طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 138

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 138

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 138، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أثر الذنوب والمعاصي في تحقيق العبودية لله

الذنوب تؤدي إلى انكسار النفس وتخليصها من الكبر، وتحقيق الخوف والخشية والندم. كما تعرف العبد بنعمة العافية والمعافاة من الله.

فوائد التوبة من الذنوب

التوبة من الذنب تؤدي إلى زيادة محبة الله للعبد وتقريبه منه، كما تجعل العبد يستكثر القليل من نعمة الله ويستقل الكثير من عمله. التوبة تجعل الإنسان أكثر يقظة لمصائد الشيطان.

أهمية الإيمان في الوقاية من المخاطر

الإيمان يحمي المسلم من المخاطر، فالناقص في إيمانه قد يلدغ مرات عديدة، بينما الحريص على إيمانه لا يلدغ من نفس الجحر مرتين بإذن الله. هذا يدل على أهمية الحفاظ على الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال الخامس عشر: أن يعريه من لباس الإذلال الذي يصلح للملوك، ويلبسه لباس الذل الذي لا يليق بالعبد سواه». والمعنى: ينزع من أخلاق الكبر والخيلاء والإذلال إلى محاسن النفس، والتي هي لا تليق بالعبد، بل منزلة العبد وكمال عبوديته: بذله وخضوعه وانكساره بين يدي ربه وخالقه، ولينه ورفقه بإخوانه. ولا شك أن الذنوب تكسر ذاك التعالي، فإذا انكسر ذاك التعالي ذهبت أخلاق الملوك، وجاءت أخلاق العبيد، وهذا هو المطلوب بالنسبة للعبد. قال رحمه الله تعالى: «السادس عشر: أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاء والإشفاق والندم». لا يستطيع الإنسان أن يجلب هذه الخشية وهذا الخوف وذاك البكاء والإشفاق والندم إذا لم يكن له سبب، ومن أعظم أسبابه الوقوع في الذنب، فإنه يورث -كما مر معنا- انكسارًا وحسرة وندمًا وخوفًا وخشية. فعند ذلك يرتمي العبد بين يدي ربه وخالقه ساجدًا وراكعًا وقائمًا بالدعاء والابتهال والخضوع والذل والبكاء والإشفاق والندم طلبًا لمغفرته ورحمته والتوبة عليه. وما كان له أن يقبل بهذا الإقبال إذا لم يكن قد ابتلاه الله بالذنب، فصارت بعض الذنوب سببًا في القرب من ربه وخالقه والوصول إلى هذه الملذات التي هي ألذ ما يتلذذ بها العبد في عبوديته ربه وخالقه. قال رحمه الله: «السابع عشر: أن يعرفه مقدار نعمة معافاته وفضله في توفيقه وعصمته». فإن من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار نعمة العافية. والمراد بها هنا العافية المعنوية، كما أن المرض الحسي يورث مقدار الصحة والعافية. نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. فالصحة بعد المرض يكون لها طعم، ويكون لها كذلك لذة حين يخرج الإنسان من المرض، يجد من النشاط والرغبة لاستغلال صحته بعد مرضه ما لا يجده لو لم يكن مريضًا. فكذلك العافية بعد المرض المعنوي، فالذنوب والمعاصي أمراض، والخروج منها يوجب معرفة قدر نعمة الله عليه. ولا تعرف النعم إلا بأضدادها، وهذا من حكمة الله، وهو خلاصة هذا الفصل الذي أورده رحمه الله تعالى في الكلام على أثر الذنوب والمعاصي وأحوال الناس فيها. لأن الله عز وجل لم يقدر كون وقوع الذنوب والمعاصي لأنه يحبها ويرضاها، فهو لا يحب الذنوب والمعاصي، ولكن لعلمه -وهو الرب العظيم الكريم الرحيم العليم- أن في هذا حكمًا ومصالح للناس قدرها، وهو لا يحبها، ووقوعها فيه حكم. ومن حكمه هذا المقصد العظيم الذي يكون به معرفة الأضداد وأثرها على إصلاح هذا الإنسان، فبالمرض يعرف نعمة العافية، وبالذنب يعرف نعمة الطاعة، وهكذا. قال رحمه الله تعالى: «الثامن عشر: أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه». فإن الله يحبه، ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة. وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر، لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة. ويقرب بهذا مثل -ولله المثل الأعلى- بين الأب وابنه، بل ووالديه والبنت ووالديها، صلة الأبوة والأمومة والبنوة التي لا تخفى، وبينهما من المحبة ما لا يخفى. لكن إذا وقع شيء من العقوبة من هذا الابن أو تلك البنت، فوجد أثر الغضب من والديه، وربما العقوبة، فحصلت وحشة بينهما. ثم وفق الله ذاك الولد أو البنت للاستعتاب والندم وقلب العفو وإصلاح ما كان من خطأ، فإن هذا يورث برًا وقربًا وإكرامًا أكثر مما كان من قبل. ليس كذلك، بلى؛ لأنه يريد أن يصلح ما وقع منه من تقصير. وماذا يكون في المقابل من جهة الوالدين؟ زيادة إكرام وزيادة محبة لما كان من هذا الإصلاح والاعتذار والاعتراف بالتقصير والمبالغة في البر والإحسان. كيف حصل هذا؟ حصل بسبب ذاك التقصير. ولله المثل الأعلى، العبد إذا أذنب وتاب، تاب الله عز وجل عليه. وعند ذلك تجتمع من معاني العبودية عند العبد من مما فيه إعظام الرب وإجلاله ومحبته ما لم يكن من قبل. ويأتيه من أثر هذه التوبة من محبة الله عز وجل وكذلك رضاه ما يجد أثره هذا العبد، فيجد لذة الطاعات، ويجد نور الإيمان، ويجد كذلك حلاوة التقوى والقرب من الله ما لم يجده من قبل. وكل هذا لم يقع إلا بذاك الذنب الذي ابتلاه الله عز وجل به، ثم تاب وتاب الله عليه. قال رحمه الله: «التاسع عشر: أنه إذا شهد إساءته وظلمه استكثر القليل من نعمة ربه، لعلمه بأن الواصل إليه منها كثير على مسيء مثله، واستقل الكثير من عمله، لعلمه بأن الذي يصير له أن يغسل به نجاسته ووزر ذنوبه أضعاف أضعاف ما يفعله». فهو دائمًا مستقل لعمله كائنًا ما كان، ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافيًا. وهذا ظاهر فيه معنى ما تقدم، وهو خلاصة ولب كل هذه الحكم وأهمها. فإن الإنسان إذا أذنب لم ير نفسه إلا محل نقص وتقصير وإساءة وقذر، فيحتاج إلى إصلاح نفسه القذرة وذنبه الذي ابتلي به. فعند ذلك يستكثر القليل من نعمة الله التي تصله -يعني حتى لو جاءه شيء قليل يراه كثيرًا لأمثاله المذنبين المقصرين المسيئين- وفي المقابل ما يأتي منه من خير يراه قليلًا في حق ما وقع منه من تقصير. فعند ذلك يدفع هذا للإكثار من الخير والطاعات وزيادة الشكر وتعظيمها فيما يأتيه من قبل الرب سبحانه وتعالى. وهو كما قال رحمه الله: إن هذا من أعظم فوائد الذنب والتوبة منه. قال: «العشرون: أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصائد العدو وما يكيد به، ويعرفه من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه». كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء. كما أن الناس يستفيدون من أمراضهم الحسية، فكذلك يستفيدون من أمراضهم المعنوية. الذي يصاب بالمرض الحسي يجد الدواء، فعند ذلك يكون عنده خبرة كيف دخل عليه المرض، فيحذر أن لا يدخل عليه مرة أخرى. فإن كان بسبب صحبة ورفقة وخلطة حذر أن لا تكون له خلطة تدخل عليه المرض، وهكذا. كذلك الأمراض المعنوية، أو كان في بيئة فيها هذا المرض لم يزرها ولم يذهب إليها مرة أخرى، كأن تكون أرضًا موبئة فلا يذهب إلى تلك الأرض ولا يقربها. وهكذا كذلك الأمراض المعنوية. وكذلك يجرب الأدوية فيجد الدواء المناسب له. وكل إنسان يناسبه الدواء الذي قد لا يناسب الآخر. ويضرب لهذا مثال يقرب مثلًا في الشتاء يصاب الكثير من الناس بأمراض الصدر، هل أسبابها واحدة؟ لا، بالجملة الشتاء، لكن رب إنسان يكون سببه تساهله في خروجه إلى الهواء البارد بعد اغتساله، وآخر بسبب شربه الماء البارد، وآخر بسبب خلطته للمرضى. فهو بتجربته عرف أكثر ما يضره، وإن كان يجمع الجميع، لكن يتحرى أكثر الموضع الذي يضره أكثر. وهكذا كذلك قل في الأمراض المعنوية. هذا الذي ابتلي بالصور وصار قلبه مريضًا بالصور، يعرف من أين يأتيه، فإن كان من المجلات تركها، أو كان من الجوالات اعتزلها، أو كان من مواقع الحاسوب كذلك عمل لها علاجًا ونحو ذلك. وهكذا كذلك العلاج، رب إنسان ينفع معه العلاج الخفيف فيتعالج ببعض الأعشاب وشرب الماء الحار والدافئ ونحو ذلك. ورب إنسان يكون علاجه أشد من ذلك يحتاج لحمية وعزلة وأشياء مضاعفة حتى يتعدى المرض ويتعافى منه. وهكذا كذلك الناس مع أمراضهم. وكل هذا يعرف بماذا؟ بوقوع المرض. وقوع المرض والشفاء منه يورث الإنسان حمية من هذا المرض، إضافة إلى أن أجسام الناس بدخول المرض تأخذ حمية من الأمراض الحسية. وكذلك -وهذا من حكمة الله في الابتلاء بهذه القاذورات- أن أرواح العباد وقلوبهم كذلك يكون فيها في الغالب حمية. ولذلك تجد مثلًا الشاب يدفعه الشيطان للوقوع في بعض المعاصي ما لا يدفع الشيخ الكبير، ويكون أكثره من باب ماذا؟ الفضول. فإذا وقع فيه وشعر بالندم والحسرة ورغب في التوبة وتاب الله عز وجل عليه، في الغالب -في الغالب إذا كان عاقلًا موفقًا- لا يمكن أن يعود لهذا الذنب مرة أخرى. لماذا؟ لأن الفضول الذي كان في قلبه زال، ولأن كذلك روحه ونفسه الأمارة بالسوء قد جربت. فعند ذلك يكون له حمية بإذن الله تعالى. وهذا هو الغالب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يلدغ المؤمن -يعني الكامل بإيمانه- ماذا؟ من جحر مرتين». أما الناقص في إيمانه فهذا قد يلدغ عشرات المرات إلا أن يشاء الله، لكن الذي يحرص على إيمانه لا يمكن أن يلدغ من جحر واحد مرتين. نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبي محمد وآله وصحبه وسلم.