الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 80، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القوة عند المؤمن تعني القوة في الدين مقرونة بالقوة الجسدية، ويُعتبر المؤمن القوي أفضل عند الله من الضعيف. هذه القوة تُستخدم في طاعة الله ونصرة دينه.
العلم يحتاج إلى الحكمة ليتحقق الخير والمنفعة، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه المناسب. بدون الحكمة، قد يكون العلم مضرة وشرًا.
المقطع يناقش مفهوم الإرادة في الجمادات والحيوانات، ويستدل من الآيات والأحاديث على وجود إرادة تليق بطبيعة كل مخلوق. هذه الإرادة لا تنافي كونها جمادًا أو مخلوقًا.
اسم الله الحكيم يدل على حكمة الله في خلقه وأمره، سواء في الأمور الدينية أو الكونية. هذه الحكمة تشمل كل ما خلقه الله وما شرعه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال: بل عزة من جنس القدرة والقوة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. قال: فالقدرة إن لم تكن معها حكمة، بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان فعله فسادًا، كصاحب شهوات الغي والظلم الذي يفعل بقوته ما يريده في شهوات الغي في بطنه وفرجه، ومن ظلم الناس. فإن هذا وإن كان له قوة وعزة، لكن لما لم يقترن بها حكمة، كان ذلك معونة على شره وفساده. ولهذا فسر المؤمن القوي: أي القوي في دينه، لأنه ولا ينافي ذلك القوة في جسده، لأنه مؤمن وصف بالإيمان، فهو مؤمن قوي، سواء القوة المعنوية بإيمانه، أو القوة الجسدية في جسده الحسية، لأنه يستعين بهذه القوة بما ينفع نفسه وأهله ودينه، وهو حب وخير عند الله لمن يكون به من نصر دين الله عز وجل. وهل بهذا طلب تحصيل القوة الحسية والمعنوية لأهل الإيمان؟ الجواب: نعم، فيه الحث على تحصيل القوة الحسية والمعنوية لأهل الإيمان، ولا شك أن وجود أمثال هؤلاء نفع للإسلام. وعلى هذا كان رجاء النبي صلى الله عليه وسلم إسلام عمر؛ لأنه كان قويًا، ورجى أن يؤمن فينصر الله عز وجل به وبقوته المسلمين، فكان كما رجاه صلى الله عليه وسلم. ولهذا كما مر معنا جاء عن ابن مسعود: «ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر»؛ لأنهم كانوا يتسلط عليهم من قبل الكافرين، فلما أسلم عمر رضي الله عنه دفع الله عز وجل عن المسلمين والمستضعفين منهم. وهكذا كذلك حمزة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه من حين أسلم كذلك حصل الحمية، وكذلك المنع لضعفة المسلمين. فالمؤمن القوي خيرٌ وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وهو يشير بهذا إلى ما تقدم من أن ما قدره الله عز وجل مما أعطى هذا الإنسان، إن وجهه في الخير كان زيادة خير وأجر له، وإن وجهه في الشر والسوء والفساد - كما ذكر من الشهوات الغي في البطن والفرج وظلم الناس - فإنه يزداد به إثمًا. ولا شك أن الذي أعطاه هذه القوة لم يعطيه إياها سبحانه وتعالى لأجل يفعل بها السوء، ولكن أعطاه إياها امتحانًا وابتلاءً. فإن سلطها ووجهها في الخير كانت منفعة له بالدنيا وفي الآخرة، وإن وجهها في غير ذلك كانت مضرة وحجة عليه في الدنيا وفي الآخرة. قال رحمه الله تعالى: وكذلك العلم، كماله أن يقترن به الحكمة، وإلا فالعالم الذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه سفيه غاوٍ، وعلمه عون له على الشر والفساد. وهذا حال علماء السوء والفساد، سواء كان في علم الدين أو كان في علم الدنيا. بعلم الدين يضل الناس، ويكون سببًا في ضلال أمة من الناس، وهو رأس يدعو الناس إلى نار جهنم، ويضل أمة لا يحصيهم إلا الله. وهكذا كذلك إن كان حتى علمًا دنيويًا، فإن لم يوجهوا ويوجهوا في الخير كان علمًا يضر الناس، مثل استخدام السحر وسائر العلوم، حتى العلوم الطبية. فسائر العلوم إذا وجهت التوجيه الصحيح كانت منفعة للإنسان وللأديان ولكل شيء، وإذا لم توجه التوجيه الصحيح فإنها ستكون مضرة وشر وفسادًا، كما ذكر رحمه الله. فهذا هو اقتران العلم بالحكمة، الحكمة التي تقتضي وضع الشيء الذي يكون به كماله وتمامه. وهذا لا شك بما أرشد الله عز وجل إليه؛ فلم ينزل الله عز وجل كتبه، ولم يرسل رسله، ولم يشرع دينه إلا لأجل أن تكون هذه الحكمة التي بها يكون سعادة هذا الإنسان في الدنيا وفي الآخرة. بل الفطرة الصحيحة ترشد الإنسان إلى طريق الحكمة. إذا فطر الإنسان على فطرته الصحيحة فإنه سيسلك الطريق الذي تكون به