حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 2

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 2

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 2، تابع : القواعد التي يجب على كل مسلم معرفتها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية المعرفة الدينية

يشرح الشيخ أهمية معرفة الله ونبيه ودين الإسلام بالأدلة، ويبين أن هذه المعرفة فرض على كل مكلف. هذه المعرفة تشمل الإيمان والعمل بالشريعة.

أهمية العلم والعمل والدعوة

يؤكد النص على أهمية طلب العلم والعمل به والدعوة إليه والصبر على الأذى، ويحذر من التقليد الأعمى والعلم بلا عمل. يستشهد بآيات القرآن وأحاديث النبي.

تفسير سورة العصر ودلالتها

يفسر المقطع سورة العصر ويبين معانيها، حيث يقسم الله بالعصر ويذكر أن الإنسان في خسار إلا من آمن وعمل صالحا وتواصى بالحق والصبر.

سيرة الأنبياء والصالحين في الدعوة

يدل جمع الخصال الأربع على سيرة الأنبياء والرسل والصالحين، التي تتسم بالصبر على الأذى في سبيل نشر العلم والدعوة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، رحمه الله تعالى، في تعليقه على كتاب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «الأصول الثلاثة» أو المسمى بـ«ثلاثة الأصول». قال رحمه الله تعالى: «وقوله: وهو معرفة الله، قال: أي ما تعرف به إلينا في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من أسمائه وصفاته وأفعاله. ولا يكون الإنسان على حقيقة من دينه إلا بعد العلم بالله سبحانه وتعالى، وسيأتي إن شاء الله أدلت ذلك. فإنه لا يكفي الإنسان أن يعبد ربه سبحانه وتعالى من دون معرفته، بل لا تتحقق هذه العبادة إلا بمعرفته سبحانه وتعالى. ومن أعظم هذه المعرفة معرفته سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله. وعند ذلك تعرف ما يستحق جل وعلا، فإذا كان جل وعلا هو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأفعاله سبحانه وتعالى الأفعال الكاملة من كل وجه، فهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. وهو سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس تحته شيء، سبحانه وتعالى. عرفت عظمة ربك وخالقك سبحانه وتعالى إذا عرفت أن الله هو الذي خلقك وخلق كل المخلوقات، وأنه سبحانه وتعالى ووحده الذي يملك التصرف في هذا الكون وما فوقه وما تحته، فلله ملك السماوات والأرض. فعند ذلك تعرف أنه وحده الذي يستحق العبادة جل وعلا. ولهذا يقول العلماء: توحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الألوهية، يعني إذا عرفت ربك بمعاني ربوبيته، وذلك أن تعرفه سبحانه وتعالى بأفعاله التي هي من خصائصه سبحانه وتعالى، وعرفته بأسمائه وصفاته، فإن ذلك يستلزم أن توحده توحيد الألوهية بأن تعبده لا تعبد معه أحدًا، فتفرده سبحانه وتعالى بأفعالك، لا تشرك معه أحدًا، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا صالحًا من الصالحين ولا مخلوقًا من المخلوقين». قال رحمه الله تعالى: «وقوله: ومعرفة نبيه، قال: محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه الواسطة بيننا وبين الله بالنسبة لأهل الإسلام. معرفة نبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به الأديان، فلا يقبل دينًا سواه، ولا بعثة غير بعثته، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني»، يعني لأن الله ختم به الأديان وجعله خاتم الأنبياء والرسل الأجمعين عليهم الصلاة والسلام. