الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 43، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على المؤمن أن يؤمن بالقدر خيره وشره، حيث إن الله سبحانه وتعالى قد قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض. الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان.
الإيمان بالقدر لا ينافي أعمال العباد ومشيئتهم، بل يجب على المؤمن أن يحرص على ما ينفعه ويستعين بالله ولا يعجز، مع الأخذ بالأسباب والعمل.
يجب على المؤمن أن يخلص في أعماله الصالحة ويحذر من تقلب القلوب، حيث إن الذنوب والمعاصي قد تهدم بنيان الإيمان وتؤدي إلى انحراف الإنسان.
الإنسان يخوض صراعًا داخليًا بين الإيمان والطاعة، ويمكنه أن يغلب إبليس وجنوده أو يستسلم لهم، ونتائج هذا الصراع تحدد حالة القلب ومآل الإنسان.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال وفي صحيح مسلم عن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر. وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس». والمعنى أن المؤمن يجب عليه أن يؤمن بالقدر، ولا منافاة بين القدر وبين سعي العباد. فالعجز والكيس -أي عدم القدرة والفطنة، أو القدرة والفطنة والخبرة- كل ذلك بقدر الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل هو الذي خلق الخلق وخلق أعمالهم، وهو الذي علم ما سيكون منهم وقدر ذلك جل وعلا، وهذا سر الله سبحانه وتعالى. قال: وفي صحيح مسلم أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء». قال: وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، فاحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان». وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج ذلك من البخيل ما لم يكن يريد أن يخرجه». قالوا: بحديث جبريل وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره». قالوا: بالصحيحين حديث ابن مسعود بالتخليق، وفيه: «وهو الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». هذه الأحاديث كلها تدل على وجوب الإيمان بالقدر، وأن المؤمن يجب عليه أن يؤمن بالقدر، والقدر سر الله سبحانه وتعالى. ومن الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وهذه الكتابة القديمة لا تنافي أعمال العاملين؛ فالذي كتب هذه الكتابة هو الذي ابتلى عباده وامتحنهم بطريق الخير وطريق شره، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. وفي هذا أيضًا إثبات العرش لله سبحانه وتعالى، واستوائه عليه بأدلة أخرى. وفي حديث أبي هريرة أيضًا في قوله عليه الصلاة والسلام: «ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل»، فمن الإيمان بالقدر الإيمان بتقدير الله عز وجل ومشيئته التي لا تنافي مشيئة العباد؛ فالله عز وجل أثبت لنفسه تقديرًا ومشيئة، وأثبت للعباد أعمالًا واختيارًا ومشيئة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا منافاة بين المشيئتين، ولكن لعلم الله سبحانه وتعالى وكمال ربوبيته وأسمائه وصفاته، فإن مشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله. وفيه أيضًا النهي عن استعمال «لو»، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان. وأما ما يجوز من «لو» فله مواضع، ومنها ما لا ينافي القدر، وقد بوَّب البخاري رحمه الله ما يدل على ذلك. وفي قوله في أول الحديث: «واستعن بالله ولا تعجز»، إشارة إلى أن العبد مأمور بأخذ أسباب الصلاح في الدنيا والآخرة، وأنه لا بد عليه أن يسعى ويعمل. وهذا مما يؤكد أنه لا منافاة بين أعمال العاملين ومشيئتهم واختيارهم وبين قدر الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا الحديث الذي بعده -حديث النذر- فإن النذر لا يقدر لابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره، ولكن العبد مأمور بفعل أسباب الكمال والصلاح والسلامة والابتعاد عن غيرها. ولهذا كره الشرع النذر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر كما صح عنه من غير وجه. والشاهد من الحديث هو أن هذا النذر لا يغير شيئًا من القدر، وإنما هو يستخرج من البخيل كما جاء في الحديث. ففيه كراهة النذر، وأن الإنسان ينبغي أن يتقرب بالأعمال الصالحة ليصل إلى ما يريد دون أن يكون مشروطًا. وفيه دليل أيضًا أن الأعمال الصالحة من صدقات ومبرات سبب لتحصيل المطلوب. فإذا أردت أن الله عز وجل يعطيك سؤالك فتقرب إلى الله، وإذا تقربت إلى الله أعطاك الله، وهو أكرم سبحانه وتعالى، لكن لا تجعله مشروطًا. والحديث الذي بعده من أركان الإيمان -الإيمان بالقدر- والقدر سر الله سبحانه وتعالى كما تقدم معنا. وفي حديث ابن مسعود وقد تقدم معنا معناه: فيه أن أعمال أهل الجنة وأهل النار كلها بقدر الله سبحانه وتعالى، ولا ينافي ذلك عمل العاملين وسعي الساعين ومشيئة أهل الإرادة واختيار العباد فيما يسلكون به. وإذا سلك العبد أسباب الهداية هداه الله، وإذا سلك أسباب الغواية أغواه الله. وغواية الله له بأن يكله إلى نفسه الأمارة بالسوء، وهذا هو قول أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. فالإنسان يسلك طريق أهل الجنة ثم يرافق رفيق السوء، فينقلب ويغير الطريق، فيصير إلى طريق أهل النار. وإنسان يسلك طريق الجنة في الظاهر، ولكنه في الخفاء وفي الباطن عنده معاصي وأمور كانت سببًا في سقوطه وانحرافه. فالذنوب والمعاصي والخلوات والخيانة بالغيب تهدم بنيان الإيمان. وهذا من المعاني: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. القلوب والأبصار تتقلب. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو إمام المتقين- يكثر في دعائه بسجوده: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك»، هذا الدعاء من النبي عليه الصلاة والسلام معناه أن الإنسان يبذل الأسباب في تثبيت قلبه. كما قال في حديث النعمان في الصحيحين: «إنه الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد». إذن لا تغتر -يا من وفقك للأعمال الصالحة- بهذه الأعمال الصالحة إذا كان قلبك غير مستقر ولا هو على يقين من الإيمان والطاعة والتقوى. فإذا كنت تنازع وتصارع قلبك في طريق الإيمان والطاعة والسنة، فهذه المصارعة أنت تملكها؛ إما أن تغلب جنود إبليس فيكون قلبك معك، وإما أن تضعف وتسلم قلبك لإبليس وجنوده، فعند ذلك سيطر العدو على القلب الذي هو ملك الجسد، فعند ذلك يأتي الخراب ولو كان الظاهر طاعة وإيمانًا وسنة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.