الدرس في كتاب الطهارة 14، الدرس الرابع عشر :فيه( ما يؤخذ من الحديث ... تدل على معنى الانغماس بالنص وتمنع معنى التناول بالاستنباط وراية منه بعكس ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث ينهى عن البول في الماء الراكد ويبين تحريم التغوط فيه. يُشرح مفهوم المياه المستبحرة وجواز استخدامها.
يناقش حكم إلقاء النجاسات في الماء الكثير مثل البحر، ويشرح النهي عن الاغتسال في الماء الدائم بالانغماس فيه خاصة للجنب.
يناقش الأحكام المتعلقة بالتبول في الماء الجاري والراكد، ويشير إلى أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، ويؤكد أن النهي يشمل كل ما يسبب الأذى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشارح رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث، قال أولًا: النهي عن البول في الماء الذي لا يجري، وتحريم وأولى بالتحريم التغوض، سواء كان قليلًا أم كثيرًا، دون المياه المستبحرة؛ فإن ماءها لا يتنجس بمجرد الملاقاة، بل ينتفع به لحاجات كثيرة غير التطهر به من الأحداث. أولًا: جعل رحمه الله من فوائد الحديث النهي عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري، كما هو نص الحديث، وهكذا كذلك تحريمه؛ تحريم هذا الفعل، ومر معنى الخلاف في ذلك والتفصيل في هذا المعنى. وفيه كذلك، كما ذكر، ما هو أولى من البول، مثل التغوض؛ فإنه أشد. فإن الشرع يلحق المتماثلات بعضها ببعض، وهذا المعنى ينبغي أن يصاحب ذهن المتفقه؛ أن يلحق المتماثلات بعضها ببعض، وما كان أولى فمن باب أولى أن يلحق بمثل حكمه. وقوله: «سواء كان قليلًا كثيرًا» يعني البول أو الغائط؛ لا فرق بين القليل والكثير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق، لم يقل إلا البول القليل، فكذلك يكون في غيره مما هو مثله أو أولى منه. وقوله: «دون المياه المستبحرة» كذلك سبق التفصيل في المياه المستبحرة، وهي المياه الكثيرة؛ فإنه يجوز إذا احتيج إليه، وذلك بشرط ألا يضر ولا يلوث. وقوله: «فإن ماءها لا يتنجس بمجرد الملاقاة» يعني الماء الكثير لا يتنجس بمجرد الملاقاة، بخلاف الماء القليل؛ فإنه مظنة النجاسة. الماء القليل مظنة النجاسة، وليس يتنجس. ونقول مظنة؛ لأن العبرة في النجاسة هو ماذا؟ التغير، التغير؛ العبرة في النجاسة التغير، إذا وقع التغير ثبت حكم النجاسة. وقوله: «بل ينتفع به لحاجات كثيرة غير التطهر به من الأحداث» يعني أن الماء المستبحر الكثير ينتفع به بمنافع كثيرة، بل ربما ترمى به بعض النجاسات ولا يضر، مثل البحر؛ البحر إذا رميت بعض النجاسات في وسطه فإنه لا يضره شيء أبدًا. وانظروا إلى مجاري المدن ترمى في البحار، وما يضرها شيء، ولا يظهر أثر التغير فيها. ولكن هذا مثال يراد منه تحقيق التفصيل الذي سبق؛ يضر إذا كان رميها في الموضع القريب، يضر إذا كان رميها في الموضع القريب، مثل بعض البلاد التي تقصر في مد أنابيب هذه المجاري إلى وسطه أو إلى المكان المتعمق من البحر، فإنك ترى أثر تلوث البحر بسرعة. فهل هذا يؤكد لنا التفصيل الذي سبق أم لا؟ الجواب: نعم. فإن البحر بالجملة لا يضره سقوط النجاسة فيه وإن كثرت بالجملة، لكن عند التفصيل والتحقيق ترى أنه قد يتضرر إذا وقع في المكان الضيق الذي تسقط فيه عين النجاسة. ثانيًا: نهي عن الاغتسال في الماء الدائم بالانغماس فيه، لا سيما الجنب ولو لم يبل فيه، كما في رواية مسلم. والمشروع يتناول منه تناولا؛ كذلك كما سبق في رواية مسلم: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل في الماء الدائم وهو جنب»، ولم يذكر البول؛ فدل على أنه بمجرد أن يغتسل وهو جنب فإنه يلوث، فنهى عن ذلك. وهل إذا لم يكن جنب يجوز؟ فهو مسكوت عنه؛ اختلف أهل العلم في ذلك، أي في غير الجنب، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز؛ لأنه غير منصوص، وذهب بعضهم إلى المنع، وذهب بعضهم إلى الكراهة، وهذا أقرب. وقوله رحمه الله: «المشروع يتناول منه تناولا ظاهر» يعني لا ينغمس فيه؛ لماذا؟ لأن الماء الدائم إذا كرر الانغماس فيه كان مضرة، مظنة التغير، كان مظنة التغير. وينبغي المسلم أن لا يضر غيره بتغير الماء. قال ثالثًا: جواز ذلك في الماء الجاري، والأحسن اجتنابه، خصوصًا إذا كان الماء الجاري قليلًا، كما سبق في بعض العيون الضعيفة؛ فإنه ليس فقط الأحسن، قد يكون الواجب اجتنابه؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، فقد يتضرر الناس. قال رابعًا: أنه نهي عن كل شيء من شأنه الأذى والاعتداء؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. ليس المقصود فقط هذا الذي ذكر، بل المقصود هو عدم تلوث الماء وإضرار الناس بتلوثه، وأذيتهم فيه. وقد مر معنا أنه والأمر باجتناب الملاعن، أي مواضع أسباب اللعن؛ مواضع أسباب اللعن. وهذا يدلنا ويؤكد لنا أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا؛ فليس النهي عن هذا المذكور، بل عنه وعما هو مثله، وعما هو أولى منه؛ فلا يجوز أن ترمى النجاسات في الماء، فهذا من باب أولى، ولا يجوز كذلك أن يبال في مواضع انتفاع الناس، كظل الأشجار، كذلك مواضع جلوس الناس ونحوه. قال خامسًا: جاء في بعض الروايات الحديث: «ثم يغتسل منه»، وجاء في بعضها: «ثم يغتسل فيه»، ومعناهما مختلفان؛ إذ أن «في» ظرفية، فتفيد الانغماس في الماء المتبول فيه، و«من» للتبعيد، فتفيد معنى التناول منه. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن رواية «فيه» تدل على معنى الانغماس بالنص، وتمنع معنى التناول بالاستنباط، ورواية «منه» بعكس ذلك؛ يعني النهي عن الأخذ منه، التناول. والمراد بعد وقوع هذا الأمر، وهو البول أو الاكتساب؛ يعني أنه لا يكون كذلك: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». وفي الحديث الآخر، أو الرواية الأخرى: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه أو ثم يغتسل فيه». فعلى المعنى الأول: «ثم يغتسل منه» يعني كيف يغتسل منه وهو قد بال فيه؟ فهو منهي عنه. أنه روي بالجزم كذلك، وهكذا «ثم يغتسل فيه» كذلك؛ الأول منهي عنه، وهو البول، والاغتسال بعد البول منهي عنه، وكلا الأمرين منهي عنه. فالحاصل: سواء اغترف منه أو دخل فيه، أي في الماء، لا يجوز بعد إذ بال فيه؛ لأنه «ثم» تفيد الترتيب، وكذلك التراخي؛ يعني ولو تأخر، فما دام قد بال في هذا الماء فلا يغتسل منه. وفي هذا نقطة وفائدة طبية، وهو تجنب مواضع الضرر مما قد يلوثه الرجيع الخارج من الإنسان. وأثبت الطب هذا المعنى؛ فإن ما يخرج من الإنسان مظنة الكثير من الأسقام؛ فالكثير من الأسقام تنتقل بهذا الخارج من الإنسان، وهي تضر الإنسان بأنها قد تدخل إلى المغتسل أثناء اغتساله من مواضع كثيرة. والله تعالى أعلم.