حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 23

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 23

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 23، تابع : رسالته صلى الله عليه وسلم. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التوحيد وأهميته في دعوة الأنبياء

يشرح هذا الفصل أهمية التوحيد وأنه أساس الملة ودعوة الرسل، ويبين أن تحقيق التوحيد ليس بالأمر السهل ويتطلب العمل واليقين. كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى التوحيد لمدة عشر سنوات في مكة.

تفاصيل حادثة الإسراء والمعراج

يتناول هذا الفصل تفاصيل حادثة الإسراء والمعراج وردود الفعل تجاهها، حيث يؤكد أن الإسراء كان بجسد النبي وروحه، ويرد على من شكك في ذلك. كما يشير إلى أهمية الإيمان بالغيب.

أثر الشبهات على القلوب الضعيفة

يتحدث هذا الفصل عن أهمية إزالة الشبهة التي قد تؤثر على القلوب الضعيفة، ويشير إلى أن الشبه خطافة للقلوب. يختتم بالتأكيد على استكمال الموضوع في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، قال: أي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان التوحيد والدعوة إليه، وبيان الشرك والإنذار عنه والتحذير منه عشر سنين، قبل فرض الصلاة التي عماد الدين، وقبل بقية الشرائع. وبهذا يتبين لك أن حقيقة ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم ودعت إليه الرسل كلهم هو الإنذار عن الشرك والنهي عنه، والدعوة إلى التوحيد وبيانه وتوضيحه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال عن نوح وهود وصالح وشعيب: «أول شيء بدأوا به قومهم أن قالوا اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، وخاتمتهم محمد صلى الله عليه وسلم، أول شيء دعاهم إليه أن قال: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، وهو الحديث الذي تقدم معنا، جاء عن طارق بن عبد الله المحاربي، وربيع بن عباد الديلي، وعن رجل غير مسمى، الأول رواه البخاري، بخلق العباد، والثاني رواه أحمد، وكذلك الثالث رواه أحمد، وهو حديث صحيح. قال: «فَقَالُوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ». وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثوا إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». والحديث كما قال وتقدم معنا هو في الصحيحين عن ابن عباس. وجاء كذلك عن معاذ، قال: «وفي رواية إلى أن يوحدوا الله»، وهي رواية البخاري من حديث ابن عباس، قال: «وفي رواية فادعهم إلى توحيد الله». وهذه الروايات فسروا بعضها بعضا، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث بالدعوة إلى التوحيد، وذلك لأنه أساس الملة التي تبنى عليه، وبدونه لا ينبني شيء من الأعمال؛ لأن الأعمال تقوم على التوحيد، فإذا صح التوحيد صحت الأعمال، وإذا لم يكن توحيد لم تصح الأعمال. فاليهود والنصارى وأهل الشرك كانت لهم أعمال، ولكنها بطلت بسبب الشرك، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. قال: فالتوحيد هو الأصل، وبقية شرائع الدين فرع عنه، فإذا زال الأصل زال الفرع. فأي بيان أبين من هذا على أن التوحيد أوجب الواجبات، ومعرفة أفرض الفرائض؛ كونه صلى الله عليه وسلم أخذ عشر سنين يدعو إلى التوحيد وينذر عن الشرك قبل أن تفرض عليه الفرائض. وبهذا نعلم أن أمر التوحيد أمر عظيم، فهو علم وعمل، وليست