الدرس في المنهج لمريد العمرة والحج للعلامة العثيمين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس أحكام الحج والعمرة، ويتناول أعمال يوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، ويوضح حكم طواف الحج وطواف الوداع وأحكام الزيارة الشرعية.
يناقش المقطع آداب الحج والعمرة، ويشدد على أهمية أداء الشعائر بسكينة ووقار واتباع لرسول الله، والابتعاد عن الرفث والفسوق والجدال واستغلال المناسك في فعل الخير وذكر الله.
يتحدث المقطع عن آداب الحج مثل التزود بالزادين الحسي والمعنوي، واتباع سنة النبي، والتحذير من الأخطاء مثل التوسع في المباحات والوقوع في المحرمات، وتناول محظورات الإحرام.
يتناول المقطع تحريم الجماع في الحج وأحكامه، ويبين أن الجماع في الفرج قبل التحلل الأول يفسد الحج ويوجب قضاءه ونحر بدنة، ويشرح الدليل على ذلك من القرآن والسنة وإجماع الصحابة.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرف كيكا بالمنهج لمريد العمرة، والحج للعلامة العثيمين -رحمه الله تعالى-. شرف فضيلة الشيخ عبد الله ابن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش، والآن مع الدرس الثامن. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي مما ذكره شيخنا -رحمه الله تعالى- محمد بن صالح تيمية -رحمه الله- في رسالته «المنهج لمريد العمرة والحج»، ومرت معنا مسائل، ومنها ما ذكره -رحمه الله- في صفة الحج، مجموعة من هذه الأحكام ما يعمله الحاج يوم العاشر. فعلمنا أن الحاج يعمل أعمالًا يوم العاشر، ما هي؟ رمي، ونحر، وحلق أو تقصير، وطواف. نعم، ومع السعي لمن لم يسعَ أو عليه السعي. فهذه هي أعمال يوم العاشر، وهي على هذا الترتيب. وما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «افعل، ولا حرج». ومر معنا أن في بعضها خلاف، ولكن الصحيح أنه يجوز التقديم والتأخير، فالمشقة تجلب التيسير، إلا شيء واحد لا يمكن أن يقدم بدون تحلل، ما هو؟ الحلق أو التقصير؛ لأنه لا يكون إلا بعد التحلل. وعلمنا كذلك أن هناك أعمال يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فما هي هذه الأعمال؟ ماذا يعمل الحاج في هذه الأيام الثلاثة؟ يرمي الجمار. نعم، أحسن. ماذا يرمي؟ يرمي الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، بكم؟ بسبع حصيات، يكبر في الأولى، ويسمي، ويكبر في الأولى، ويكبر مع كل حصاة، ويستحب في الصغرى والكبرى أن يدعو دعاءً طويلًا، وفي الوسطى عفوًا. أين يدعو؟ في الصغرى والوسطى. نعم، جهر اليسار، والكبرى ما فيها دعاء. نعم، سنة. ومر معنا أنه يرخص التعجل، فما هو هذا التعجل؟ يعني يكتفي بيومين. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، والأفضل التأخر. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى. فعلم أنه زيادة في التقوى. ثم كيف؟ لا، ما في رمي. من تعجل يرمي يومين فقط، لكن توجد رخصة أخرى للرعاة والسقاة، ومن في حكمهم، فكل من عمل عملًا يخدم الحجاج، أذن له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجمع عمل يومين في يوم. يعني يوم الحاج عشر والثاني عشر يرمي في يوم، إما في يوم الحاج عشر فيرمي في كل موضع أربعة عشر. فإذن سيرمي بعدين يوم الثالث عشر، أو لا يأتي يوم الحاج عشر فيرمي في يوم الثاني عشر. فإذا جمع بين يومين وتعجل في اليوم الثاني عشر، في هذا خلاف. الصحيح أنه يجوز لمن كان له عذر، والأولى أن لا يفعل ذلك حتى لا يخالف النص. في هذا خلاف. الصحيح أنه -وهو الأحوال- يجوز الجمع يومين في يوم، إما الثاني عشر والثالث عشر، وإما الحاج عشر والثاني عشر. طيب، فإذا جمع الحاج عشر والثاني عشر في أيهما شاء، قدم أو أخر، أو الثاني عشر والثالث عشر في أيهما شاء. والمقصود معناه يرمي يومين ويوم واحد لا يرمي، لكن يجمع. وأما من تعجل فإنه لا يرمي ثالثًا، لكن له شرط، ما هو هذا الشرط؟ يخرج قبل غروب الشمس، إلا إذا منعه مانع بغير إرادته. نعم، وإذا خرج، ولكن تأخر بسبب الزحام ونحوه، فلا حرج عليه في ذلك. طيب، هل يجوز جمع طواف الحج مع طواف الوداع؟ يجوز. نعم، والأفضل ألا يجمع. نعم، أحسن. الأفضل ألا يجمع، يطوف الحج في العاشر، أو أقرب وقت يتيسر له، والوداع في آخر خروجه. نعم، وما حكم طواف الوداع؟ واجب. طيب، عندك دليل؟ أنه واجب؟ حديث ابن عباس: «أمر الناس أن يطوفوا بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض». نعم، والتخفيف معناه أنه واجب. وقال في حق الحائض، وكذلك في حق النفساء. وأما طواف الحج، ما حكمه؟ ركن. طيب، دليله؟ حديث ابن عباس في طواف الوداع، دليله؟ طيب، الآية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وأصرح منه حديث صفية: «أحابستنا هي؟ قالوا: لقد طافت، قال: فلتنفر، إذن فلتنفر». وما هو الدليل على أن الرمي لا يكون إلا قبل الزوال؟ من أين استدل العلماء على ذلك؟ فعل الصحابة، وكذلك من النص، لا دليل. الدليل دليل لا. فمن تعجل في يومين؟ يعني معناه أن قلنا: بشرط أن لا يكون قبل الغروب. من أين أخذوا العلماء قبل الغروب؟ في نص. الأثر. صحيح، جاءت آثار، لكن نص؟ هل في نص؟ لا. ضعيف. هذا يرجع في الطواف يوم العاشر، وهذا فائدة من الشيخ الخضر في قضية حديث أم سلمة. وهذا يسأل عنه الكثير. نسيت أن أقرأه مع الأسئلة. في حديث أم سلمة: أن الحاج إذا لم يطف يوم العاشر رجع محرمًا كما كان. وهذا الحديث الصحيح أنه موقوف، لم يصح مرفوعًا. لم يصح مرفوعًا. وعلى هذا جماعة من أهل العلم، قد ذكر في كتب العلل، وذكره شيخنا مقبل -رحمه الله- في «الأحاديث المعلة»، للشيخ الألباني -رحمه الله- يحسنه، وكان يقول به. وفيه مشقة شديدة على الناس، خصوصًا في هذا الزمان مع الزحام، ليس كل الناس يستطيع أن يطوف في يوم العاشر. نعم، الدليل. رجعنا للمسألة. أحد يستحضر دليلًا؟ طبعًا. حاول. صحيح. أحسن. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، واليوم هو النهار، ينتهي بغروب الشمس. وعلى هذا جاءت الآثار عن عدد من الصحابة، بهذا استدل أهل العلم على هذه المسألة. طيب، أخذنا كذلك بأحكام الزيارة، أنه لا يجوز شد الرحل لزيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-. الدليل: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، ما هي الثلاثة؟ ثلاثة مساجد. انتبه: مسجد الحرام، قبله مسجد المدينة، ومسجد الأقصى. هذا الترتيب مهم؛ لأن فيه ترتيب فضل هذه المساجد الثلاثة. فيه ترتيب هذه المساجد الثلاثة. إذن، ماذا يصنع الذي يريد الزيارة؟ ينوي زيارة المسجد، وزيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- تبعًا. زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- تبعًا. الأصل زيارة المسجد. وهل يشرع زيارة القبر لمن وصل إلى المسجد كل يوم؟ لا يشرع. الصحيح لا يشرع تكرار الزيارة كل يوم. وقد كان السلف ينهون عن ذلك. وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أثر مالك، وابن عمر، وجماعة من أهل العلم، وغيرهم من أهل العلم. طيب، كذلك مر معنا من المسائل أنه يشرع لمن وصل إلى المدينة أن يزور بعض البقاع، ما هي هذه البقاع التي يشرع زيارتها؟ قباء، فقط. مقبرة البقيع. البقاع. صحيح. حسن. مقبرة البقيع بجانب مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأحد. نعم، وشهداء أحد يزارون، ويزور مقبرتهم، ويكون زيارة أحد، وجبل الرماح تبعًا. أما زيارة المساجد السبعة ونحوها، فليس فيه دليل، ولا أصل. نعم. ذكروا قباء. لا، هو يزور قبور المسلمين، يزور قبور المسلمين. هو ليس سفر، هو داخل المدينة، يذهب ويسلم على قبور المسلمين. لو أحد يريد يزور والده، يجوز. صحابي. من باب أولى. نعم، أما السفر لا. لا يجوز. السفر داخل المدينة لا. بس يزور. وأما زيارة ليس التعبد للتعرف على معالم المدينة، فرق بين زيارة التعبد وزيارة التعرف. فلذلك يخلط الناس فيقولون بعضهم: والآن صارت تجارة باسم الدين، السياحة دينية. يقولوا: إيش؟ أنتم تحرمون السياحة؟ الله يقول: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾. طيب، لا. بسيحوا في الأرض، لكن لا تتعبد. لا تتعبد لله بهذه السياحة. أنت سميتها سياحة دينية، والدين معنا فيه إيش؟ فيه تعبد. فالتعبد يكون بالمشروع، أما غير المشروع فلا. غير المشروع فلا. أما إنسان أراد أن يتعرف على مساجد المدينة، ليس لأجل التعبد، لا. بس يتعرف. لكن لا يتعبد لله. لا يجعلها من إيش؟ من معالم زيارة المدينة. يقولوا: زيارة. زيارة. سيارات تأخذ الناس، فيظن بعضهم إذا لم يزور هذه البقاع، معناها أن زيارته إلى المدينة ناقصة. لا، ما في شيء. هو داخل المدينة. كيف تخصيصه؟ ما في مشكلة. هو داخل المدينة. عادي يزور. هو قبور مسلمين، مش قبر واحد شخص حتى يغلو فيه، ويزور موضع فيه معركة بين الإسلام والكفر، فعدة نيات في شيء واحد. نعم، لكن تخصيص زيارة الجبل هذا فيه ما فيه. مثل زيارة جبل ثور، وكذلك جبل حراء. هذه الجبال حصلت فيها أحداث. زيارتها على وجه التعبد. الصحيح أنها من المحدثات، وذريعة للغلو في هذا المكان. ولهذا تحصل بدع. يأتي بعض العوام يصلي تعبدًا لله هناك، ويعمل أشياء ما أنزل الله بها من سلطان. وفيها كلفة ومشقة. أحد منكم صعد إلى غار حراء؟ الذي يجرب يصعد، يعني سيعرف معنى الصعود إلى هذا الغار. سبحان الله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- صعده، ما كان فيه درج، ولا كان فيه شيء. اليوم كثير يصعد، وبعضهم ما ينزل إلا في سيارة الإسعاف. والمطاف يصعد، ولا يستطيع ينزل، أو في نصف الطريق يتعب. فالشاهد: بعضهم فوق إذا صعدوا إلى الغار، بدأوا بالبدع. صلوات. بل بعضهم عمل مولدًا. واتصل بعض الإخوة بالهيئة، وكذا. وجاءوا. فالشاهد: يعني مثل هذه الأماكن إذا حصل فيها مثل هذا التخصيص، تحصل فيه معنى من معاني الغلو في هذا المكان. غلو في هذا المكان. وهذا غير صحيح. أما إذا زار يتعرف على معالم المدينة، مثلًا. إنسان قال: أنا أريد أن أتعرف على حدود الحرم. هذا مباح. وليس مباح. هو ما يتعبد لله بهذا. قال: أنا أريد أن أتعرف على حدود حرم مكة، وحدود حرم المدينة. لا بأس. يأخذ إنسان صاحب قدرة يعرفه بحدود الحرم، أو كذلك يريد أن يتعرف على أماكن غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى إذا روى السيرة يعرف الأرض كيف كانت، كيف حصلت الغزوة، أين كان مكان الرماة، من أين أتوا، أين صعدوا، وهكذا. فهذه الأشياء على وجه غير ليس فيه تعبد. مباح. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: الفوائد. هذه فوائد تتعلق بالمناسك، تدعو الحاجة إلى بيانها ومعرفتها. الفائدة الأولى: في آداب الحج والعمرة. قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله». فينبغي للعبد أن يقوم بشعائر الحج على سبيل التعظيم والإجلال والمحبة والخضوع لله رب العالمين، فيؤديها بسكينة ووقار، واتباع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وينبغي أن يشغل هذه المشاعر العظيمة بالذكر والتكبير والتسبيح والتحميد والاستغفار؛ لأنه في عبادة من حين أن يشرع في الإحرام حتى يحل منه. فليس الحج نزهة للهو واللعب، يتمتع به الإنسان كما شاء، من غير حد. كما يشاهد من بعض الناس يستصحب من آلات اللهو والغناء ما يصد عن ذكر الله، ويوقعه في معصية الله. وترى بعض الناس يفرط في اللعب والضحك والاستهزاء بالخلق، وغير ذلك من الأعمال المنكرة. والاستهزاء بالخلق. أحسن. والاستهزاء بالخلق، وغير ذلك من الأعمال المنكرة. كأنما شرع الحج للمرح واللعب. هذه مجموعة من المسائل والفوائد المتعلقة بآداب الحج والعمرة. أولها: أن الحج أشهر معلومات، يعني ينبغي أن يحافظ عليها في توقيته. وهذا ما سبق معنا في ما سماه الفقهاء والعلماء المواقيت الزمانية للحج. وقد اختلف أهل العلم ما هو وقت الحج وزمانه؟ فقيل: شوال، وذي القعدة، وعشر من ذي الحجة. وقيل: شوال، وذي القعدة، وكل ذي الحجة؛ باعتبار امتداد بعض أعمال الحج، كطواف الوداع، وطواف الإفاضة، ونحو ذلك؛ لمن كان له سبب للتأخير. وعلى كل: إن وريد به الأعمال التي حددت بأيام مخصوصة، فالحقيقة ليست عشر من ذي الحجة، بل ثلاثة عشر من ذي الحجة. وإن وريد به كل أعمال الحج على الساعة، فشهر ذي الحجة كاملًا. ومن الأحكام كذلك: النهي عن الرفث والفسوق والجدال في الحج. والرفث: كل ما يستقبح من قول وفعل، ومنه الجماع ومقدماته، بنص السنة، وكذلك تفسير الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم-. وقد جاء عن ابن عباس، وابن عمر، وجماعة من الصحابة تفسير الرفث بالجماع. وهذا من التفسير ببعض المعنى. وإلا فالرفث: كل ما يستقبح من الأقوال والأفعال. والفسوق: واضح. معصية. كل معصية قولية وفعلية، وخروج عن الاستقامة والعدل الذي يحبه الله. والجدال: هو كل جدال يخالف الشرع. وينبغي للإنسان أن يجعل الحج فيه من السكينة والوقار، والانشغال بذكر الله ما يبعد عن الجدال، ولو كان مباحًا. ولا يستثنى من الجدال بالحج إلا الواجب. لا يستثنى إلا الجدال الواجب. فما كان واجبًا في رد باطل، وإحقاق الحق، فإنه يفعل. فنص بعض أهل العلم أن الجدال المستحب يترك في الحج، فضلًا عن المباح؛ حفظًا للسلامة. واستدلوا بالقياس. قالوا: أولًا: لهذا المصالح العام. وثانيًا: قياسًا على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو نهيه عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم؛ حفاظًا على ماذا؟ على الصيام. وهذا أشد؛ حتى لا يخدش حجه، ولا يفسد الحج؛ لأن بعض الجدال قد ينقلب إلى ماذا؟ قتال وصراع. والحج ليس مكان للصراعات والقتالات. فلهذا أغلق باب الجدال بالحج؛ خصوصًا وأن الناس اجتمعوا من بلاد شتى، وأعراق وجنسيات شتى. فإذا فتح باب الجدال، دخل الشيطان. ولهذا أغلق باب الجدال بالحج. فلهذا على الصحيح: لا يستثنى من الجدال إلا الواجب. وكذلك في حث فعل كل خير قولي وفعلي، ومنه الصدقة، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وسقي الماء، وغيره من أبواب الصدقات، وفعل الخير. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، يعني لا تبخلوا بفعل أي خير قول أو فعلي، ولو كان قليلًا يسيرًا. لا تبخلوا. وهذه السنة بفضل من الله باقية إلى يومنا هذا. ترى في أيام الحج المحسنون يتسابقون في الصدقات. فصدقات الطعام، وصدقات السقاية، ونحوها من أنواع الصدقات. وكذلك يحرص الإنسان على التزود بالزادين. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، الزاد الحسي؛ حتى لا يسأل الناس، ولا يجوز للإنسان أن يذهب إلى الحج وليس عنده نفقة كافية. والزاد المعنوي: وهو التعبد لله، وتحصيل التقوى. وهكذا كذلك من آداب الحج: الإكثار من ذكر الله عز وجل؛ خصوصًا في مواضع وأزمنة العبادات فيها، كالطواف، والسعي، وقت الرمي، والذهاب والإياب إلى أماكن الحج. ولهذا شرعت التلبية والتكبير للحاج في حال تنقلهم. ما يجلس صامتًا. يمشي ويلبي. كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته. يلبي، يكبر، يذكر الله في كل أحواله. فهذا من الأمور المهمة. وهكذا كذلك: الحرص كما تقدم على السكينة والوقار، واتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبث معاني المحبة بين الحجاج. ثم نبه الشيخ -رحمه الله- إلى بعض الأخطاء التي تقع من بعض الحجاج، مثل التوسع في المباحات، أو الوقوع في بعض المحرمات. ومن ذلك الانشغال بآلات اللهو والغناء. وربما هذا كان في أزمنة ماضية. الناس مع قلة التوجيه والنص والتوعية في المخيمات، يشغلون الإذاعات. قد رأينا هذا في فترة سابقة. أيام الخيم القديمة. تجد بعض الناس يبتعد إلى طرف جبل، وما تسمع من الخيمة البعيدة إلا صوت المذياع. والمذياع خليط. يسمعون الأخبار، وبعض الأخبار ماذا؟ كما يقولون: من الحرم إلى الحرم. وهذه الأخطاء تحصل بسبب الفراغ. وأما اليوم بفضل من الله صار ترتيب وتنظيم، والدعاة يتوزعون على المخيمات، فينشغل الناس بالكلمات والنصائح الوعظية والتعليمية التي تنفع الناس. وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك: ينبغي أن يسد باب التوسع في المباحات، وكذلك اللهو واللعب والضحك الذي قد يوصل إلى الاستهزاء. وهذا يقع. وللأسف مع اختلاط الرفقاء والزملاء والأصدقاء ونحوهم. فينبغي أن يسد هذا الباب. يشغل الناس بالعلم النافع، وغيره مما ينفع الناس. قال -رحمه الله-: «ويجب على الحاج وغيره أن يحافظ على ما أوجبه الله عليه من الصلاة جماعة في أوقاتها، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». والصحيح أن صلاة الجماعة واجبة على كل ذكر في