حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 18

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 18

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 18، تابع : أركان الإيمان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإيمان بالقدر ومراتبه الأربعة

الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأربعة أشياء: علم الله القديم، كتابة الله ما علم أنه كائن، مشيئة الله النافذة، وخلق الله للخلق وأعمالهم. هذه المراتب الأربعة هي أساس الإيمان بالقدر.

أركان الإيمان والإحسان ودلالاتها

يناقش أركان الإيمان الستة ويشرح دلالاتها وأدلتها من القرآن والسنة، ثم يتطرق إلى مرتبة الإحسان كأعلى مراتب الدين. الإحسان يعني عبادة الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

تحقيق مرتبة الإحسان وآثاره

يتحقق الإحسان بكمال المراقبة والمتابعة، ويترتب عليه آثار مثل عناية الله ورعايته ونصره وتأييده. يجب أداء الطاعات مع استحضار مراقبة الله تعالى لتحقيق الإحسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله -أي في الأصل- قال: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: أي بما قدره الله، يعني كتبه من خير وشر. والإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأربعة أشياء: الإيمان بعلم الله القديم، فإن الرب تعالى علم بعلمه القديم ما هو كائن. والإيمان بأن الله كتب ما علم أنه كائن من العباد. والإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله تعالى. وأن الله تعالى أوجد جميع الخلق، وأن ما في الكون بتقدير الله وإيجاده. فلا يصير المرء مؤمنًا بالقدر إلا بالإيمان بهذه الأربعة الأشياء. فهذه الأربعة الأشياء هي التي تسمى مراتب القدر، أن نؤمن بعلم الله، بأن الله بكل شيء عليم، وأن علمه سبق خلق الخلق، فهو علم ما يكون عليه أمر الخلق قبل أن يخلقهم. ولفظ القديم تأكيد لأزلية هذا العلم. وبعض أهل العلم يتحاشى مثل هذا التعبير؛ لأن لفظ القديم قد يفهم منه الابتداء، ولهذا يؤكدونه فيقولون: قديم بلا ابتداء. ولكن مراده رحمه الله إثبات أزلية الرب سبحانه وتعالى، فليس لعلمه أول كما ليس لعلمه آخر، فهو الأول الذي ليس قبله شيء في ذاته وفي أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، ومن ذلك العلم، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء في ذاته وفي أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى. وهكذا قل في سائر الأسماء والصفات، فهو متصف بها سبحانه وتعالى أزلًا أبدًا، ومنه العلم. والمرتبة الثانية -أو الأمر الثاني مما ذكره- الإيمان بأن الله كتب الأشياء قبل خلقها، كما سيأتي إن شاء الله. فالله عز وجل أول ما خلق من مخلوقاته مما يتعلق بأمره الدنيا القلم، وإلا فأول المخلوقات على الإطلاق العرش. كان الله ولم يكن شيء معه، وكان عرشه على الماء، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري وغيره. فأول مخلوقات الله العرش، استوى عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته سبحانه، ثم خلق المخلوقات، ومن أول ما خلق القلم، وقال له: «اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». فنؤمن بأن الله كتب الأشياء قبل وقوعها، ولا ينافي هذا الإيمان اختيار ومشيئة العبد، بل العبد يعمل باختياره، واختياره لا يخرج عن علم الله السابق، ولا عما كتب له، ولا عما شاءه سبحانه وتعالى، ولا منافات بين ذلك. ويضرب بهذا مثل -ولله المثل الأعلى- يقرب المعنى، والمقصود هو تقريب المعنى، وإلا فلله المثل الأعلى. لو أن إنسانًا عنده عامل أو عمال في دكانه، أو أب عنده أبناء، فقال: هذا الذي يملك العمل فلان سيكون في عمله أمينًا، وفلان سيغش ويخون، بما كان من خبرته وحسن معرفته لهؤلاء، فوقع الأمر كما قال فيما اختبرهم به، فهل يصح أن يستدل هذا العامل الخائن على خيانته بخبره فيقول: قد قلت أني سأخون، فلماذا تلومني؟ لو قال مثل هذا لاستحق العقوبة مرتين: المرة الأولى لأجل خيانته، والمرة الثانية أن يجادل فيما لا يصح أن يجادل به. فإذا كان هذا في المخلوق يستطيع بخبرته أن يعرف بعض ما يجري لمن تحت يده، ومثله الأب مع أبنائه، لو قال: فلان سيطيعني، وفلان سيعصيني، فوقع بمثل ما أخبر، فهل يصح أن يستدل العاصي على معصيته بأنه قد أخبر أنه سيعصي؟ لو فعل ذلك لاستحق العقوبة مرتين: أولًا لأجل معصيته، وثانيًا لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به. فكذلك الأمر للخلق مع الله، ولله المثل الأعلى، وهو الذي بكل شيء عليم. ومن تمام وكمال علمه وعظيم صفاته في ربوبيته وأسماء وصفاته: أنه لا يخفى عليه من أمر خلقه شيء، فهو الذي خلقهم، وهو الذي يعلم ما يكون منهم سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهم يفعلون بمحض اختيارهم، واختيارهم لا يخرج عن مشيئة الله، ولا ينافي كذلك معنى الخيرة. قال الله عز وجل: ﴿ة، ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ إلى أن قال: ﴿إن هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا﴾. وقال سبحانه: ﴿وهديناه النجدين﴾، أي الطريقين الواضحين البارزين. فهو يختار طريق الجنة أو طريق النار. وقال سبحانه: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾، أي: عرضت لهم أسباب الهداية من دلالة وإرشاد، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وفهم الحجج، ومع ذلك استحبوا هذا الضلال، وهذا الكفر، فاستحبوا العمى على الهدى. فإذن علمه السابق، وأمره بكتابته، لا ينافي مشيئة العبد. والمرتبة الثالثة -أو الأمر الثالث- الإيمان بمشيئة الله سبحانه وتعالى: أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومع إثبات مشيئة الله النافذة، فكذلك يثبت للعبد مشيئة، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، لا تخرج عنها؛ لأن مشيئة الله مشيئة خبر، تقع بمثل ما شاء، لا تخرج عن ذلك، وهو سبحانه وتعالى الخالق، الذي من معاني ربوبيته كماله في مشيئته، ونفوذ أمره به سبحانه وتعالى. ولا ينافي ذلك مشيئة المخلوق، فله مشيئة يختار بها، لا يجبره أحد على هذه المشيئة، وهي لا تخرج عما أشاءه الله سبحانه وتعالى، ولا منافاة في ذلك كما سمعنا. والرابع: الإيمان بأن الله خلق الخلق، وخلق أعمالهم. فكما أنه الذي شاء، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، كذلك خلق الخلق، وخلق أعمالهم. إن الله خالق صانع كل مصنوع، وصنعته، خالق كل صانع، وصنعته. وقال الله عز وجل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، أي: وعملكم. فلا يتم الإيمان بالقدر حتى يتم الإيمان بهذه الأربعة الأمور التي ذكرها رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: فلا يصير المرء مؤمنًا بالقدر إلا بالإيمان بهذه الأربعة الأشياء. وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. كذلك من تمام الإيمان