الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 159، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوم القيامة يبعث الله الأمة ثلاثة أصناف: سابق بالخيرات، ومقتصد، وظالم لنفسه. مصير كل صنف يختلف حسب عمله.
تفسير آية فاطر 32 يبين مصير الأصناف الثلاثة يوم القيامة، حيث يدخل السابقون الجنة بغير حساب والمقتصد يحاسب حسابًا يسيرًا.
الآيات والأحاديث تثبت نجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة، مع مناقشة الآثار المرفوعة والموقوفة والمرسلة.
أهل التوحيد يتفاوتون في مراتبهم؛ فمنهم السابقون والمقتصدون والظالم لنفسه، وجميعهم في النهاية يعودون إلى الجنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: ومنها ما رواه زكريا الساجي عن الحسن بن علي الواسطي، عن أبي سعد الخزاعي، عن الحسن بن سالم، عن سعد بن طريف، عن أبي هاشم الطائي، قال: قدمت المدينة، فدخلت مسجدها، فجلست إلى سارية، فجاء حذيفة رضي الله عنه، فقال: لا أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: «يبعث الله تبارك وتعالى هذه الأمة -أو كما قال- ثلاثة أصناف؛ فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات»، قال: فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يحاسب حسابًا يسيرًا، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله. قال: ومنها ما رواه الطبراني عن محمد بن إسحاق بن راهويه، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا جرير عن الأعمش، عن رجل سمى، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية، قال: «السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة». ومنها ما رواه ابن لهيعة عن ابن أبي جعفر، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قوله: ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾، قال: «فأما السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالمون فيحاسبون فيصيبهم عناء وكرب، ثم يدخلون الجنة، ثم يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾». ومنها ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا طعمة بن عمرو الجعفري، عن رجل، قال: قال أبو الدرداء: ألا أحدثك بحديث أخصك به لم أحدث به أحدًا؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله»، قال: «جنات عدن»، قال: «دخلوا الجنة جميعًا». قال: واحتجت أيضًا بالآيات والأحاديث التي تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة. أورد رحمه الله تعالى -وقد مر معنا فيما سبق ما ذكره رحمه الله بهذا الفصل- هذه الآثار التي رُويت مرفوعة موقوفة، وأكثرها ضعيف. فإن الحديث الأول المرفوع حديث حذيفة ضعيف، كما هو في التعليق؛ ففيه من هو متروك ورمي بالوضع. وهكذا الحديث الثاني فيه إرسال وانقطاع، وفيه شيء من الضعف. وكذلك الحديث الثالث، ولكن بعض معناه صحيح بما سبق من الأحاديث التي مرت معنا فيما تقدم من حديث عائشة وغيرها، وجاء موقوفًا وكذلك مرسلًا، وبأسانيد فيها ضعف ترتقي للحسن. فتفسير الآية مرفوعًا جاء، ولكن بمعنى آخر ليس بما جاء في هذه الآثار التي ذكرها رحمه الله هنا. والمقصود من إيراده هذه الآثار هو تابع لما تقدم في حال هذه الأمة وأعمالهم؛ فإن هذه الأمة لا يستوون في الأعمال، وأن أهل التوحيد ينجون ولو كانوا من أهل المعاصي. فإن هؤلاء الثلاثة -على الصحيح- أنهم من أهل التوحيد، إلا أنهم لا يستوون في المراتب؛ فمنهم من أهل المرتبة العالية، وهم السابقون بالخيرات، ومنهم في المرتبة الوسطى، وهم المقتصدون، ومنهم الظالم لنفسه، ولكنه لأنهم من أهل التوحيد فإنما مآله ومرده إلى الجنة، كما تقدم معنا في أحاديث وأثار، وسيأتي بعضها إن شاء الله. نكتفي بهذا إلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.