الدرس في شرح مختصر السيرة 140، الدرس الأربعون بعد المائة:من( ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ... ثم دخلت سنة ثمان وخمسين فمات فيها سعيد بن العاص ..وعبدالله بن عباس أحد الأجواد السبعة رضي الله عنهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل وفيات بعض الصحابة في سنوات متتالية من 42 إلى 49 هجريًا، وغزوة يزيد بن معاوية للروم وبلوغه قسطنطينية. كما يشير إلى استدلال بعض العلماء بذلك على رجاء مغفرة الله ليزيد بسبب أعماله الخيرية.
يتناول هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أول جيش يغزو مدينة قيصر ويغفر لهم، واستدلال أهل العلم بهذا الحديث على مغفرة يزيد بن معاوية ومن كان معه في الجيش.
يذكر هذا الفصل وفيات بعض الصحابة والتابعين في سنة أربع وخمسين وخمس وخمسين، مثل سودة بنت زمعة وأبي قتادة الأنصاري وغيرهم، كما يذكر قصة صعصعة بن ناجية.
يتناول هذا الفصل وفيات عدد من الشخصيات البارزة في سنة ثمان وخمسين هجريًا، مثل سعيد بن العاص وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عباس.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». قال: ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين، وفيها مات عمر بن العاص، رضي الله عنه، بمصر، وهو واليها. هكذا اشتهر بكتب التاريخ والسيَر، وبعضهم ذكر غير ذلك. قال: ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين، سنة ثلاث وأربعين، فيها مات عبد الله بن سلام، رضي الله عنه. قال: ثم دخلت سنة أربع وأربعين، فماتت فيها أم حبيبة بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، رضي الله عنهما. ثم دخلت سنة خمس وأربعين، فماتت فيها حفصة بنت عمر، أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، رضي الله عنهم. ثم دخلت سنة ست وأربعين، فمات فيها محمد بن مسلمة، رضي الله عنهم. ثم دخلت سنة سبع وأربعين، فمات فيها قيس بن عاصم، رضي الله عنهم. وهذا على وجه الاختصار، وإلا فبكتب التاريخ والسير أحداث، لكنه يقتصر هنا على ذكر من مات من الصحابة، رضي الله عنهم، ممن اشتهر ذكر وفاته، اختصارًا منه، ووقوفًا على أهم الأحداث التي يحتاج إلى تعليق. وهو كما تقدم عبارة عن مختصر. قال رحمه الله: حوادث سنة تسع وأربعين. ثم دخلت سنة تسع وأربعين، وفيها كانت غزوة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الروم حتى بلغ قسطنطينية، ومعه ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري. وفيها مات الحسن بن علي، وجويرية بنت الحارث، أم المؤمنين، وصفية بنت حيي، أم المؤمنين، وجبير بن مطعم، وحسان بن ثابت، ودحية بن خليفة الكلبي، وكعب بن مالك، وعمر بن أبي الضمري، وعقيل بن أبي طالب، وعتبان بن مالك، والمغيرة بن شعبة، رضي الله عنهم أجمعين. وما ذكره رحمه الله عن غزو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الروم حتى بلغ قسطنطينية، ومعه من معه من الصحابة، رضي الله عنهم، استدل به من استدل من أهل العلم على أن يزيد، وإن وقع منه ما وقع، فيرجى أن الله غفر له بما صنع من أعمال الخير والبر، ومن ذلك غزوه بلاد الروم، وقسطنطينية على وجه الخصوص، خصوصًا وأنه ورد فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿قسطنطينية تفتح مرات﴾، فقد جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ﴿أنها تفتح قبيل خروج الدجال حتى إن المسلمين إذا فتحوها ينادي المنادي فيهم أن الدجال قد خلفكم في أهاليكم ودراريكم فيرجعون إلى الشام فبينما هم يعدون للقتال يسمعون صوتًا فإذا هو عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل﴾. الحديث الطويل الذي رواه الإمام مسلم في الصحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه. وهكذا كذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها تفتح قبل ذلك، فقد جاء في الصحيحين، وجاء بلفظ البخاري من حديث أم حرام، وجاء من رواية عبادة بن الصامت عن أم حرام: «أول جيش من أمتي يغزو البحر ذكر الحديث»، فقالت أم حرام: أنا فيهم يا رسول الله، قال: «أنت فيهم». ثم قال: «أول جيش يغزو مدينة قيصر مغفور لهم»، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله، قال: «لا». فقوله: «أول جيش يغزو مدينة قيصر» فيه أولًا: أن مدينة قيصر تغزى أكثر من مرة، ومدينة قيصر هي قسطنطينية التي تسمى اليوم بإستانبول. فأول جيش غزاها من المسلمين هو الجيش الذي فيه يزيد بن معاوية. واستدل من استدل من أهل العلم بهذا الحديث على أن يزيد، وإن كان منه ما كان، إلا أنه يرجى أن يغفر له بما كان من غزوه بهذا الجيش. واستدل به كذلك: أن من كان في هذا الجيش فهو مغفور له. وفي هذا الجيش من الصحابة من سمعنا وغيرهم، وهكذا كثير هو منهم يزيد بن معاوية. وبهذا استدل به من استدل من أهل السنة على الرافضة على أنهم لا يجحدون بعض ما صح في حق يزيد، إلا أنهم يرجون أن الله قد غفر له بما كان من عمله الصالح، ومنه هذا الغزو، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ثم دخلت سنة إحدى وخمسين، فمات فيها سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، وجرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنهم. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين، فمات فيها أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري غازيًا، ودفن عند سور القسطنطينية، وكان النصارى يستسقون بقبره، رضي الله عنه، كما ذكر ذلك أهل السير. ولا يعني ذلك إقرارًا منهم على صنيع النصارى، بل يريدون بذلك أن الله عز وجل أكرم أبا أيوب، وكان في هذا امتحان وفتنة للنصارى، وإلا ففعل النصارى شرك، ولا يجوز كونهم يطلبون من الميت. قال: وبرأه الله من عقائد النصارى؛ يعني الشركية والبدعية. قال: ومات بها أبو موسى الأشعري، وعمران بن حسين، رضي الله عنهما. قال: ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين، فمات فيها صعصعة بن ناجية، الصحابي الذي يقال: إنه أحيا أربعمائة موؤودة في الجاهلية، وزياد بن سمية، رضي الله عنهم. وصعصعة بن ناجية، الصحابي الذي قيل فيه: إنه أحيا أربعمائة موؤودة، خبره رواه البزار في مسنده، والطبراني في الكبير، ولكن قال الهيثم -كما في «مجمع الزوائد»-: فيه الطفيل بن عمرو التميمي، قال فيه البخاري: لا يصح حديثه. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. فخبر إسلامه، والذي فيه هذه القصة: أنه أحيا ثلاثمائة وستين موؤودة، هكذا جاء في هذه الرواية. هذا الخبر لم يصح عند أهل المعرفة بالحديث، لكنه اشتهر في كتب التاريخ والسير. ولكن بعض أهل العلم استأنس بأشعار روية في هذا الباب، فقالوا: هذا يؤيد أن لهذه القصة أصلًا. واستدلوا بقول الفرزدق: «جد الذي منع الوائدات فأحيا الوائد فلم يؤدي». وخلاصة هذه القصة: أنه كان في الجاهلية إذا سمع رجلًا أراد أن يؤد ابنته يأتي إليه فيقول: أريد أن أشتري منك ابنتك. فيقول: أنا فلان بن فلان -يعني أفتخر بقبيلته- وهل علمت عنا أن نبيع نساءنا؟ فيقول له: لا أريد أن أشتريها، ولكن أريد أن أفتديها ألا تقتلها. فيقول: بكم؟ فيقول: بناقتين عشراوين. فيقول: وزد على ذلك جملًا -يعني ابتدأ بذلك- فزاده جملًا على أن يوصله إلى أهله، حتى صار يشتهر عند الناس أن من أراد أن يدفن ابنته حية يأتي إليه صعصعة بن ناجية فيفديه، ففدى ثلاثمائة وستين موؤودة. فلما جاء الله بالإسلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان من عملي في الجاهلية كذا وكذا، فهل لي في ذلك من أجر؟ قال: «نعم إن أسلمت». قال: «نعم إن أسلمت»، فأسلم. والحديث فيه قصة، وهو ضعيف كما سمعنا عند أهل المعرفة بالحديث. لكن روية أشعار استدل بها بعض أهل العلم أن لصعصعة بن ناجية فضل في هذا الباب. قال: ثم دخلت سنة أربع وخمسين، فماتت فيها سودة بنت زمعة، أم المؤمنين، وأبو قتادة الأنصاري، وحكيم بن حزام، رضي الله عنهم. ثم دخلت سنة خمس وخمسين، فمات فيها سعد بن مالك، والأرقم بن أبي الأرقم، الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام مختبئًا في داره. وقصة الأرقم بن أبي الأرقم مشهورة، ذكرت في الصحيح وفي أحاديث كثيرة. قال: وسحبان وائل البليغ الذي يضرب به المثل في الفصاحة -يعني كذلك مات في هذه السنة- وسحبان وائل المذكور ها هنا هو المشهور بخطيب العرب، وأفصح رجل يذكر في العرب، حتى ضرب به المثل، فإذا أرادوا أن يمتحنوا إنسانًا يقولون: أفصح من سحبان وائل؟ أو أخطب من سحبان وائل؟ يعني بلغ فصاحة لم يبلغها أحد، حتى إنه تعدى أفصح العرب وهو سحبان وائل. وقد ذكر في ترجمته عجائب في فصاحته وبلاغته، واختلف في إسلامه وهل كونه من الصحابة أم لا؟ فهو أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام، ولكن اختلف أهل العلم في صحبته. وقد أشار الحافظ بن حجر وغيره إلى هذا الخلاف في صحبته، والكثير من أهل العلم: أنه أسلم وأدرك الإسلام، وإن كان قد اختلف في رؤيته النبي صلى الله عليه وسلم، فبعضهم قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم قال: لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة أقوال ذكرت في ترجمة سحبان وائل. قال: ثم دخلت سنة ست وخمسين، فدعا فيها معاوية الناس لبيعة ابنه يزيد. ثم دخلت سنة سبع وخمسين، فمات فيها عثمان بن حنيف، رضي الله عنه. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين، فمات فيها سعيد بن العاص، أحد الأجواد السبعة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عباس، أحد الأجواد السبعة، رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وهذا الذي ذكره -كما قلنا- أهم الأحداث التي ناسب أن يذكرها في هذا المختصر، فنقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.