السفر وفي الحضر، ليس فقط في الحضر. حتى في السفر تجب صلاة الجماعة، ولكن في السفر مع جماعة المسافرين، وفي الحضر مع جماعة الحضر، وفي الحج مع جماعة الحجاج. لا يجوز للإنسان أن يتساهل إلا من عذر. إلا من عذر. وهكذا كذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واجب في كل وقت، ويتأكد عند اجتماع الناس، ولكن بحكمة، وموعظة حسنة؛ كما أمر الله عز وجل، وأرشد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنته القولية والفعلية. وما أكثر المخالفات التي تراها من الحجيج. فينبغي أن تنصح بالكلمة الطيبة اللطيفة الرفيقة التي تحبب الدين للناس. قالوا: «ينبغي أن يخلص على نفع المسلمين، والإحسان إليهم بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، وأن يرحم ضعيفهم؛ خصوصًا في مواضع الرحمة، كمواضع الزحام ونحوها». فإن رحمة الخلق جالبة لرحمة الخالق. «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». ويقول كذلك -عليه الصلاة والسلام-: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». فإذا وجدت ضعيفًا، أعنته في الوصول إلى مكانه، أو أداء عبادته، ونحو ذلك من أنواع المعونة والإحسان. فإنه يتأكد في الحج. قال -رحمه الله-: «ويتجنب الرفث والفسوق والعصيان والجدال لغير نصرة الحق». هل في نسخة: «ويجتنب»؟ أو في أحد عنده نسخة غير النسخة التي معنا؟ هل أحد عنده نسخة أخرى؟ «ويتجنب الرفث والفسوق والعصيان والجدال لغير نصرة الحق». وكما تقدم معنا وسبق. والجدال في نصرة الحق الواجب. قال: «أما الجدال من أجل نصرة الحق، فهذا واجب في موضعه». ويتجنب الاعتداء على الخلق، وإيذاءهم. فيتجنب الغيبة، والنميمة، والسب، والشتم، والضرب، والنظر إلى النساء الأجانب. وهذا يكثر مع خلطة الناس. فينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه، ويحفظ قلبه، ويحفظ بصره، ويحفظ جوارحه؛ فالشيطان حريص. ولا ينبغي أن يعرض نفسه للفتنة. فمثلًا: يبتعد عن أماكن النساء؛ حتى لا يفتنه الشيطان بالنظر. يبتعد عن الطواف، والرمي، والسعي في أماكن فيها نساء؛ حتى لا يمرض قلبه. فيسلم في هذا الحج؛ لأنه لو فسد قلبه، ووقع في الرفث والفسوق والعصيان، أفسد على نفسه الحج. ففي حديث بحر -ربي صحة- مسلم: «من حج، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». مفهوم المخالفة: إذا وقع ذلك لم يحصل له هذا الجزاء. ويقول في الحديث الآخر عنه -رضي الله عنه-: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». ولا يكون مبرورًا إلا بتحقق هذا المعنى، وزيادة. وهو التقوى. قال -رحمه الله تعالى-: «فإن هذا حرام في الإحرام، وخارج الإحرام». فيتأكد تحريمه حال الإحرام؛ لأنه كذلك يفسد جزاء وثواب هذا الحج. لا يفسد الواجب والفريضة، ولكن يفسد الثواب والجزاء. يعني من نظر إلى امرأة نظرًا محرمًا، أو كذلك وقع في السب أو الشتم أو الضرب. حجه صحيح، لكن ناقص. يعني يقبل منه الحج. ما نقول له: أعد الحج مرة أخرى. ولكن حجه ناقص. قال: «ويتجنب بما يحدث كثير من الناس من الكلام الذي لا يليق بالمشاعر؛ كقول بعضهم إذا رمى الجمرات: رمينا الشيطان». وربما شتم المشعر، أو ضربه بنعل، ونحوه؛ مما ينافي الخضوع والعبادة، ويناقض المقصود برمي الجمار؛ وهو إقامة ذكر الله عز وجل. رمي الجمار