طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 45

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 45

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 45، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مراتب القدر وأدلته

يشرح الشيخ مراتب القدر الأربعة مستدلاً بالأحاديث النبوية، ويؤكد على أهمية الإيمان بها لإتمام الإيمان بالقدر. الإيمان بالمراتب الأربع ضروري لاستكمال الإيمان.

مسائل مستفادة من الأحاديث

المقطع يتناول مسائل مستفادة من حديثين نبويين تتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر ومصير الأطفال الذين يموتون صغارًا. كما يفسر قصة الغلام في سورة الكهف.

علم الله تعالى بالمخلوقات

يشرح المقطع علم الله الشامل والدقيق بالمخلوقات ويقارنه بعلم المخلوقين، ويبين أن علم الله لا يمنع المسؤولية الفردية. علم الله لا يلزم المخلوقين بأفعالهم.

أهمية الإيمان بالقدر

يشرح المقطع أهمية الإيمان بالقدر كركن من أركان الإيمان، ويبين أن القدر سر من أسرار الله تعالى يجب الإيمان به. الإيمان بالقدر ركن أساسي للإيمان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال وفي الصحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يدرك السوء ولم يعمله. قال: وغير ذلك. إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم. قالوا: بالصحيحين عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا». هذه الأحاديث كذلك من أحاديث القدر، وأوردها الإمام ابن القيم رحمه الله ليستدل بها على ما دلت عليه من إثبات القدر. والقدر كما تقدم معنا على أربعة مراتب، ما هي هذه المراتب الأربعة؟ ها عند من والخلق؟ نعم، القدر أربعة مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فلا يتم الإيمان بالقدر حتى يتم الإيمان بهذه المراتب الأربعة. فمباحث القدر تجتمع في هذه المراتب الأربعة: علم الله السابق، أن الله عز وجل علم الأشياء يوم قبل وقوعها كيف تقع، وقبل خلقها كيف تكون يوم تكون. وهكذا كذلك ما أمر الله عز وجل بكتابته، وأمر مشيئته وخلق الخلق وخلق أعمالهم، فكل شيء بقدر. والقدر سر الله سبحانه وتعالى، ولا منافاة بين القدر وبين أعمال العاملين. وفي هذين الحديثين عدة مسائل: أولها مسألة القدر، وأن القدر سر الله سبحانه وتعالى يجب الإيمان به، وأنه لا ينافي عمل العاملين. وقد تقدم معنا ذكر عدد من الأمثلة مما يوضح ويبين ذلك. والثاني: فيه كذلك أن الصغير إذا مات لا يدخل الجنة ابتداء، بل يمتحن كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن منهم من هم للجنة، ومنهم من هم إلى النار. وقد صحت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي معنا بعضه: أن الله عز وجل يمتحن الصغار، فمن اجتاز هذا الامتحان يوم القيامة دخل الجنة، ومن لم يجتزه دخل النار. وعلى هذا يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: أو غير ذلك، يعني ليس كل صغير يموت فهو إلى الجنة، بل منهم من يكون مصيره إلى الجنة، ومنهم غير ذلك. وبهذا المعنى يفهم أمر الغلام الذي ذكر الله عز وجل قصته في سورة الكهف، وفي حديث ابن عباس عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا»، يعني أنه كتب أنه كافر، ولكن لا ينافي ذلك عمله. فإن قيل: أين العمل وهو قد قتل صبيًا؟ الجواب: الله عز وجل العلم في سابق علمه أن هذا الصبي سيكون كافرًا. وهل في هذا إلزام لهذا الصبي أن يكون كافرًا، أو هذا فيه منقصة في عدل الله سبحانه وتعالى؟ حاشا وكل الله سبحانه وتعالى حكم عدل، ولكن لكمال ربوبيته سبحانه وتعالى وسعة علمه لا يخفى عليه من أمر خلقه شيء. فلذلك علم أن هذا الصبي إذا قدر أن كبر سيكون كافرًا وسيرهق أبويه، فرحمة بأبويه أرسل الله عز وجل الخضر أن يقتل هذا الغلام لما كان من أمر الأبوين وإيمانهما. ولكن كيف يكون مصير هذا الصبي؟ مصيره أنه يمتحن، ولكنه لن يجتاز الامتحان بما علم الله عز وجل في سابق علمه. وقد ضربت أمثلة تبين وتقرب هذا، ولله المثل الأعلى. كما قلنا في حال الأب مع أبنائه، ورب العمل مع من يعمل معه. فإن رب العمل يعلم من عماله من الصادق ومن الكاذب، من الأمين ومن الخائن، وهو مخلوق ضعيف، ومع ذلك في الغالب ما يخبر به يكون صوابًا. فإذا قال: وقد أعد امتحانًا لعماله، فلان سيجتاز الامتحان وسيظهر أنه أمين، وفلان لن يجتاز الامتحان وسيظهر أنه خائن. ففعل الامتحان، فاجتاز الأمين، وفشل الخائن. فهل يصبح للخائن أن يقول: لا تلومني ولا تعاقبني؛ لأنك قد أخبرت أنني لن أجتاز الامتحان؟ لو قال هذا لاستحق العقوبة مرتين: المرة الأولى لأجل خيانته، والمرة الثانية لأجل استدلاله بما لا يصح به استدلاله. ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى، فكيف بالله العظيم مع خلقه الذين خلقهم سبحانه وتعالى، وقد وسع علمه كل شيء؟ فإنه علم جل وعلا أن هؤلاء سيوفقون وسيسلكون طريق السعادة، وآخرون لن يوفقوا ولن يسلكوا طريق السعادة. ولهذا قال الله عز وجل عن أمثال هؤلاء: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾، والمعنى أنهم على هذا الوصف وعلى هذا الحال. المدرس مع طلابه كذلك يقول: هذا سينجح، وهذا سيفشل. فلو أعاد الامتحان مرة أخرى، فقال الفاشل: أعد علي الامتحان. وقال المدرس: ولو أعاد مئة مرة سيفشل. كلام المدرس صواب أم ليس بصواب؟ صواب. من أين أتى بهذه المعلومة؟ بحسب علمه بطلابه وخبرته بهم قال ذلك. وهل كان هذا القول إلزامًا لهذا الطالب؟ هل ملزم له للفشل؟ ليس ملزمًا له الفشل. كيف جاء الفشل؟ بسبب تقصير الطالب وإهماله وعدم إصلاح نفسه. وإذا كان هذا في علم مخلوق ضعيف، فكيف بعلم الخالق العظيم سبحانه وتعالى؟ وهذا هو قوله سبحانه وتعالى كذلك عن صنف من أهل النار: ﴿غلبت علينا شقوتنا﴾، يعني ضعفنا مع شهوات أنفسنا فغلبت علينا الشقاوة. وأمثال هؤلاء كذلك يقع فيهم قول الله عز وجل: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾. فبهذا تفهم وتعرف سر الله سبحانه وتعالى في القدر، وأنه فعلًا سر لله عز وجل يجب على أهل الإيمان أن يؤمن به، فهو ركن من أركان الإيمان. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.