الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 161، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح ابن القيم رحمه الله تعالى آية قرآنية ويبين دلالة الضمير فيها، ويفسر معنى الآية وعلاقتها بالسابقين بالخيرات. يُبين الشيخ ابن عمر بن بريك كلام الإمام ابن القيم في كتابه «طريق الهجرتين».
يناقش المقطع وصف جنات السابقين بالذهب واللؤلؤ ويفسر دلالة هذا الوصف، ويبين أن هذا لا يدل على أن الظالمين لأنفسهم من أهل هذه الجنات، ويوضح الخلاف حول أصل دخولهم الجنة.
يناقش المقطع أقسام الناس المذكورة في سورة فاطر وجزاء كل قسم، ويبين ثواب الأبرار وعقاب الفجار، ويشير إلى أن الآيات مختصة بأهل الإيمان ويبرز مسألتين رئيسيتين حول الأصناف المذكورة في الآية وجزاءهم.
يشرح المقطع تحذير أهل العلم لصاحب الشائبتين ويبين أهمية التوبة النصوح له، ويذكر أن هؤلاء في محل خوف وليسوا كفارًا، ويعبر عن عقيدة أهل السنة والجماعة في الرجاء للمحسنين والخوف على المسيئين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «طريق الهجرتين»: قال: «وقالوا أيضًا: فقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ مرفوع؛ لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، وهو بدل نكرة من معرفة، كقوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، وحسن وقوعه؛ مجيء النكرة موصوفة لتفصيلها بالوصف، وقربها من المعرفة -يعني جنات عدن- وصف بما عرف به هذه النكرة، مثل قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ نكرة عرفت بما وصفت به بعدها». قال رحمه الله تعالى: «ومعلوم أن المبدل منه -وهو الفضل الكبير- مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى: أن سبقهم بالخيرات بإذنه هو الفضل الكبير، وهو جنات عدن يدخلونها، وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات؛ لأنه سببها وموجبها، ولا مانع أن يكون ما ذكر بعد كذلك من الأقسام الثلاثة يلحقهم هذا الجزاء؛ لأن الله عز وجل قال في أول الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، ثم ذكر الأقسام، وختم بالسابقين بالخيرات، فهذا الوصف لا يمنع أن يكون ليس محصورًا في آخر مذكور، بل هو للمذكورات قبله جميعًا، للمذكورات قبله جميعًا». وإذا اختلف الأمر في عود الضمير: هل يختص بآخر مذكور أو بالمذكورات قبله؟ فإننا ننظر إلى السياق والسباق والقرينة، فإذا دلت سياق الكلام -دلت الأدلة من سياق الكلام وسباقه والقرينة- على عود الضمير على ذلك كله المذكور قبله فإنه يكون كذلك، فالأصل إلى أقرب مذكور، ولكن كما مر معنا: أنه قد دلت القرائن اللفظية والمعنوية، وكذلك المتصلة والمنفصلة، على أن الضمير يعود إلى الجميع، وهذا هو الصواب كما تقدم معنا. قال رحمه الله تعالى: «قالوا: وأيضًا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ، وهذه جنات السابقين، لا جنات المقتصدين؛ فإن جنات الفردوس أربع، كما ثبت بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما"، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن. قال: «ومعلوم -والحديث في الصحيحين- أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين، فإذا كانت الجنتان الذهبيتان للظالمين لأنفسهم، فمن يسكن الجنتين الفضيتين؟ فعلم أن هذه الجنات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم، والصحيح كذلك». أن ما ذكر بعد إذا كان في حق السابقين، فلا مانع أن يكون لغيرهم غير هذا الوصف؛ لأن الخلاف ليس في درجات أهل الجنة، وإنما الخلاف كما تقدم: هل هؤلاء الثلاثة أصلا من أهل الجنة أم لا؟ فهؤلاء الذين قالوا بهذا القول قالوا: أن الظالمين لأنفسهم هم ليسوا أصلا من أهل الجنة، بل هم من أهل النار ومن الكفار، لا من عصاة المسلمين، فالخلاف ليس حول الجنة وأهلها ودرجاتهم فيها، وإنما الخلاف في قضية كونهم أصلا من أهل الجنة أولا. فإذا الاستدلال بهذا استدلال في غير محل الخلاف، والله تعالى أعلم. قالوا: وأيضًا فإن أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين هم السابقون بالخيرات، فوجب اختصاصهم بالدخول إلى الجنات المذكورة، وهذا كما قلنا: إذا لم تحتف القرين اللفظية والمعنوية، ولا القرين المتصلة والمنفصلة، وقد دلت الأدلة من القرائن اللفظية والمعنوية والمتصلة والمفصلة على أن الضمير يشمل الجميع، ولا يلزم من أن بعضه يكونوا خاصا بالسابقين بالخيرات ألا يكون الآخرون يشملهم دخول الجنة. فالكلام الآن على مسألتين: المسألة الأولى: هل هؤلاء الأصناف الثلاثة المذكورين في هذه الآية بسورة فاطر هم من أهل الإيمان الذين مآلهم إلى الجنة، ولو دخل بعضهم النار؟ أو هي تتناول أهل الإيمان والكفر؟ فهذه المسألة الأولى، وهي أصل الخلاف. والمسألة الثانية: إذا كانوا في الجنة، فهل الجزاء المذكور لهم جميعا؟ وكما تقدم معنا: أن الآية قسمتهم ثلاثة أقسام، وأن الجزاء كذلك ثلاثة أقسام، فهم لا يستوون في الوصف، ولا يستوون في الجزاء، وهذا عدل الله وفضله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «قالوا: وَبِاخْتِصَاصِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَقْسَامِ بِذِكْرِ ثَوَابِهِمْ، والسكوت عن الآخرين: ما هو معلوم من طريق القرآن؛ إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين والمحسنين، ومن رجحت حسناتهم، ويذكر عقاب الكفار والفجار والظالمين لأنفسهم، ومن خفت موازينهم، ويسكت عن القسم الذي فيه شائبتان وله مادتان، هذه طريقة في القرآن، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، وهذا كثير في القرآن، والصحيح أن هذا دليل للقائل، وليس له؛ لأنه لو كان في هؤلاء الثلاثة من هو من أهل النار الذين هم أهل الخلود في النار لم يذكر مع الثلاثة دون تفصيل؛ لأن هذا القرآن مثاني يذكر الأقسام مثناه بالوصف والمجازاة، فإذا كان هذا في مذر هذه الآيات، علم أن تلك الآية -على الصحيح- مختصة بأهل الإيمان، على اختلاف درجاتهم بالإيمان، والله تعالى أعلم». قال رحمه الله تعالى: «قالوا: وفي السكوت عن شأن صاحب الشائبتين تحذير عظيم وتخويف له؛ فإن أمره مرجأ إلى الله، وليس له عليه ضمان ولا له عنده وعد، فليحذر كل الحذر، وليبادر بالتوبة النصوح التي تلحقه بالمضمون لهم النجاة والفلاح، وهذا صحيح، وهؤلاء فجار وليس كفار، وهم في محل خوف، فلذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة أننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء». طيب لهنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.