كلمة تقال على اللسان كما يقول بعضهم: التوحيد ممكن أن نتعلمه في خمس دقائق، هذا الجهل بالتوحيد؛ لأن التوحيد علم وعمل، والتوحيد ثوابت وقواعد للدين، وهكذا كذلك التوحيد أعمال وأقوال وتفاصيل ودقائق تتناول جوانب كثيرة من حياة الإنسان، وكلها تحتاج إلى علم، يحتاج إلى علم حتى يمتثل هذا الإنسان ما يحبه الله من التوحيد في ظاهره وفي باطنه، وفي قوله وفي فعله، وفي مواقفه، وفي جوانب كثيرة ودقائق وتفاصيل عديدة تمر به في حياته. ولو مر الإنسان ومن يريد العلم على كتب التوحيد فقط، على ما ذكره العلماء من أبواب كتب التوحيد، علم أن مسائل ودقائق التوحيد كثيرة، فهو يحتاج أن يعتني بها. فكيف إذا علمنا أن العلم شيء، والعمل واليقين في هذا العلم شيء آخر؟ كم من إنسان من يقول لا إله إلا الله بلسانه، لكنه ما عرف عظمة لا إله إلا الله حتى وقرت في قلبه، وحتى كانت جوارحه الظاهرة والباطنة تترجم لا إله إلا الله؛ لأن لا إله إلا الله كلمة تستلزم أقوالا وأعمالا ظاهرة وباطنة حتى يتحقق هذا التوحيد. وهذا ليس بالأمر السهل. ولهذا صار أمر التوحيد من أوائل ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن قوي توحيده كمل قياده واستسلامه لشرع الله، ومن نقص توحيده نقص وضعفاً قياده واستسلامه لشرع الله. ولهذا لا يجتمع توحيد مع ضعف ونقص في الانقياد والطاعة، وإنما من كمال التوحيد كمال الانقياد والاستسلام لشرع الله سبحانه وتعالى، بفعل أمره واجتناب نهيه. ولهذا كان أول دعوة النبي عليه الصلاة والسلام إلى التوحيد عشر سنوات يدعو إلى التوحيد، بل وكذلك بعد العشر السنوات، ثلاثة عشر سنة كذلك يدعو إلى التوحيد، فكل حياته عليه الصلاة والسلام من حين أن أرسل وهو يدعو إلى التوحيد في مكة، وكذلك في المدينة. وما أكثر الأحاديث التي فيها الدعوة إلى التوحيد، لكن العهد المكي كان كاد أن يكون خالصاً في الدعوة إلى التوحيد، كاد أن يكون خالصاً، يعني لم ينزل من الشرائع ومن تفاصيل أحكام الدين مثل ما نزل في مكة؛ لأجل أن يخلص الناس في تصفية العقيدة وإقامة التوحيد الذي أمر الله عز وجل به، وهو أعظم مأمور، وهو الأساس. ولما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي الرواية الأخرى: «أن يوحد الله». وقوله «أول» معناه أخر كل شيء. ولهذا يحسن لمن أسلم حديثاً أول ما يعلم من العلم التوحيد، ويؤخر عنه كل شيء؛ حتى إذا عرف عظمة الرب سبحانه وتعالى، وحقيقة ما يجب أن يفرد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فعند ذلك يعلم من شرائع الإسلام الأول فالأول، بعد الشهادة لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، تأتي ماذا من أركان الإسلام الصلاة، فيعلم الصلاة، ومن لوازم الصلاة أن يتعلم الطهارة، وهكذا شيئاً فشيئاً حتى يثبت له إيمانه. قال رحمه الله تعالى: قوله عُرِج به إلى السماء، قال: أي أسري بجسده صلى الله عليه وسلم وروحه جميعاً من المسجد الحرام على البراق إلى بيت المقدس يقظةً لا مناماً، كما أخبر الله عنه، ثم صعد به جبرايل إلى السماء على المعراج، وهو المصعد الذي تصعد فيه الملائكة، كلما مر بسماء تلقاه مقربوها حتى جاوزهم إلى سدرة المنتهى، فبلغ من الارتفاع والعلو إلى ما الله به عليم، ودنى من الجبار جل جلاله، وكلمه بلا واسطة، فأوحى إليه ما أوحى. الإسراء هو من البيت الحرام إلى بيت المقدس، قال الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات، عُرِج