد. انظروا مثلاً الطاعون إذا أراد الله بعثه، فإذا بعثه كم يهلك من الناس؟ يهلك من الناس خلق لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى. ولكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، ولو حكم في بقاء خلقه. فلذلك مثل هذه الأدواء والآفات موجودة، ولكن الله عز وجل يحبسها بحكمته وعظيم لطفه بخلقه جل وعلا. وإذا أراد جل وعلا تركها والناس فأهلكتهم. انظروا إلى الجراد إذا جاء أهلك الزرع، وربما كذلك مات بسببه الزرع. فإذا وقع في سنة من السنوات وقع الناس في مصيبة عظيمة. وقحط شديد. والله عز وجل قادر على أن يتركها كل عام للناس، ولكن لحكمة ولطفه بعباده وخلقه جل وعلا يحبسها، وإنما ترسل إلى الناس بين الحين والآخر. انظر إلى البراكين، الأرض فيها من النيران ما لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا شاء وأذن لها أن تتنفس فتنفست هذه البراكين قتلت خلقا لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى. انظروا إلى الزلازل والأعاصير وغيرها مما هو موجود في الدنيا، ولكن من لطف الله بخلقه وعظيم حكمته بهم سبحانه أنه يحبسها عنهم. وهذا قوله عن الله جل وعلا: ﴿فَبِالْإِضْطِرَارِ لَابُدَّ لَهُم مِّنْ حَافِظٍ مُعِينٍ﴾. فلولا حفظ الله لهلك الناس جميعا. قال رحمه الله تعالى: وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الرب جل جلاله، ويثنى عليه بها. يعني لحكمة خلقهم على هذا الوصف. قال: وهو موجب حكمته وعزته. فكل ما يحدث من هذه الخلقة وما يلزم عنها، فهو بالنسبة إلى الخالق سبحانه خير وعدل وحكمة. إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته. وبالنسبة إلى العبد ينقسم إلى خير وشر، وحسن وقبيح. كما يكون بالنسبة إليه طاعة ومعصية، برًا وفجورًا. بل أخص من ذلك مثل كونه صلاة وصيامًا وحجًا، وسرقة وأكلًا وشربًا. إذ ذلك موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه. أي هذا الإنسان وموجب أمر الله له ونهيه. فلله سبحانه الحكم البالغة والنعمة السابغة، والحمد المطلق على جميع ما خلقه وأمر به، وعلى ما لم يخلقه مما لو شاء لخلقه، وعلى توفيقه الموجب لطاعته، وعلى خذلانه الموقع في معصيته. فما وقع من خير فهو فضل، وما وقع من غيره فهو عدل. ووجه العدل فيه: أنه سبحانه وتعالى أوقعه بأن وكل الإنسان إلى نفسه الضعيفة الأمارة بالسوء. فعند ذلك يكون ما يظنه الإنسان قبيحًا وشرًا. وهذا بالنسبة للأشياء الكونية، وبالنسبة للأشياء الشرعية فجورًا ومعصية وكفرًا ونفاقًا إلى آخره. وكل ذلك يقع بفعل الإنسان، بأن يوكل إلى نفسه الضعيفة، ضعيفة عن الصبر، ضعيفة عن العلم، ضعيفة عن حجز النفس عن شهواتها. فمن وكل إلى نفسه فضعف فوقع فيما حرمه الله أو ما نهى الله، فهذا إنما هو بسبب نفسه الضعيفة. وهو عدل من الله سبحانه وتعالى، وله حكم في ذلك. فلا يضاف هذا أنه صفة من صفات الله، بل هو مخلوق من خلق الله. فالله يخلق الخير والشر، ولكن لا يضاف إلى الله عز وجل الشر إلا إضافة خلق لا إضافة صفة. قال رحمه الله تعالى: وهو سبحانه سبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة، وأحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع. وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى، فله سبحانه بذلك أعظم حكمة مطلوبة. وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها. فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة. ولهذا يقرن سبحانه بكتابه بين اسمه الحكيم واسمه العليم تارة، وبينه وبين اسمه العزيز تارة. كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي علمه محتف بحكمة، وحكمته محتفة بعلم. قال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي كذلك حكمته محتفة بعزة، وعزته محتفة بحكمة. قال: وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. فإن العزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعا. قال: يقال العزة يعز بفتح العين إذا اشتد وقوي. ومنه الأرض العزاز للصلبة الشديدة. وعزة يعز بكسر العين إذا امتنع ممن يرومه. وعزة يعز بضم العين إذا غلب وقهر. فأعطوا أقوى الحركات وهي الضم لأقوى المعاني. وهو الغلب والقهر للغير. وأضعفها وهي الفتحة لأضعف هذه المعاني، وهو كون الشيء في نفسه صلبا ولا يلزم من ذلك أن يمتنع عن من يرومه. والحركة المتوسطة وهي الكسرة للمعنى المتوسط، وهو القوي الممتنع عن غيره، ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه. فأعطوا الأقوى للأقوى، والأضعف للأضعف، والمتوسط للمتوسط. يريد أن اللغة العربية فيها من الفصاحة والبيان ما ارتبط فيه المبنى بالمعنى. وهذا من ارتباط اللغة العربية بعضها ببعض. فعلم الصرف مع علم البلاغة يترابطان فيكشفان هذه المعاني البديعة الخفية. وهنا أراد أن يلفت الانتباه كيف أن فعل عزة إذا جاء وأريد به المعنى الضعيف نطق به بالفتح، والمعنى المتوسط بالكسر، والمعنى الأقوى بالضم. وهذا علم بالسماع والاستقرار. وهو كما ذكر رحمه الله أعطي هذه المعاني بهذا الترتيب قوة. والله عز وجل له المعنى الأكمل والأوفر من هذا اللفظ. فعزته قوة، وكذلك منعه، ففيها المعاني الكاملة من كل الوجوه. قال: ولا ريب أن قهر المريد عما يريده من أقوى أوصاف القادر. فإن قهره عن إرادته وجعله غير مريد، كان أقوى أنواع القهر. والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف. فالعز يقتضي كمال القدرة والعزة. ولهذا يوصف به المؤمن، ولا يكون ذمًا له، بخلاف الكبر. فيقال: رجل عزيز، يعني متعفف. وكذلك فيه معنى الامتناع. يعني المعنى الأول من عز يعز اشتداد وقوة، ولكن فيها ضعف، أي ليس فيها الكبرياء. قال: قال رجل للحسن البصري: إنك متكبر. فقال: لست بمتكبر، ولكني عزيز. ولذلك قد يختلط على الناس كون الإنسان لا يرضى لنفسه أن يحتاج للناس، قد يظنك الظان أنك متكبر، ولكن الحقيقة هذه عزة وتعفف واعتماد على النفس. فالاعتماد على النفس فضيلة، وعدم سؤال الناس كرامة. وكذلك كونك تقوم بنفسك هذا فضل. فاليد العليا خير من اليد السفلى. فإذا فعلت ذلك فلست بمتكبر، ولكنك عزيز. قال: وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فعزة الله تليق بالله كمالا وعظمة. وعزة الرسول تليق بالرسول عبدا ورسولا. وعزة المؤمنين تليق بالمؤمنين عبادا متبعين متعففين قائمين بما علموا من دين الله سبحانه وتعالى. فعزة المخلوق ناقصة، ونقصها بحسبها. وعزة الخالق كاملة بكمال الخالق جل وعلا. قال: وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. ومعنى أن عمر فيه من القوة والعزة ما أعز الله عز وجل به أهل هذا الدين. ومعناه أن أهل الإيمان يتفاوتون في العزة وفي القوة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين أو بأحدهما: عمر بن الخطاب أو أبي جهل بن هشام». والحديث حسن بمجموع طرقه. وأشار في التعليق إلى معنى ذلك فيه ضعف، لكن له طرق يرتقي بها إلى الحسن. حسنها الشيخ الألباني رحمه الله وغيره في مواضع. قال رحمه الله: في بعض الآثار: «إن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة الله». فالمؤمن عزته وقوته بتمسكه بدين الله عز وجل. ولا تكون عزة كاملة إلا بالإيمان. فعزة الملوك فيها كبر. وعزة أهل الإيمان فيها عدل؛ لأنهم إنما يأخذون العزة بوصايا الكتاب والسنة، وما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث: «اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك». لأن المعصية مذلة تسقطك في الحضيض، في الرذيلة. وأما الطاعة فعزة ترفعك في العلاء. لكن رفعة الطاعة ليس فيها كبر. ومن تعاظم على الناس بطاعته فقد تعدى. ما هو مقصود؟ تعدى ما هو مقصود. ومنه المن بالعمل الصالح، لا يجوز المن بالعمل الصالح. المن بالعمل الصالح ليس من العزة، بل من الكبر والخيلاء. والخيلاء الذي يحبط الله عز وجل به العمل: «من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». قال رحمه الله: قال بعضهم: من أراد عزًا بلا سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنى بلا مال، فينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة. لأن عز الطاعة يعطيك مهابة أعظم من مهابة السلطان. بماذا؟ بطاعة الله يكون لك مهابة، ويكون لك احترام وتقدير عند أهل الإيمان، بل حتى أهل الفجور يهابون أهل الطاعة. وكذلك يكاثر الله عز وجل لك، حتى لو لم يكن لك ولد، فكل أهل الإيمان لك أولياء. فهذا لك أب، وذاك لك أخ، وذاك لك ابن. بماذا؟ بولاية الإيمان. لما كان من طاعتك أكرمت نفسك بدين الله، فأكرمك الله بحب أوليائه لك. فتزيد عشيرتك بلا عشيرة. ربما ما عندك أبناء، ولا عندك آباء، ولا عندك قبيلة تحميك، ولكن يحميك الله سبحانه وتعالى بأوليائه من أهل الإيمان. وغنى بلا مال كذلك يغنيك الله عز وجل؛ لأن الغنى غنى النفس، ليس الغنى غنى المال. كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرا.