شرح الدروس المهمة  48

شرح الدروس المهمة 48

الدرس في شرح الدروس المهمة 48، تابع الدرس الحادي عشر من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام العبث في الصلاة

العبث الكثير المتوالي في الصلاة يبطلها، بينما العبث القليل لا يبطلها ولكنه ينقص أجرها. هناك استثناءات للعبث في الصلاة مثل دفع الضرورة أو ما أذن به الشرع.

الحركة أثناء الصلاة للضرورة أو لإكمال واجباتها

يشرح المقطع حالات يجوز فيها للمصلي التحرك أثناء الصلاة، مثل التنبيه على خطر أو إكمال واجبات الصلاة أو دفع شغل القلب، مستندًا إلى فتاوى العلماء وأحاديث نبوية. الحركة القليلة أو الكثيرة التي تكون لدفع شغل القلب أو للمحافظة على الصلاة جائزة.

مبطلات الصلاة وحديث أبي سعيد

يتناول المقطع أحكام الحركة في الصلاة، ويشرح حديث أبي سعيد في منع المرور بين يدي المصلي، ويوضح مبطلات الصلاة ومنها انتقاض الطهارة. استدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام على عدم انصراف المصلي حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما مر معنا من مبطلات الصلاة، اليوم نكمل. قال شيخنا، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى: قال السابع: العبث الكثير المتوالي في الصلاة. أخذنا السادس، فنتم السابع. قال: العبث الكثير المتوالي في الصلاة. فقوله رحمه الله: العبث، خرج به ما ليس بعبث من العمل المقصود. وقوله: الكثير، خرج به القليل. فخرج بهذه الكلمة المقيدة بأربعة قيود، أربعة خصال. فقوله: العبث، خرج غير العبث. وقوله: الكثير، خرج غير الكثير، وهو القليل. وقوله: المتوالي، خرج غير المتوالي. وقوله: في الصلاة، خرج ما كان خارج الصلاة. وهذا واضح وظاهر، فالحكم إنما يتعلق بما كان في الصلاة. مثال العبث الكثير المتوالي المبطل للصلاة، مثل عبث الإنسان بشيء حوله أو معه، عبث كثير يخرجه عن كونه مصليًا، كمن يعبث مثلا بأوراق بيده أو كتاب بجانبه أو محفظة بجيبه. فهذا العبث الكثير المتوالي يخرجه عن كونه مصليًا، فتبطل بهذا صلاته. ومثله عبث الرجل بلحيته، وعبث المرأة بوجهها. فإن كان كثيرًا متواليا، فهو كذلك يبطل الصلاة. وخرج بالكثير القليل، إذا كان قليلا هذا العبث قليلا، فهو لا يبطل الصلاة، لكن ينقص أجرها؛ لأنه ينافي الخشوع في الصلاة. ومن الخشوع تمام القنوت، والقنوت إقبال القلب والجوارح وسكونها. ومن أعظم صفات المؤمنين خشوعهم في صلاتهم. فالقليل لا يبطل الصلاة، لكن ينقص أجرها. وإذا كان قليلًا ليس متواليًا، فهو جائز عند الحاجة، مثل الحكة مثلا. رجل قرصه البعوض، مثلا هل يجوز له أن يحك مكان القرصة؟ الجواب: نعم يجوز، لكن حكًا قليلًا وغير متوالي، يحاول أن لا يكون حكًا متواليا حتى لا يخرج عن كونه مصليًا. حتى الحكة ينبغي أن يكون هناك فرق بين حكة المصلي وحكة غير المصلي؛ فإن في الصلاة شغلا، فينبغي للمصلي أن يكون قانتًا في صلاته. قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: مقبلين على الله بقلوبكم وجوارحكم، مبتعدين عما يشغلكم عن هذا الإقبال. فهذا معنى القنوت، القنوت يتضمن نفيًا وإثباتًا، إثبات التوجه والإقبال على الله، ونفي ما ينافي ذلك الإقبال. ومنه قنوت إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالتوحيد والعبادة والطاعة. وهكذا كذلك خرج بالعبث ما ليس بعبث مما يحتاجه المصلي. وتتمة لهذا المبطل، قوله رحمه الله: العبث، خرج به غير العبث مما أذن الشرع بمثله، ولو كان كثيرًا متواليا. ويدخل في هذا المعنى أمران، أي الذي أذن به في الشرع مما هو ليس بعبث. الأمر الأول: ما كان في باب الضرورات، فدفع الضرورة عن المصلي أو عن المصلين أو عن غيرهم ممن هم في حضور المصلي، مما أذن الشرع بحركة مثلها. فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة وغيرها الإذن بقتل الحية والعقرب ونحوها مما يضر ويؤذي في الصلاة. ولا شك أن الرخصة من المنع تدل وتعني أن الإنسان يدفع هذا الضرر بالأخف، فإن لم يستطع إلا بالأشد فالأشد. فمثلًا لو أن مصليًا كان يصلي ومرت عقرب بجانبه أو بجانب ولده، فاستطاع أن يقتل العقرب بحركة واحدة فليفعل هذا. فإن كان لا يستطيع إلا بحركتين أو ثلاث فليفعل هذا. فإن اضطر بأن يقتل هذا الضار بأكثر من حركتين أو ثلاث، كذلك هذا جائز، لكن يفعل الأقل ثم يرتقي إلى الأعلى. حتى ولو كانت الحركة كثيرة للضرورة تجوز، حتى ولو لم يستقبل القبلة، حتى لو تتبع العقرب إلى الغرفة الأخرى. مثلا كان يصلي في غرفته فرأى عقربًا خرجت من الغرفة التي هو يصلي فيها إلى خارج الغرفة، ربما تضر أحدًا من أهل البيت، فلا مجال أن يكمل الصلاة ويتركها تضر بأحد آخر. فهنا يخرج من الصلاة ويتتبع هذه العقرب ويقتلها، ولو خرج من الغرفة، ولو كذلك لم يستقبل القبلة. فالضرورات تبيح المحظورات. يقتلها ثم يرجع فيكمل صلاته. ولا شك أنه إذا خرج لا يزال في صلاة، فلذلك لا حاجة لأن يتكلم؛ لأن الكلام من مبطلات الصلاة. فإذا مثلا اختفت العقرب واحتاج أن يتكلم للضرورة، ينبه أهل البيت، يقول لهم مثلا: انتبهوا، ارتفعوا من الأرض، سأكمل صلاة وأرجع، توجد هنا عقرب. مثلا رأى أن الوقت سيطول في البحث عنها، يرجع يكمل صلاته ويكتفي بهذا التنبيه، ثم بعد انتهاءه من الصلاة يبحث عنها. فالضرورات تبيح المحظورات. ومثل هذا كذلك كل ضرورة متوقعة بالنفس أو بالغير. مثلا كبرت المرأة للصلاة، تذكرت أن الغاز -أمبوبة الغاز- لم تغلق، فتحتاج أن تغلق ذلك خشية أن يكون حريق في البيت، لا بأس أن تخرج تغلق وترجع وتكمل صلاتها، ما دام أن هذا فيه ضرر متحقق. مثله كذلك المرأة صلت، وهذا شيء قد وقع وسئل عنه، وكان التنور متوقدًا بالنار، فجاء أحد الأطفال إلى جهة التنور. هل تترك الطفل لأنها في الصلاة يتجه إلى التنور، خصوصا إذا كان غير مميز، عمره سنة أو أقل من سنة، لا يميز بين ما ينفعه ويضره؟ لا شك أنها تأخذ الطفل وتحمله أو تحتضنه وتكمل صلاتها. مثله كذلك الأعمى، أناس صلوا في البر، فقام أعمى نائم يمشي في جهة قد يتضرر بها، لا بأس أن يؤخذ ويجر ويوضع في المكان الآمن، ويكمل في الصلاة أو يكمل المصلي صلاته. وهذا المعنى فهم وأخذ من ذاك الحديث ونظائره. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، والمتماثلات يلحق بعضها ببعض. وهذه فتاوى علمائنا ومشايخنا، ومن سبقهم من أهل العلم في مثل هذا المعنى الذي يدخل فيما أذن به بالشرع مما ليس بعبث. والمعنى الثاني مما يدخل في المأذون فيه مما ليس بعبث: حركة المصلي فيما يدفع المصلي لعدم الانشغال عن الصلاة، أو بمعنى آخر نقول: بما يكون به إكمال واجبات وفرائض الصلاة، ومنها ما يدفع شغل القلب. ومن ذلك أي مما يدخل في هذا النوع الثاني من المأذون فيه: حركة المصلي لدنوه من القبلة من السترة لقربه. ليقترب من السترة، مثلا صلى إلى سترة فتحركت هذه السترة، وكانت عنده سترة أخرى قريبة، لا بأس أن يخطو خطوات يسيرة قليلة لا تخرجه عن كونه مصليًا ليصل إلى السترة. قد يقول قائل: كم حد هذه الحركات؟ الجواب: ينبغي أن يتتبع في هذا المأذون فيه، وما روي في هذا الباب، إنما هو حركة تكون بقدر ما بين المصلي والسترة، يعني قدر ثلاثة أذرع تقريبا. فقد كانت سترة النبي صلى الله عليه وسلم تبتعد عنه قدر ثلاثة أذرع. والذراع كما مر معنا في دروس سابقة تقدر بذراع المصلي، فكل مصلي له ذراع خاص به، فالطويل ذراعه طويلة، والقصير ذراعه قصيرة. فصح أن بهمة أرادت أن تمر بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي، فسابقها حتى التصق صدره بالسترة أو بالجدار، ومرت البهمة من خلفه. هل هذه الحركة خاصة بهذا الفعل بهذا المعنى؟ أم كل ما كان بمعنى أو نقول بهذا الحكم خاصا؟ أو كل ما كان بمعنى؟ الجواب: لا شك أنه كل ما كان بمعنى. ولهذا قال العلماء: حركة المصلي في المحافظة على الصلاة مما أذن فيه. وصح في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يصلي إلى غير السترة، فجره وأوقفه إلى سترة. فهذا مما يدخل في هذا القسم الثاني مما هو تكمل به الصلاة. ويدخل في هذا القسم الثاني كذلك ما يدفع شغل القلب، يعني مثلا إذا احتاج المصلي أن يتحرك حركة يسيرة ليدفع عن نفسه شغل قلبه، فلا بأس. ويدل عليه ما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح لعائشة الباب وهو يصلي. تأخر كان باب حجرة عائشة خلف النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي إلى قبله، مرقت الباب فتأخر وفتح لها الباب وأكمل صلاته وهو مستقبل القبلة، فتح لها الباب بحركة يسيرة. فهم العلماء من هذا الحديث أنه يجوز للمصلي أن يتحرك لأجل أن يدفع عن قلبه إن شغال القلب بما ينقص إقبال المصلي في صلاته. لو لم يفتح الباب سيكون القلب مشغول: ماذا سيكون حال المرأة خارج الباب؟ ومثله لو أن صبيًا يبكي بجانب الأم، فأرادت أن تسكته فمدت له شيء بحركة يسيرة حتى لا ينشغل قلبها ببكائه. ومن هذا المعنى ومن هذا المعنى ما ثبت كذلك في الصحيح، بل في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل لأمامة بنت ابنته زينب، إذا سجد وضعها وإذا قام حملها. قال العلماء: هذا الفعل يدل على أن الحركة الكثيرة لأجل دفع شغل القلب مما يجوز في الصلاة. فإذا كان مثلا طفلك الصغير يبكي، أو المرأة وهذا يقع كثيرا مع الأمهات، ضاق وقت الفجر أو المغرب وطفلها صغير، تحتاج أن تحمله وتخاف عليه إن تركته أن يضر بنفسه، فلا بأس أن تصلي وهي حاملة له. إذا سجدت وضعت هذا الطفل مع القبض عليه، وتنتبه تقبض عليه مع المحافظة على أركان السجود بأن تسجد على سبعة أعظم. يعني مثلا تحلق حوله ويدها على الأرض، الكف على الأرض حتى لا يفر منها. وهذا قد يحتاجه المصلي أو تحتاجه المصلية إذا كان في مواضع الزحام كصلاة العيد أو إذا كان في الحج أو العمرة ونحو ذلك. فهذه الحركة كثيرة، ولكنها لأجل ماذا؟ لأجل أن لا ينشغل القلب إذا ترك وفلت هذا الطفل. وهكذا تحت هذا المعنى نظائر كثيرة تدخل في أحد هذين الأمرين المأذون فيهما من مدلة الأدلة الكثيرة على جواز الحركة فيهما. ومن ذلك كذلك ما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي إذا صلى واتخذ سترة أن لا يمر بين يديه أحد، فإن أراد أحد أن يمر فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان. هذه حركة وهي لأجل المحافظة على الصلاة. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يمر مار بين يدي المصلي إلا ومر الشيطان معه، يعني إذا مر قطع عليه صلاته فأنقص فضلها وأجرها. ومعنى فليقاتله: أي يدافعه، ليس المقاتل القتل، ولكن المراد المدافعة بالأخذ ثم الأشد. تنبيه بالنسبة لحديث أبي سعيد في المدافعة، يخطئ بعض الإخوان في تطبيقه، فيستعمل العنف بما تكون به مفاسد كثيرة بين المصلي والجاهل الذي يريد أن يمر بين يديه. ورأيت مثل هذا يقع كثيرا في الحرمين. وبعض العامة عندهم فتاوى خاطئة من بعض أهل العلم بأنه لا بأس بالمرور بين يدي المصلي في الحرمين، وهذا ليس بالصحيح. فحديث أبي هريرة وغيرها من الأحاديث التي تأمر بعدم المرور بين يدي المصلي والانتظار ولو لفترة طويلة، جاءت في حق مسجده عليه الصلاة والسلام. فالشاهد: هذه الفتوى خاطئة، وأولئك العوام الجهال يعلمون بالرفق واللين، ولا ينبغي أن يدفع خطأ هؤلاء بالعنف، لكن دافع بمعنى ضع يدك واحجزه أن يمر بين يديك وأنت تصلي. فإن أبى إلا أن يمر، فعامله كما عامل النبي عليه الصلاة والسلام البهمة، ماذا فعل؟ ها تقدم إلى الجدار حتى التصق به. وأنت تقدم إلى السترة واجعل هذا الذي يريد أن يمر يمر من خلفك. أن تتقدم وعامله معاملة البهيمة، إذا لا يريد إلا أن يمر، إذن أن تتقدم وتجعله يمر من خلفك. ثمة لمبطلات الصلاة، قال رحمه الله تعالى: الثامن: انتقاض الطهارة، أي من مبطلات الصلاة انتقاض الطهارة. ومعنى انتقاض الطهارة: أي زوالها وذهابها. وقد مر معنى أن النقض هو ضد العقد، فهو بمعنى زوال الطهارة. وتزول الطهارة بخصال وأمور كثيرة سيأتي إن شاء الله الكلام عليها في فصل خاص. لكن الناقض الذي يكثر وقوعه هو خروج شيء من السبيلين. فإذا خرج شيء مما تنتقض به الطهارة من الخارج المعتاد كالهواء من الدبر والبول والغائط ونحوه بإرادة الإنسان وإحساسه وإدراكه -ونريد بهذا إخراج من به سلس؛ لأن له حكم آخر- فمن ليس به سلس وخرج منه شيء من السبيلين مما تنتقض به الطهارة، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، فهذا تبطل صلاته. فلو أنه مصليا صلى فأحدث في صلاته، فصلاته باطلة. ومعنى باطلة: أنه ليس يتوضأ ويكمل، لا بل يتوضأ ويعيد من جديد. وانتبه لهذا الإبطال معناه زوال ما قد عمله قبل انتقاض الطهارة، بطلت الصلاة كلها، فعليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة من جديد. وأما صاحب السلس، سبقت الإشارة إليه في دروس سابقة، وسيأتي إن شاء الله، ونشير هنا يسيرا: أن من به سلس فحكمه يختلف. من به سلس بول أو سلس هواء أو نحو ذلك، فهذا ما خرج بغير إرادته، فلا يخرج من الصلاة ما دام قد دخل الصلاة بوضوء طهارة صحيحة، فيستمر في ص. ودليله ما تقدم معنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». نكتفي هذه الليلة بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.