به عليه الصلاة والسلام، كما جاء معناه في نص القرآن ونصوص السنة الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأحاديث الإسراء والمعراج كثيرة في الصحيحين وفي غيرها، حتى بعضهم يرى أنها تبلغ مبلغ التواتر بقوة ما روي فيها. وهذه الأحاديث أفادت كما ذكر رحمه الله أنه أسري به بجسده وروحه جميعاً، خلافاً لبعض أهل الأهواء الذين زعموا أن الإسراء كان للروح دون الجسد، وبعضهم قال: كان في المنام لا يقظة، وهذا باطل يكذبه نص القرآن والسنة ونصوص السنة الكثيرة. ولو كان كذلك لما كان هذا شيئاً كبيراً ولا عظيماً على أهل مكة؛ فكم من الناس من ينام ويرى في المنام ما يرى. ولكن كانوا يعلمون أنه أسري به حقيقة بروحه وجسده عليه الصلاة والسلام، ولهذا قام بعض المشركين يستهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقول: أجمع لك الناس وتخبرهم بما أخبرتني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». فجمعوا له الناس وهو يقول: «ذلكم المشرك أما سمعتم بما أخبر به؟» يعني يريد الاستهزاء والسخرية، وهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى بيت المقدس، فلما سألوه بتفاصيل بيت المقدس، والنبي عليه الصلاة والسلام همه ذلك، صور الله له بيت المقدس بين عينيه، فصار يصف لهم عليه الصلاة والسلام ذلك وصفا دقيقا، حتى كان ذلك محيرا للمشركين. أما أبو بكر فكان أول من صدق به عليه الصلاة والسلام، وبه وبغيره سمي الصديق رضي الله عنه أرضاه. والشاهد من هذا: هذه كانت آية من آيات كثيرة أُيِّد بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان فيها حكم عديدة، والإيمان به واجب من الغيب الذي يجب أن يؤمن به المسلم. والله عز وجل على كل شيء قدير. وأما استنكار بعض العقلانيين بأن هذا مما لا يقبله العقل، فيقال: هذا غير صحيح، بل العقل ما أكثر ما يرد عليه الشيء، فربما لا يقبله ابتداءا، ولكنه إذا عاينه وأدركه لم يجد بدّا إلا من التصديق والإيمان به. وهذا له نظائر كثيرة، وهذا منه. والعقل يعجز عن إدراك وفهم كل شيء، ولذلك يضرب بهذا أمثلة كثيرة فيما قد يحيله العقل اليوم ويصدق به غدا، ويحيله غدا ويصدق به بعد غد. وإذا كان كذلك فليعلم أن هذا منه، والله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير. فإن العقل يحيل أن يطير الإنسان في السماء، وأن ينتقل على الهواء من مكان إلى مكان، لو كان هذا قبل سنوات ربما قالوا: من يقول بذلك فهو مجنون، والعقل يحيل هذا. لكن اليوم بعد وجوده ورؤيته، هل أحد يحيل هذا؟ الجواب: لا، ما أحد يحيل هذا. فما الذي تغير؟ هذه العقول هي العقول. الجواب: لما رأت ذلك لم تجد بدا إلا أن تؤمن به. وكذلك هذا الغيب الذي لا نعلمه، فإن الله عز وجل على كل شيء قدير، فإذا كان في الدنيا بعض ما قد يحيله العقل ثم يثبته بوجوده، فكذلك بالنسبة للغيب، فإن الله عز وجل الذي لا يعجزه شيء أوقع ذلك، وهو على كل شيء قدير. وليس هذا بأقل من مركوبات الناس اليوم، فإنهم يركبون من بلد إلى بلد بوقت هو قريب من هذا الوقت. فكيف بعظمة الله سبحانه وتعالى واسع قدرته؟ وهو على كل شيء قدير. بل هذا مما يجب الإيمان به بمجرد خبر الصدق في نصوص القرآن والسنة، فضلاً أن يحتاج إلى تأييد العقل. ولكن هذا من باب إزالة شبهة قد تمرض بعض القلوب الضعيفة؛ فالشبه خطافة، والقلوب ضعيفة. إلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.