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عيسى حين ينزل في آخر الزمان يتبع شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إنه يصلي خلف إمام المسلمين في ذاك الزمان، تأكيدًا لهذا المعنى، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويشارك المسلمين في قتل كل من خرج عن هذا الدين». قال رحمه الله تعالى: «فإن الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ رسالة الله ومعرفته فرض على كل مكلف، وأحد مهمات الدين. والنبي رجل أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بي فهو رسول. كما ذكر رحمه الله: الأنبياء واسطة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى في تبليغ الرسالة، وهذه الواسطة المأذون بها المشروعة بين الخالق والمخلوقين، واسطة تبليغ رسالة وتعليم. وأما الوسائط التي تتخذ لعبادة الله شفعاء، وكذلك أن يتخذوا بمعنى من المعاني التي يوصل بها إلى رضى الله سبحانه وتعالى بأن يقرب إليه زلفة، فهذه من الوسائط الشركية المحرمة. فإذا كان هذا ينفى عن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن دونهم من باب أولى». وقوله رحمه الله: «ومعرفته فرض على كل مكلف، وأحد مهمات الدين»، يعني معرفة الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن للعبد أن يعرف الله إلا بالله، فالله سبحانه وتعالى بما يرسل من رسل وينزل من كتب يعلمك ويوصلك إلى معرفته الذي به تعب، سبحانه وتعالى، بحسن عبادته. وقوله: «النبي رجل أوحي إليه لآخره»، هكذا اشتهر عند أكثر أهل العلم، ورجح شيخ الإسلام بن تيمية في كتابه «النبوات» رحمه الله، وتابعه ووافقه على ذلك جمع من أهل العلم، وهو الذي تقتضيه الأدلة، والله أعلم: أن الفرق بين النبي والرسول ليس كذلك، بل النبي هو الذي يأتي بشريعة تتبع شريعة من قبله، وأما الرسول فالذي يأتي بشريعة جديدة. فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول. ومما يدل على ذلك أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعًا أمروا بالتبليغ. ما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام حين بلغ من حوله بأمر رسالته، وما علمه الله عز وجل. وهكذا الأنبياء من قبله، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في الصحيحين: «يأتي النبي ومعه الرجل، ويأتي النبي ومعه الرجلان». وهذا معناه أنه نبي وبلغ، حتى كان له أتباع. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: معرفة دين الإسلام بالأدلة»، أي معرفة دين الإسلام الذي تعبد الله الخلق به بالأدلة من الكتاب والسنة. فدين الإسلام الذي تعبد الله عز وجل الخلق بالاستمساك به، معرفته من العلم الذي يجب وجوبًا عينيًا أن يتعلمه كل مسلم ومسلمة. فمعرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام، هذا من العلم الواجب وجوبًا عينيًا. قال رحمه الله: «والأدلة جمع دليل، والدليل هو ما يوصل إلى المطلوب». هكذا عرف، وبعض أهل العلم له زيادة عن هذا، والأمر في هذا واسع فيما يتعلق بالتدقيق في الألفاظ إذا كان المقصود هو المعنى العام. فالدليل: ما يوصل إلى المطلوب، سواء أكان هذا المطلوب حسيًا أو معنويًا. فالإشارة دليل توصلك إلى المطلوب في الطريق، وهذا دليل حسي. وهكذا الكذلك الحجج والبراهين دليل على قوة ذاك الشيء وحجيته أو عدم ذلك، وهذا معنوي. قال: «وفيه إشارة لأنه لا يصلح فيه التقليد، بل إذا لقي الله فإذا معه حجج وبراهينه»، يعني هذا الذي يجب، وهذا المقدار من العلم يجب تعلمه. فإذا كان كذلك نعرف خطر حال الكثير من الناس الذي دينه أخذه بالتقليد، فهو على خطر؛ لأنه ليس له حجة عند الله سبحانه وتعالى إذا قيل له: لما فعلت كذا؟ يقول: وجدت الناس يفعلونه ففعلت مثلهم. يقال: ما هكذا أمرت، بل أنت قرأت القرآن وسمعت سنة النبي عليه الصلاة والسلام وفهمت وعلمت أن الواجب عليك أن تتعلم بنفسك أمر دينك، وهذا من الواجب العيني. ولهذا في سؤال القبر يقول الفاجر والكافر: «ها ها، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت مثله». فهذا من شؤم التقليد. قال: «وهذا المقدار من العلم يجب تعلمه، بل كيف يعمل المرء بشيء وهو لا يعرفه؟ وجهل الإنسان حقيقة ما أمر الله به من أعظم الإثم. والعمر بغير علم طريق النصارى، والعلم بلا عمل طريق اليهود. ونحن أمرنا أن نتخلق من طريق اليهود وطريق النصارى، فلا يجوز أن يعمل الإنسان بغير علم حتى لا يكون مثل النصارى. انظر النصارى إلى يومنا هذا نرى آثار التقليد حتى صار دينهم كالسفهة، دين تافه. إذا قيل لأحدهم: ما عقيدة النصارى؟ قالوا: التثليث. وما هو التثليث؟ قال: نؤمن بالرب والأب والأم. وما معنى هذا؟ قال: لا أدري، أقول مثل ما يقولون، وأتلفظ كما يتلفظون. وهكذا في تفاصيل كثيرة يفعلونها على وجه التقليد الأعمى، وهذا من عملهم بغير علم، فلا تكن -يا أيها المسلم- كالنصارى يعمل من غير علم بالتقليد. وهكذا لا تكن كاليهود الذين يعلمون ولكنهم لا يعملون بما يعلمون، وكلا الطائفتين أمرنا الله بالتخلق والحذر من طريقهم». قال رحمه الله: «وقد أمرنا الله أن نسهل بكل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، وهو طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وهذا ظاهر، فأنت تقرأ في كل ركعة الفاتحة، وفيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اليهود والنصارى، أي وكذلك من سار بسيرهم، فكل من لم يعمل بعلمه فهو من المغضوب عليهم، وأولهم اليهود، وكل من عمل بدون علم فهو من الضالين، وأولهم النصارى». قال رحمه الله تعالى: «قوله الثاني: العمل به»، قال: «فالعمل هو ثمرة العلم، والعلم مقصود لغيره، بمنزلة الشجرة والعمل بمنزلة الثمرة، فلا بد مع العلم بدين الإسلام من العمل به. فإن الذي معه علم ولا يعمل به شر من الجاهل»، يعني لا تحرص على الشجرة بدون ثمرة، فهو الغاية، فالعلم وسيلة والعمل غاية. وقوله: «فإن الذي معه علم ولا يعمل به شر من الجاهل»، لأن الجاهل خطأه واحد، وهو عدم العلم، وهذا أخف من خطأ من علم ولم يعمل؛ لأن الجاهل قد يعذر بجهله، أما من علم فقد قامت عليه الحجة، فكان جهله أعظم وأكبر، وهو جهل العمل الذي هو من أعظم الجهل. ولهذا كان من أشد الناس عذابًا، وأولهم كان من أول الناس عذابًا يوم القيامة. قال: «وفي الحديث: أشد الناس عذابًا عالم لم ينفعه الله بعلمه». هذا معنى حديث، وصوابه والذي صح به: «أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة»، وذكر منهم: «العالم الذي لم يعمل بعلمه». قال رحمه الله: «قوله الثالثة: الدعوة إليه»، قال: «فإذا حصل له بتوفيق الله العلم بدين الإسلام والعمل به، فيجب عليه السعي في الدعوة إليه، كما هي طريقة الرسل وأتباعهم. وأعلى مراتب العلم الدعوة إلى الحق وسبيل الرشاد، ونفي الشرك والفساد، فإنه ما من نبي يبعث إلى قومه إلا ويدعوهم إلى طاعة الله وإفراده بالعبادة، وينهاهم عن الشرك وسائله وذرائعه، ويبدأ بالأهم فالأهم». قال: «ولا يكفي المرء أن يعمل بالعلم، بل يجب عليه كذلك أن يدعو إلى ذلك، كما سيأتي دليل إن شاء الله في سورة العصر، وفي غيرها من الأدلة الأخرى». ثم ذكر رحمه الله أن أعلى مراتب العلم الدعوة إلى الحق، أعلى مراتب العلم، يعني إذا كنت من أهل العلم فاعلم أن أعلى مراتب العلم الدعوة إلى هذا العلم هذا الحق. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: الصبر على الأذى فيه»، قال: «لأن من قام بدين الإسلام ودعى الناس إليه، فقد تحمل أمرًا عظيمًا، وقام مقام الرسل في الدعوة، وقصد أن يحول بين الناس وبين شهواتهم وأهوائهم واعتقاداتهم الباطلة، فحينئذ لا بد أن يؤذوه، فعليه أن يصبر ويحتسب. وهذه الأربع أوجب الواجبات، وهذه سنة الله، فإنه ما بعث من نبي ولا رسول إلا وكان لهم أعداء ومخالفون؛ لأنهم يحولون بين الناس وشهواتهم وأهوائهم وعقائدهم الباطلة، فعند ذلك لزم الصبر. الصبر على العلم وتحصيله، والصبر على العمل والثبات عليه، والصبر على الدعوة إلى هذا العلم وذاك العمل الذي هو حقيقة الدين الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين. وقد قال الله عز وجل في كتاب الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. كان المتوقع أن يذكر بعد ذكر نزول القرآن شكر نعمة نزول القرآن، ولكن ذكر الصبر؛ لأن من نزل عليه القرآن فتعلمه وعمل به ودعا إليه، فإنه ينبغي أن يصبر لما يلقى من الأذى، الشدة في التعلم والعمل والدعوة إلى العلم والعمل، وما يلقى من أذى في ذلك كله، فينبغي أن يصبر كل من سلك هذا المسلك. ولما ذكر الله عز وجل قصص الأنبياء والمرسلين، ذكر ما وقع لهم من أذية مع أممهم، من لدن نوح عليه الصلاة والسلام، ومن بعده من الأنبياء والمرسلين إلى نبينا عليه الصلاة والسلام». قال رحمه الله تعالى: «وقوله: والعصر»، قال: «أقسم تعالى بالعصر، وهو الدهر الذي هو زمن تحصيل الأرباح والأعمال الصالحة للمؤمنين، وزمن الشقاء للمعرضين، ولما فيه من العبر والعجائب للناظرين. والله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء؛ لأنه الرب الخالق سبحانه وتعالى. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالله سبحانه وتعالى، فلا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله؛ لأن الحلف معناه التعظيم، فالله يقسم بما شاء تنبيهًا إلى ما هو عظيم في مخلوقاته مما يقتضي العبرة والعظة. وأما المخلوق فهو مأمور أن يحقق العبودية لله، فلا يقسم إلا بالله سبحانه وتعالى. ولهذا تضافرت الأدل الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الحلف بغير الله، وأن من حلف فلا يحلف إلا بالله سبحانه وتعالى. كما قال رحمه الله: «أقسم الله بالعصر الذي هو الدهر، فإنه الدهر، أي الزمان لما فيه من تحصيل الأرباح والأعمال الصالحة للمؤمنين، وزمن الشقاء للمعرضين»، يعني هو محل الامتحان والابتلاء، ودار ومحل العمل، فهي دار ممر لا دار مستقر، يمتحن الناس فيها بما يكون في هذا الزمان من أعمال صالحة أو غير ذلك. فإذا ذكر بعد هذا القسم الإنسان بهذه الواجبات الأربع التي سبقت الإشارة إليها، فإذا يستدعي ذلك أن يعمر هذا الدهر والعصر والزمان بما يكون به نجاته من الخسارة، من العلم والعمل والدعوة والصبر على هذا العلم وذاك العمل والدعوة». قال رحمه الله تعالى: «وقوله: لفي خسر»، أي جنس الإنسان من حيث هو إنسان في خسار، ولا بد إلا من استثنى الله في هذه السورة، وهو من قام بهذه الخصال: الإيمان بالله والعمل الصالح في نفسه، وأمر غيره به، والصبر على ما ناله منه. كما تقدم: المقصود جنس الإنسان من حيث وإنسان، فهو يشمل كل إنسان: البر والفاجر، والمؤمن والكافر، إذ الكل مطالب بالعلم، وأول العلم الإيمان، كما تقدم: فإن مفتتح دعوة الرسل الدعوة إلى ماذا؟ إلى التوحيد والإيمان، والحذر من الشرك والكفر. فأول العلم الإيمان، ولهذا قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي حققوا العلم الذي تدخل فيه خصال الإيمان جميعًا. والإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول: «لا إله إلا الله»، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي لفظ في مسلم: «بضع وسبعون شعبة». «وعمل الصالحات»، العمل الصالح هو الذي يكون فيه تحقيق ذلك العلم، إذ لا يكون صالحًا إذا تخلف عن العمل بشيء من العلم، فصلاحه بالعمل بما علم، وإلا فيلحقه الوعيد الذي تقدم. وقوله هنا: «والعمل الصالح بنفسه، وأمر غيره به»، كما تقدم من أمر الدعوة، كما سيأتي إن شاء الله تفصيله. قال رحمه الله: «وقوله: وتواصوا بالحق»، قال: «أوصى بعضهم بعضًا بالإيمان بالله وتوحيده، وبالكتاب والسنة، والعمل بما فيها، وفيه الدعوة إليه»، يعني هذا من التواصي بالحق. وتأمل قوله سبحانه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، فإن التواصي يقتضي معاني كثيرة من الحكمة والرفق والرحمة، وكذلك المشورة وغير ذلك من معنى الاشتراك في حصول المقصود في ظهور الحق. فإذا كان المقصود هو إظهار الحق، وكان المأمور به التواصي، كان هذا مدعاه لتحقيق معاني المحبة والأخوة التي يكون بها قوة أهل الحق. قال: «وقوله: وتواصوا بالصبر»، أي على أداء الفرائض، وإقامة أمر الله وحدوده، ويدخل فيه الحق الواجب والمستحب. وفيه الصبر على الأذى فيه، فإن من قام بالدعوة إلى الله فلا بد أن يحصل له من الأذى بحسب ما قام به. وفي هذه السورة الكريمة التنبيه على أن جنس الإنسان كله في خسار، إلا من استثنى الله، وهو من كملت قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوة العملية بالطاعات، فهذا كماله في نفسه، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك، وأمره به، وبملاك ذلك وهو الصبر، وهذا غاية الكمال. قال ابن القيم رحمه الله: «جهاد النفس أربع مراتب: أحدها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به. ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين»، يعني العلم بهذا الهدى ودين الحق هو من أعظم أسباب السعادة، وهو من الجهاد المأمور به. قال: «الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها، بل تحقق الضرر لا شك، إذا كان عنده علم بلا عمل، تحقق له الضرر، ومن أول الضرر ذهاب العلم، فإن العلم يذهب إذا لم يعمل به. وكان السلف يستعينون على حفظ العلم بالعمل به، فكل ما وفقك الله لشيء من العلم فاعمل به، حتى إن الاستمرار على طريق العلم يحتاج إلى عمل، تعود نفسك على ملازمة حلق العلم وحضورها، والاجتهاد فيها، ودفع نفسك ولو كرهت ولو تكاسلت ولو فترت إلى هذا الخير، فإنك بذلك توفق. وأما إذا أعطيت نفسك ما تشتهي فأنت محروم، والمحروم من حرمه الله، فكيف بما هو أعظم من مسائل العقيدة والتوحيد والعبادة، وهو أعظم وأعظم؛ لأن العلم والعمل بالعلم يتناول جوانب كثيرة، فيها الواجبات، بل أوجب الواجبات، وفيها الطاعات وغير ذلك». قال: «الثالث: أن يجاهد على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفع علمه ولا ينجيه من عذاب الله، وهو ظاهر». قال: «الرابع: أن يجاهد على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله. وإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيًا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه. فمن علم وعمل فذلك يدعى عظيمًا في ملكوت السماء، وهو العالم الرباني. ولهذا قيل: كما جاء عن ابن عباس وغيره: «العالم الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره». وقيل: «هو الذي يعرف الناس بربهم، يدلهم على ربهم بعلمه وبعمله». فإذن جمع هذه الخصال الأربع: العلم والعمل والتعليم والصبر على العلم والعمل والتعليم ولو لقي الأذية، وهذه سيرة الأنبياء والرسل ومن سار بعدهم من الصديقين والشهداء والصالحين، تدلك على ذلك. يأتي النبي وليس معه أحد، ويخرج النبي وقد قتل، وهكذا من سار على طريقهم. إلى هنا والله تعالى أعلم.