الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 47، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ ابن بريك بشرح أثر عن ابن مسعود، موضحًا معنى الشقاء والسعادة وكتابة المقادير منذ تكون الجنين. يُبين أن هذا لا يلغي دور العبد في اختياره وعمله.
يشرح المقطع حديثًا نبويًا عن كتابة أعمال العباد قبل خلقهم، ويوضح أن هذه الكتابة لا تنافي عمل العبد، وأن المصائب تكون كفارة للذنوب.
يتناول المقطع شرح كيفية كتابة مقادير الخلق في الرحم، ويشير إلى حديث ضعيف الإسناد عن عائشة يصف عملية الخلق والتقدير في الرحم.
يفسر المقطع الحديث النبوي المتعلق بنفخ الروح وتسجيل أربع كلمات للمولود، ويبين أن هذا الإجراء الإلهي لا يتعارض مع حرية العبد في العمل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: لما قال ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «طريق الهجرتين»، قال: وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن هنيدة حدثه، وأن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما غررت لذلك قبله». قال: وذكر في عنب المسعود مرفوعًا: «إنما هم اثنتان: الهدي والكلام، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وإن كل محدثة قريب، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره». وهذا الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وروي مرفوعًا ولم يصح، كما أشار بالتعليق لضعف عبيد بن ميمون، وروي موقوفًا وهو أصح. والشاهد منه قوله: «وإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره». والمعنى: من كتب في بطن أمه شقيًا، فالكتابة تكون قبل الخروج إلى الدنيا. وبعض جمل هذا الأثر مروي في أحاديث صحيحة كأول خطبة الحاجة. وهكذا كذلك هذا طرف، آخره طرف من حديث مسعود المتقدم، ولا ينافي هذه الكتابة -كما تقدم معنا- ما أمر به الخلق من العمل والاختيار. ولهذا قال في آخره: «والسعيد من وعظ بغيره»، فالسعيد من وعظ بغيره بمعنى عمل عملًا ينجيه، فهو يملك طريق السعادة باختياره واتعاظه بغيره. ولذلك يقال: الشقي من لم يتعظ بغيره، والسعيد من وعظ بغيره. ومعنى أن الإنسان يملك الاختيار، فإذا اتعظ بغيره لم يرض لنفسه أن يقع فيما وقع فيه الغير من الضلال والانحراف والعذاب العاجل والآجل. وهذا من مباحث القدر. قال: وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن الشهاب أن عبد الرحمن بن هنيدة حدثه أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يخلق النسمة، قال ملك الأرحام: معرضًا -وفي نسخة: معرضًا- ومعناه أنه يعرض ذلك على الرب، قال: يا رب، أذكر أم أنثى، فيقضي الله أمره -أو فيقضي الله أمره- ثم يقول: يا رب، أشقي أم سعيد، فيقضي الله أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة ينكبها». وهذا الحديث بهذا الإسناد صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح ابن حبان وغيره. والشاهد منه أنه يكتب للخلق حين يكونون نسمة وأول ما ينفخ فيها الروح، كما جاء في الحديث الصحيح الأخرى التي سبقت، ومن ذلك شقاوته وسعادته. ولا ينافي ذلك عمل العامل. وقول: «يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ»، الله أعلم بهذه الكتابة، لكن ليست كتابة تكتب -كما مر معنا- على الجمجمة أو غيرها، فليس في هذا شيء صحيح. ولكن يكتب بمعنى الله أعلم به، قد يكون المراد به كتابة معنوية، وقد يكون كتابة حقيقية. وقول: «حتى النكبة ينكبها» يعني المصيبة، وما كان بمعناها من المصائب الكبار يصابها، ولله حكم في ذلك، فيجعلها الله عز وجل كفارة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، حين نزل قول الله عز وجل: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، شق ذلك على الصحابة -أو على المسلمين- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا، فكل ما يصيب المسلم كفارة له، حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها». فالله عز وجل يجعل ما يصيب الإنسان كفارة له إن كان مسلمًا، وعذاب وعقاب إن كان كافرًا أو فاجرًا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال: وقال الليث عن عقيل عن ابن الشهاب: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره. سواء قال الزهري: وحدثني عبد الرحمن بن دين عن ابن عمر مثل ذلك. وهذه أسانيد تؤكد ما سبق من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة، وكذلك التقدير للروح حين تنفخ، ولا يزال الإنسان في رحم أمه. وكما مر معنا هذا لا ينافي عمله. قال: وذكر أبو داود أيضًا عن عائشة ترفعه: «إن الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكًا، فيدخل على الرحم، فيقول: أي رب ماذا؟ فيقول: غلام أم جارية -أو ما شاء الله أن يخلق في الرحم- فيقول: أي رب أشقي أم سعيد، فيقول: شقي أو سعيد، فيقول: أي رب ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول: أي رب ما خلقه؟ فيقول: كذا وكذا، قال: فيقول: يا رب ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا -ويعني خلائقه صفاته من الأخلاق- قال: فما من شيء إلا هو يخلق يخلق معه في الرحم». والحديث بهذا الإسناد أشار بعض الحفاظ إلى نكارته، جاء من رواية الزبير بن عبد الله، قال البزار وغيره: عنده مناكير، وجعل هذا من مناكيره. وأصل الحديث في الصحيح -كما تقدم معنا- في الصحيحين، لكنه من حديث عائشة بهذا اللفظ ضعفه بعض أهل العلم، وأشار في التعليق إلى أن العراقي أشار أنه منكر، أي هذا الحديث بهذا اللفظ من حديث عائشة رضي الله عنها. وأصل معنى الحديث ثابت في الصحيحين، فإن الروح تنفخ للمولود وهو في بطن أمه، يؤمر بأربع كلمات. ولا ينافي ذلك ما يعمله العامل بعد ذلك، بل هذا من كمال ربوبيته سبحانه وتعالى، والطلاع الخالق جل وعلا بأمر خلقه سبحانه وتعالى. طيب، هنا إن شاء الله.