بالقدر: أن تعظم توكلك وتعلقك بالله سبحانه وتعالى؛ لعلمك أن الله وحده المتفرد بمعاني الربوبية، وكمال الأسماء والصفات، فلا أحد يملك نفعًا ولا ضرًا إلا هو سبحانه وتعالى. قالوا في الأثر: «من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار». وهذا معنى حديث مرفوع جاء من حديث عبادة بن الصامت، رواه ابن وهب في القدر، وفيه انقطاع بين الأعمش وعبادة. فيرويه الأعمش عن عبادة، لكن له متابعات وشواهد، فقد رواه أحمد عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وحذيفة، وزيد بن ثابت بمعناه، وهو صحيح. فمعناه صحيح، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي لفظ هؤلاء: «إن ميت على غير ذلك دخلت النار»، يعني: ولم تؤمن بالقدر؛ لأن كان السؤال عن القدر. قال رحمه الله تعالى: قوله: «والدليل على هذه الأركان الستة». قال: أي أنها أركان للإيمان، لا يستقيم إيمان العبد إلا بها جميعها، وأنهما تنتفى واحدة منها لم يكن المرء مؤمنًا، كما تقدم تفصيله. فإن من خصال الإيمان ما يبطل الإيمان بالكلية، ومنها ينقص القدر الواجب، ومنها ينقص القدر المستحب؛ لأن الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب». قال: قد اجتمعت هذه الآية على جمل عظيمة، وعقيدة مستقيمة. وروي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية: ﴿ليس البر﴾. وهو كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة. وقيل: سمي البر برًا؛ لأنه يكون به بارًا بنفسه وبغيره. وقيل: أنه ينجو به إلى ما فيه النجاح من البر. وقيل غير ذلك. وهذه المعاني كلها تجتمع في البر، فالبر كل طيب يفضي ويوصل إلى طيب، ويكون به كذلك المعنى الطيب. ولو تأملت لفظة الباء والراء، فإنها ستجد أنها تدور حول هذا المعنى. والقاعدة عند أهل العربية والبلاغيين: أن تقارب وتوافق وتماثل المبنى يدل على تقارب وتوافق وتماثل المعنى، فتقارب المباني يدل على تقارب المعاني، وهذا كثير. قال رحمه الله تعالى: قوله: «أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب»، أي: ليس البر كله أن تصلوا إلى بيت المقدس -إن لم يكن الأمر- إن لم يكن أمر الله وشرعه. وذلك لما حولوا إلى الكعبة. يعني: المعنى: البر هو طاعة الله في التوجه إلى أي جهة، ولهذا فنحن نتجه إلى هذه الجهة، ليس تعظيمًا لها، وعبادة لها أبدًا، بل طاعة لله، فهو سبحانه وتعالى يبتل عباده بما يشاء من الطاعات. فالتحول من بيت المقدس إلى بيت الكعبة طاعة لله، فلا فرق بين جهة المشرق أو المغرب، أو بيت المقدس أو الكعبة، ما دام المقصود طاعة الله سبحانه وتعالى. فلا يجوز أن يتجه إلى جهة بغير شرع الله وأمره، كما لا يتعلق بتلك الجهة، بل بأن ذلك طاعة لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر». قال: أي: ولكن البر امتثال أوامر الله، واتباع ما شرع. وأعظم ما ذكر في هذه الآية، وهذه أنواع البر كلها. وبدأ بالإيمان، أي: ولكن الإيمان بالله، أو: ولكن البر بر من آمن بالله، يعني: هذا تقدير الكلام. قال: أو ذا البر بر من آمن بالله، أي: بتفرده جل وعلا بالربوبية والإلهية والأسماء الحسنى والصفات العليا؛ إذ هو أصل الأصول. فالبر يكون بالإيمان بالله، وتحقيقه، والذي من آثاره طاعته في أمره. فحيثما وجه العبد يتوجه -حسًا ومعنى-. قال رحمه الله تعالى: والإيمان باليوم الآخر، وهو البعث بعد الموت، ينقضي بقضاء الخلق في الدنيا، ويموت كل من فيها، ثم يحيي الله الموتى، ويعيد الأجساد