المقصود منه التعبد لله عز وجل فيما شرع، وسن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فهي عبادة. ليس انتقامًا من الشيطان. ومن لم يفهم هذا السر وهذه الحكمة، فإنه يجر بالعادات والخرافات والمعاني التي ليس لها أصل؛ لأنه ما أخذ العلم من مكانه الصحيح. ولذلك تجد الكثير من العوام يعتقد أنه حين يرمي يرمي الشيطان. ويقولون: «سنذهب نرمي الشيطان». «رجعنا من رمي الشيطان». «رحنا نرمي الشيطان». ومن قال لك أنك ترمي الشيطان؟ أين الدليل أنك ترمي الشيطان؟ أنت تتعبد لله بهذا الرمي في هذا الحج لذكر الله سبحانه وتعالى. لا ترمي الشيطان. ولهذا بعضهم لما وقع في قلب هذا الاعتقاد، صار يرمي بكيفية وصفة مخالفة للسنة. فيبدأ يرمي بالنعال، أو بالحجر الكبير. يظن أنه ينتقم من الشيطان. وهو بهذا يفرح الشيطان؛ لأنه يخرجه عن الطريق الصحيح. قال -رحمه الله تعالى-: «الفائدة الثانية: في محظورات الإحرام». قال: «محظورات الإحرام هي التي يمنع منها المحرم بحج أو بعمرة بسبب الإحرام، وهي ثلاثة أقسام». وسميت محظورات؛ لأن الحاج والمعتمر يمنع ويحظر. فهي مأخوذة من الحظر، أي المنع. فهي ممنوعات على من أراد الحج والعمرة في حال إحرامه. ولهذا سميت الإحرام محظورات الإحرام؛ يعني في حال الإحرام. فإذا انتهى من الإحرام زالت هذه المحظورات؛ أي الممنوعات. قال: «وهي ثلاثة أقسام: قسم يحرم على الذكور والإناث، وقسم يحرم على الذكور دون الإناث، وقسم يحرم على الإناث دون الذكور». فأما الذي يحرم على الذكور والإناث، فمنه ما يأتي. أولًا: الجماع في الفرج، وهو أعظم المحظورات. وإذا وقع في الحج قبل التحلل الأول، ترتب عليه ثلاثة أمور: الأول فساد الحج، لكنه يمضي فيه حتى يتمه. الثاني وجوب قضائه من العام القابل، ولو كان نفلا. الثالث نحر بدنة في حج القضاء. هذا هو المحظور الأول، وهو أكبر المحظورات. ولهذا ابتدأ به -رحمه الله-؛ لأنه يفسد الحج. وليس شيء يفسد الحج إلا هذا المحظور. كل المحظورات والممنوعات إذا فعلت لا تبطل الحج إلا هذا المحظور. فإنه يبطل الحج، ولكن متى؟ إذا وقع قبل التحلل الأول. التحلل الأول هو عند رمي جمرة العقبة. التحلل الأول بعد التحلل الأول إذا تحلل التحلل الأول، وجامع، فلا يفسد حجه، ولكن يترتب عليه الإثم. وأما الحج ما يخص. فيقول: «الأول فساد الحج إذا وقع». أولًا وضحه ما هو؟ قال: «الجماع في الفرج». لأجل أن يبين أنه إذا وقع بغير جماع حقيقي، كأن يكون فيه تفخيد في الفخذين، أو أنزل باستمناء، أو مباشرة. فهذا محرم، ويأثم، وفيه فدية، ولكن لا يفسد الحج. لا يفسد الحج. طيب، ودليله كما تقدم: الآية. ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فسر الرفث عن ابن عباس، وابن عمر، وجماعة أنه الجماع. وقوله: «فساد الحج، لكنه يمضي فيه حتى يتمه». يعني يفسد، ويجب عليه إكماله؛ لأن الله عز وجل أمر بالإتمام. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، لابد أن يتم الحج والعمرة؛ حتى ولو فسد. ودليل هذا هو الإجماع؛ فقد روي عن ابن عمر، وابن عباس، وجماعة، ولا مخالف لهؤلاء الصحابة. الثاني: وجوب قضائه من العام القابل، ولو كان نفلا. وجوب القضاء كذلك؛ لما صحت فيه الآثار، ولا مخالف من الصحابة. الثالث: نحر بدنة في حج القضاء. ونحر البدنة روي عن ابن عباس، وجماعة. وهكذا ابن عمر. فجاءت به آثار، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. ومنهم من قال: ينحر بدنة. ومنهم من قال: إذا لم يجد، أجزأه شاة. وأفتى بهذا بعض الصحابة. فالأحوط هو فعل الأول. فهذه ثلاثة أمور تترتب على من جامع جماعًا حقيقيًا في الفرج؛ كما ذكر -رحمه الله- قبل التحلل الأول. وأما إذا كان بعد التحلل الأول، فإنه لا يلزمه هذه الأمور. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي -إن شاء الله- في درس لاحق. والله تعالى أعلم. بسم الله. طيب، الأسئلة كثيرة، ولكن يعذرون. نأخذ ما تيسر، بما يناسب الوقت. يقول: إذا كان لا يشد «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، زيارة المراكز. زيارة المراكز ليس لذات المركز، وإنما للعلم الذي فيه. والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وسافر جابر شهرًا كاملًا ليسمع ماذا؟ حديثًا واحدًا. والصحابة سافروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هاجروا لأجل ماذا؟ تعلم العلم. يقول: هل ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صام عشر ذي الحجة؟ ليس هناك شيء صحيح صريح يدل على ذلك. وقد قال عدد من أهل العلم: إنه لم يثثبت. ولكن إن فعله عملًا بعموم الأدلة، فلا حرج. لا حرج في ذلك. يقول: ما حكم البقاء في مكة بعد طواف الوداع؟ وهل هذا خاص بالآفاقيين؟ إذا طاف الوداع فيخرج، ولكن إذا كان سيعرف أنه لن يخرج، فلا يطوف طواف الوداع. يؤخر طواف الوداع. وأهل مكة ليس عليهم طواف وداع؛ أهل مكة ليس عليهم طواف وداع؛ لأنهم من أهل الحرم. يقول: ما حكم من يقول: سلم لي على النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ وهل يشرع ذلك؟ الصحيح لا يشرع ذلك. يسلم هو على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويبلغه سلامه؛ كما جاءت معنى الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. يقول: هل يجوز تعليم الحج والعمرة عمليًا؟ فيوضع مثلًا مبنى مثل الكعبة. ما يحتاج أن يضع مبنى مثل الكعبة. لكن يقول لهم: أطوفوا مثل هذا حول السارية مثلًا، ويريهم عمليًا. لا حرج بهذا. يقول: ما حكم الحج بطريقة غير شرعية بدون ترخيص؟ إذا كان سيسبب مفسدة، وهذا هو الغالب. فلا يجوز؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار». لا يضر بنفسه، ولا يضر بغيره. ثم كذلك غالبًا أن مثل هذه مأمور بها لأجل تنظيم الحجاج، فطاعة ولاة الأمر فيما ليس فيه معصية لله واجب. لكن بعض العلماء رخص إذا لم تكن مفسدة في حج واجب، فريضة. لا يستطيع أن يحج من ماله؛ لكثرة المال، وباهض جدًا. وهو اجتهاد. يعني هذا مما قد يسع فيه الخلاف. لكن بشرطين: الشرط الأول أن لا يكون فيه ضرر. ويعني لا له ولا لغيره. والشرط الثاني أن يكون في واجب. يعني في شيء وهو لا يستطيع. في واجب. لا يستطيع أن يؤديه. إنسان مثلًا في مكة، ولم يحج حجة الإسلام، وعلم أنه يمنع من الحج إلا برخصة. فيقال له: الأصل عدم الجواز. وهذا هو قول أكثر أهل العلم. وبعض أهل العلم أجازه لمن كان حاله كحالك؛ بشرطين: الشرط الأول أن يكون لم يحج حجة الإسلام، ولا يستطيع أن يحج بالمال؛ لعدم وجود المال الذي يستطيع به. لكنك لأنك في مكة. فيلزمك الشرط الثاني: وهو عدم حصول الضرر