الحكمة. ولذلك بعض الكفار إذا لم تصلهم هذه الرسالة وكانوا على فطرة صحيحة تكون أقوالهم وأخلاقهم وفعالهم تواثق ما جاءت به الرسل. فإذا تعرف على الدين الذي جاءت به الرسل دخل فيه بغير شك. وهذا له نظائر كثيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع عدد من الصحابة. وهكذا كذلك حتى في زماننا هذا، فإن الكثير من العقلاء الحكماء كانوا على فطرة صحيحة، ولكن أثر عليهم البيئة التي يعيشون فيها. فتجد مثلًا بعض الكفار لم يتعرف على الإسلام، لكنه لا يحب الظلم، ولا يشرب الخمر، ولا يرضى بالزنا، ولا يفعل الفواحش؛ لأن فطرته صحيحة سليمة. فيوفق أن يتعرف على الإسلام، فيكون من أول من يدخل فيه، كحال خيار الصحابة ومن تقدم دخوله في الإسلام. فإن منهم من لم يشرب الخمر لا في جاهلية ولا في إسلام، ومنهم من لم يعرف الزنا لا في جاهلية ولا في إسلام، وغير ذلك كثير مما يدل أن الحكمة قد يضعها الله عز وجل في الإنسان قبل نزول الشرع ووصول الدين، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال رحمه الله تعالى: هذا إذا كان عالمًا قادرًا مريدًا له إرادة من غير حكمة. وإن قدر أنه لا إرادة له بحال، فهذا أولًا ممتنع من الحي؛ فإن وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنع، كوجود إرادة بدون الشعور. يعني: لا يوجد إنسان ليس عنده توجه، لا بد أن يكون عنده توجه وإرادة، إما إرادة خير وإما إرادة شر، أو تردد بين الخير والشر في بعض الأعمال أو الأقوال أو المواقف. قال: وأما القدرة والقوة إذا قدر وجودها بدون إرادة، فهي كقوة الجماد. فإن القوة الطبيعية التي هي مبدأ الفعل والحركة، وقد قال بعض الناس: إن محلها شعورًا يليق به - يعني حتى الجمادات - وهذا قد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال: واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. ونسبة هذه الأفعال بهذه الجمادات: هل هي نسبة حقيقية أو هي من باب ذكر الشيء بأثره؟ قولان مشهوران. والصحيح أن الله عز وجل خلق في هذه الجمادات إرادة وأفعالًا، لكننا لا نعرفها ولا ندركها، كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى أن منها ما يسبح، بل كلها تسبح لله عز وجل تسبيحًا يليق بجلال الله وعظمته، ولا نعرف كنهه، فهي تسبح تسبيحًا يناسب خلقتها تعظيمًا لله عز وجل. قال: وبقوله تعالى: «جدارًا يريد أن ينقض»، فقول من قال: إنه من المجاز إضافة الإرادة للجدار ليس بصحيح، بل الصحيح أن الجدار له إرادة حقيقية تليق به كجماد، تليق به كجماد. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن حجرًا كان يسلم عليه بمكة، وهو حق وصدق نؤمن به كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. بل قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وغير ذلك كثير مما يدل أن الجمادات لها إرادات ولها أفعال، وهذه الأفعال لا تنافي كونها جماد، لا تنافي كونها جماد؛ لأنها تليق بخلقتها، كما أن الحيوانات كذلك لها أقوال وأفعال وإرادة تليق بخلقتها. بل قد يخلق الله عز وجل في بعض الجمادات أو الحيوانات ما يخرج عن العادة، فيدل على أن تلك الجمادات أو تلك الحيوانات لها من الإرادة والقصد ما يؤكد أنها ليس كما توصف - كما توصف بأنه لا إرادة لها ولا قصد - كالجمل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي، ففهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتظلم، فسأل عن صاحبه، فإذا به رجل وغلام من الأنصار، وأخبره أن جمله جاء يشتكي إليه ويتظلم. فالشاهد: الله عز وجل خلق هذه المخلوقات وجعل لها إرادة وقصد، ولكن الإنسان بضعفه ونقصه لا يدرك هذه الإرادات وهذه المقاصد التي خلقها الله عز وجل في هذه المخلوقات. وهو يريد أن يصل رحمه الله إلى شيء، وهو أن الإنسان ابتلي بما أعطاه الله عز وجل من أمور حسية أو معنوية، وأما الجمادات والحيوانات فليس كذلك. قال رحمه الله: المقصود أن العلم والقدر المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح، وإنما يحصل ذلك بالحكمة معهما. واسمه سبحانه الحكيم يتضمن حكمته في خلقه وأمره، في إرادته الدينية والكونية، وهو حكيمٌ في كل ما خلقه، حكيمٌ في كل ما أمر به. وهذا موضع عظيم من مواضع القدر الذي به ظلت طوائف كثيرة من القدرية، كما سيأتي ذكره والإشارة إليه في الفصل الآتي. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.