كما كانت. وأوله من بعد أن يخرج من هذه الدنيا -وهو على الأرض- قبل أن يدخل إلى القبر، هذا من الإيمان باليوم الآخر. نؤمن بكل ما يقع للإنسان بعد ذلك إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بل وما بعد ذلك مما أخبرنا الله به، وأخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: ويجمع الأولين والآخرين، فيوفى كل عامل عمله. وقوله: «والملائكة والكتاب والنبيين»، أي: وصدق بوجود الملائكة كلهم، وأشرفهم السفرة بين الله ورسله -يعني كجبريل-، وآمن بالكتاب، وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى ختمها بالكتاب العزيز، وهو القرآن الكريم المهيم على ما قبله من الكتب. ومعنى مهيم: من جهة ما جاء به من الشرع فهو ناسخ لما قبله، ومن جهة كذلك ما فيه من الإعجاز، فهو كلام الله المتعبد بلفظه، والذي احتوى من معاني الهيمنة. قال: وجاء أنها مئة كتاب، وأربعة كتب، وهذا من أخبار أهل الكتاب، ليس فيه شيء صحيح صريح. قال: وآمن بأنبياء الله كلهم، من أولهم إلى آخرهم، خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. قوله: «ودليل القدر»، أي: وأنه ركن من أركان الإيمان، لا يستقيم الإيمان إلا به، كما تقدم: أن المؤلف ذكر أركان الإيمان مجملة، ثم ذكرها مفصلة بأدلتها، ويختصر على أهم الأدلة، ولا يريد الاستيعاب لهذه الأدلة، فهي كثيرة. قال رحمه الله: قوله تعالى: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، أي: وما خلقناه فمقدور مكتوب في اللوح المحفوظ. وفي الحديث: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس». والحديث في مسلم عن ابن عمر. ومعناه: أن كل شيء قد كتب وقدر وعلمه الله، فهي الأمور الثلاثة التي سبقت: حتى العجز والكيس، يعني: حتى ما يصيب الإنسان من عجز، وما يكون له من حسن تصرف وذكاء، فهو من الله سبحانه وتعالى، قد سبق في علمه، وفيما كتبه، وفيما كذلك نفذت به مشيئته. ولا ينافي ذلك أنه يحصل باختيار العبد، فالعبد يفعل باختياره، فينشط أو يكسل، فيعجز، وكل هذا قد سبق في علم الله، الذي لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه. وهذا من كماله في أسمائه وصفاته وأفعاله جل وعلا؛ لأنه الخالق سبحانه وتعالى والرب. قال رحمه الله تعالى: المرتبة الثالثة: الإحسان. قال: قدم مرتبتي الإسلام والإيمان، وثلث بالمرتبة الثالثة من مراتب الدين، وهي الإحسان. والإحسان نهاية الإخلاص، والإخلاص هو إيقاع العمل على أكمل وجوهه في الظاهر والباطن، بحيث يكون قائمًا به في الباطن والظاهر على أكمل الوجوه. وهذا هو الإحسان، ولهذا يفسر بالإخلاص. قال الله عز وجل عن يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿إنه كان من عبادنا المحسنين﴾. وقال في الآية الأولى: ﴿إنه كان من عبادنا المخلصين﴾. فآيتان يفسر أحدهما الآخر، فدل على أن الإخلاص هو الإحسان. قال: والإحسان أن يبلغ العبد مرتبة في عبوديته لربه سبحانه وتعالى، كأنه يراه من تمام مراقبته وتعظيمه لربه وخالقه سبحانه وتعالى. فإن لم يكن يراه، فهو الرب سبحانه وتعالى يراك. فلذلك تحققت هذه المرتبة العظيمة من مراتب الدين، وهي للخلص من عباد الله. قال رحمه الله تعالى: واشتقاقه من الحسن، نهاية الإخلاص الناشئ عن حقيقة الاستحضار. ومن حيث الظاهر: كمال المتابعة. وتفسير بالإخلاص تفسير له بنتيجته وثمرته؛ فإن من اتصف بذلك فإنه يكمل العمل في الظاهر والباطن. قال: يعني أن الإخلاص من صفات المحسن، وإلا