الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 81، الدرس الحادي والثمانون:من( باب قول الله تعالى:ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ... فقال للذي لم يرض برسول الله:أكذلك؟قال نعم فضربه بالسيف فقتله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول التحذير من التحاكم إلى غير حكم الله ورسوله، ويشرح الآيات والأحاديث التي تدل على ضرورة اتباع شرع الله. يوضح المقطع المخالفة التي يرتكبها المنافقون بتفضيلهم التحاكم لغير الله.
يحذر من تفضيل حكم غير الله على حكم الله، ويعتبر ذلك من الشرك والكفر المخرج من الدين. يشرح أن من يتحاكم لغير حكم الله فقد ضل وخرج من الإيمان.
يفصل حكم من لم يحكم بما أنزل الله، ويوضح أن الآيات تُفصّل بين الكفر الأكبر والأصغر حسب الحال. يورد أدلة من الكتاب والسنة على هذا التفصيل مع مناقشة صحة بعض الأحاديث.
يناقش صحة الحديث وعلاقته بقتل عمر رضي الله عنه، ويشير إلى أن قتل عمر لابد أن يكون بإذن النبي صلى الله عليه وسلم. يوضح أن عمر لم يتقدم بين يدي رسول الله دون إذنه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الآيات، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». قال النووي رحمه الله: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحج بإسناد صحيح. وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: تحاكموا إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: أن ترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره للمسائل التي تنافي التوحيد، فقوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ إلى آخره، هذه الآيات وما بعدها في مقام تقدير أن يقال: باب من فضل أو قدم حكم غير الله على حكم الله. فمما ينافي التوحيد ويدخل في معنى الشرك تفضيل أو تقديم حكم غير الله على حكم الله، وهذه الآيات والحديث أو الأحاديث تدل عليه. فأما الآية الأولى فمعناها ظاهر في قوله جل وعلا: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، وسمى ربنا جل وعلا ذلك ضلالا وكفرا وأنه ينافي الإيمان، فصار الإيمان زعما لأنهم فعلوا ما ينافي الإيمان من الكفر والشرك والضلال. وهذا الكفر والشرك والضلال قد يكون مخرجا من الدين وقد يكون غير مخرج من الدين، فيكون كفرا وشركا أصغر على ما تقدم أن كل ما يوصل إلى الشرك الأكبر فهو الشرك الأصغر في أحد تعريفي العلماء للشرك الأصغر. والآية الثانية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ هي في المنافقين، والمنافقون هم الذين يدعون الصلاح والإصلاح مع فعلهم للفساد والإفساد. والمعنى أن الانتقال من حكم الله إلى غير حكم الله هذا من أعظم الفساد. ولهذا أتبعه بقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ يعني بترك حكم الله والرجوع إلى حكم غير الله. ولهذا أتبعه كذلك: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. فلذلك من تمام الإيمان وبرهان الإسلام وتحقيق التوحيد الاحتكام لحكم الله وعدم الاحتكام لغير حكم الله. فمن فضل أو قدم حكم غير الله فإنه يكفر. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وحكم غير الله سبحانه وتعالى إذا كان على وجه يكون فيه تفضيله على حكم الله أو تسوية بحكم الله فهذا الكفر الأكبر. وإن كان ليس كذلك ولكنه لشهوة وهوى وخوف ذهاب دنيا فهو كفر دون كفر ومعصية. وما من إنسان يعصي ربه جل وعلا إلا وقد حكم في نفسه بغير ما أنزل الله. فالرجل في بيته قد يحكم بغير ما أنزل الله، فإذا فعل المعصية فهو حكم بغير ما أنزل الله. والرجل في خصومته مع جاره أو صديقه أو شريكه إذا ظلم حكم بغير ما أنزل الله إما بلسان الحال أو لسان المقال. ولو قيل كما قالت الخوارج بأن الآية على الكفر الأكبر عامة للزم من ذلك تكفير كل المسلمين. فمن من المسلمين من لا يعصي؟ ما من مسلم إلا ويقع في ماذا؟ في المعصية، ويعصي ربه سبحانه وتعالى، ولكن يتوب الله على من تاب. فالشاهد من هذا الذي عليه جمهور أهل السنة وكان عليه سلف الأمة ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة أن الآيات في هذا الباب على هذا التفصيل. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قد يكون كفر دون كفر وقد يكون كفرا أكبر بحسب ما يقتضيه المقام. وأورد حديث عبد الله بن عمر وذكر تصحيحه عن الإمام النووي رحمه الله. وترون في التعليق تضعيف بعض أهل العلم للحديث، وأشير إلى تضعيف العلامة الألباني رحمه الله. وقد ضعفه غير واحد. والحديث معناه صحيح وهو محتمل للتحسين، ولهذا حسنه من حسنه من أهل العلم. بل بعضهم يرى أن له طرقا وآثارا ومراسيل تشده فيرتقي بها إلى الحسن لا محالة. وعلى كل الأحوال هو يحتمل التحسين وهو معناه حسن تدل عليه عمومات: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». والمعنى المناسب لهذا التبويب الأمر بالاحتكام إلى حكم الله وهو مما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. وأما أثر الشعبي فهو مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. والآية كما نرى هي أقرب ما يكون في المنافقين من الذين دخلوا في الإسلام من اليهود أو غيرهم ويزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام وما أنزل على من كان قبله، وهم ليسوا كذلك. فليست في يهود لم يزل على يهوديتهم. وأثر الشعبي ضعيف لأنه مرسل. وكذلك الأثر الذي بعده كذلك ضعيف لا يصح. وهو كذلك لو قدر أنه صح لكان قتل عمر رضي الله عنه لابد أن يكون بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن عمر ليتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم دون إذنه. نعم. والله تعالى أعلم.