فالإحسان من جمع بين الإخلاص والمتابعة. من جمع بين الإخلاص والمتابعة، كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، كما قال جل وعلا: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا﴾. وقال: ﴿إنني من المؤمنين﴾، فمن المسلمين. فقوله: ﴿ومن أحسن﴾، يعني: لا أحسن، فدل على أن هذا من الإحسان. قال: فالإحسان أعلى المراتب، وأعمها من جهة نفسها، وأخصها من جهة أصحابها. أعم من جهة نفسها؛ فهي تتناول أشياء كثيرة. وأخص من جهة أصحابها؛ من دخل فيها كان مختصًا بوصف لا يدخل معه غيره. فليس كل مسلم محسن، وليس كل مؤمن محسنًا. فالمحسن اختص بهذه الصفة، لكن كل محسن مؤمن ومسلم. قال: وكل ما أطلق الإحسان، فإنه يدخل فيه الإيمان والإسلام؛ فإن الإسلام والإيمان والإحسان دوائر، أوسعها دائرة الإسلام، ثم يليها في السعة الإيمان، ثم أضيقها الإحسان. كدوائر كل واحد منها محيط بالأخرى. فيدخل الإيمان والإسلام في الإحسان، ولا يدخل الإحسان في الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان والإسلام من خصال الإحسان. فمن وصل لمرتبة الإحسان فقد أدى ما يجب في مرتبة الإسلام والإيمان. قال: ومعلوم أن من كان في دائرة الإحسان فهو داخل في الإسلام والإيمان. وإذا خرج عن الأولى فهو داخل في الثانية، وهي دائرة الإيمان. وإذا خرج عنها فهو داخل في الثالثة، وهي دائرة الإسلام. ومن خرج عن هذه الدوائر الثلاث فهو خارج إلى غضب الله وعقابه، وداخل في دوائر الشيطان، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: فظهر بالتمثيل بهذه الدوائر صحة قول من قال: كل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا محسنا. فلا يلزم من دخوله في الإسلام أن يكون داخلًا في الإحسان والإيمان. وليس المراد أن من لم يكن في الإحسان والإيمان أن يكون كافرًا، بل يكون مسلمًا، ومعه من الإيمان ما يصحح إسلامه، لكن لا يكون مؤمنًا الإيمان الكامل. قال: وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «أعطيتهم وتركت فلانًا وهو مؤمن». فقال: «أو مسلم». يعني: معناه: نفع عنه الإيمان، وأثبت له الإسلام. ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمن والمسلم. ولهذا لو قيل لك في رجل معروف بالسرقة: مؤمن، قل: بل مسلم؛ لأنه لو كان مؤمنًا لما سرق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». فالسارق والزاني وصاحب كل معصية ليس بمؤمن، ولكنه مسلم؛ لأن إيمانه ناقص، فما يستحق اسم الإيمان. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه». يعني: نفى عنه الإيمان. حديث أبي شريح عند البخاري وغيره. قال: فالنصوص ما نفت عنهم الإسلام، بل أثبتت لهم أحكام الإسلام: من عصمة الدم، وإذا ماتوا غسلوا وكفنوا، وصلي عليهم. فأهل الإسلام هم خواص أهل الإيمان، كما أن أهل الإيمان هم خواص أهل الإسلام. فإن أهل الإحسان كملوا عبادة الله إلى أن وصلوا إلى حد المراقبة، وهي أعلى مراتب الدين. ولهذا كان أنبياء الله ورسله يوصفون بالإحسان: ﴿إنه كان من عبادنا المحسنين﴾؛ لأنها أعلى مراتب الدين. قال رحمه الله تعالى: قوله: «ركن واحد»، أي: شيء واحد. ولم يذكر له أركانًا، يعني: الإحسان كما ذكر للإسلام والإيمان؛ لأنه هكذا جاء في تعليم جبريل لهذه الأمة في سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم فيما تقدم من حديث. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وهو أن تعبد الله كأنك تراه». قال: أي: والإحسان هو أن تعبد الله -العبادة البدنية كالصلاة، أو المالية كالذبح- كأنك تشاهد معبودك الذي قمت بين يديه، وقربت له القربان، وأطعته فيما أمرك به. فإنه إذا انكشفت الحقيقة للقلب، وبلغ العبد في مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الرب سبحانه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وأحسَّت الروح بالقرب الخاص الذي ليس كقرب المحسوس من المحسوس، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه. أفضل قلب، والروح حينئذ إلى الرب. فصار يعبده كأنه يراه. قال: يعني: لكمال إيمانه، تخلص محبته ومعرفته وخضوعه وذله وتعظيمه لربه سبحانه وتعالى إلى القلب. فيكون عنده من التعظيم والإجلال والخضوع والذل والحب والرغبة والرهبة، وسائر معاني العبودية لله عز وجل إلى قلبه. فعند ذلك يعبد الله كأنه يراه، وهذا لا يكون إلا للمحسن، لا يكون إلا للمحسن. وعند ذلك تكمل هذه المراقبة في السر والعلن، وفي الظاهر والباطن. فيثمر ذلك كمالًا في الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، بما كان من كمال المراقبة، وتحقق معاني العبودية لله سبحانه وتعالى. قال: وكما أن الإسلام يحتاج لعمل، فيدخل فيه الإنسان فيصير مسلمًا. والإيمان يحتاج لعمل، فيدخل فيه فيصير مؤمنًا. فكذلك الإحسان يدخل إليه العبد بعمل فيصير محسنا. قال: فأنت إذا حرصت على واجتهدت على ترك المعاصي، وفعل الواجبات، فأنت مؤمن. ومتى ما ضعفت فوقعت في المعاصي بترك الواجبات أو فعل المحرمات، فأنت ناقص في إيمانك، ومسلم. وهكذا متى ما حرصت على مراقبة الله، فأنت بإذن الله تصل إلى مرتبة الإحسان. ليس فقط تؤدي الواجبات، وتترك المحرمات، بل تراقب الله سبحانه وتعالى في الظاهر والباطن، وفي كل فعل وقول، كأن الله سبحانه وتعالى معك، بل هو معك. قال: فإذا استحضرت هذه المراقبة، وتذكرت قول الله عز وجل: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾، حصل لك ما تريد بإذن الله من تحقيق مرتبة الإحسان. وكلما اجتهدت في تحقيق المراقبة، تحقق لك من معاني الإحسان ما تجد أثره في الدنيا، فضلًا عن الآخرة. قال: ومن آثار الإحسان: أن تجد من عناية الرب سبحانه وتعالى، ورعايته، وكلاءته، ونصره، وتأييده، وتوفيقه، وحفظه، ما يكون برهانًا لك أنك قد وفقت لهذه المرتبة التي يحبها الله عز وجل عباده. وهذا من عاجل البشرى للمؤمن، والموفق من وفقه الله. قال رحمه الله تعالى: قوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك». أي: وإن لم تعبده على استحضار الدرجة الأولى -درجة المراقبة- فاعلم أنه يراك سميع عليم بصير مطلع على جميع خفياتك. فهذه درجتان: إحداهما أكمل من الأخرى. فإن لم تحصل عبادة الله كأنك تشاهده، فاعبده على مرأى من الله، وأنه سميع عليم بجميع ما تفعله. قال: وكما قلنا: يصل إلى المرتبة الأولى من الإحسان بكمال المراقبة والمتابعة. فإن قصرت المراقبة والمتابعة، فلا أقل أن تستحضر أن الله يراقبك ويراك. إن ضعفت قوة إيمانك أن تجعلك تعبد الله كأنك تراه بعظمته وجلاله، فلا أقل أن تعبده وأنت على يقين أنه يراك. فهذه أقل مراتب الإحسان. قال: فإذا نزلت عن هذه الدرجة خرجت من الإحسان إلى الإيمان. فإذا كنت تؤدي هذه الطاعات -أقوالًا وأفعالًا ظاهرة وباطنة- وأنت لا تستحضر مراقبة الله لك، فقد خرجت من الإحسان، ودخلت في الإيمان، أو ربما -والعياذ بالله- إلى دون ذلك. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.