الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 7، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع فضيلة حفظ القرآن وإتقانه، مستدلاً بأحاديث تُقدِّم الأقرأ لكتاب الله في الإمامة والمشورة. ويبين أن السلف كانوا يربطون كثرة الحفظ بكثرة العلم والعمل بالقرآن.
يبرز المقطع منهج الصحابة في تعلم القرآن عشر آيات عشر آيات مع فهم معانيها والعمل بها. كما يؤكد مكانة الحفاظ والعلماء بالقرآن في المجتمع الإسلامي حيث كانوا مرجعاً للقيادة والمشورة.
يستعرض المتحدث أهم المعينات على حفظ القرآن كالرغبة الذاتية الصادقة والأخذ عن أهل الاختصاص ومصاحبة الزميل الصالح والاستمرار دون انقطاع. ويشير إلى سنية البدء بحفظ المفصل اقتداءً بابن عباس رضي الله عنهما مع التنبيه على شكوى بعض الإخوة بشأن مسألة الحجز.
يحذر المقطع من حجز الأماكن في المسجد بطرق غير مشروعة كوضع السجادة أو إرسال الأطفال مبكراً. ويؤكد على ضرورة التنافس على الصفوف الأولى بوسائل شرعية ومقبولة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: الباب الثاني في ترجيح القراءة والقارئ على غيرهما. قال: ثبت عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله». رواه مسلم. وقال عن ابن عباس رضي الله عنهما: «كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا». رواه البخاري في صحيحه. قالوا: سيأتي في الباب بعد هذا أحاديث تدخل في هذا الباب. نعم، هذه الأحاديث فيها فضل القرآن وأهل القرآن، وفضل الحفاظ لكتاب الله سبحانه وتعالى. ففي الحديث الأول، حديث أبي مسعود الأنصاري، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله». ففيه فضل القرآن، وأن الأقرأ لكتاب الله، المقصود بالأقرأ هنا: الأكثر حفظًا، والأتقن قراءة، والأحسن قراءة. كما في حديث عمر بن سلمة الجرمي أنه أتى من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا». قال عمر: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا، فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين. رواه البخاري. فانظروا إلى فضيلة القرآن، كيف قدم هذا الصبي الصغير وهو ابن خمس أو ست سنين بسبب ما عنده من القرآن. والقرآن هو أساس العلوم ومنبع العلوم، والأمر في التفقه هو أن يتفقه الطالب بكتاب الله وبسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن كان أكثر حفظًا وأكثر فهمًا وعلمًا بكتاب الله سبحانه وتعالى فإنه المقدم والمفضل على غيره. وفي البخاري من حديث ابن عمر قال: «لما قدم المهاجرون الأولون، العصبة - وهو موضع بقباء - قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمهم، وكان أكثرهم قرآنًا». رواه البخاري. ففي هذه الأحاديث تقديم الأقرأ، أي: الأكثر قرآنًا، إذا حضرت الصلاة. وهذا يحفظ عشرة أجزاء، وهذا يحفظ عشرين جزءًا، فيقدم صاحب العشرين لأنه أكثر قرآنًا. لكن إخواني في الله، كان السلف: من كان في الغالب أكثر قرآنًا كان أكثر علمًا، كانوا أكثر علمًا لأنهم كانوا يتلقون القرآن، ويتلقون العلم بالقرآن، ويتلقون العمل بالقرآن. كما في حديث ابن مسعود: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا نأخذ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات حتى نتعلم معناها والعمل بها، فكنا نتعلم العلم والعمل». رواه ابن جرير وهو صحيح. «كنا لا نتجاوز عشر آيات من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نتعلم معناها والعمل بها، فكنا نتعلم العلم والعمل». وهكذا في أثر أبي عبد الرحمن السلمي قال: «حدثنا القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يقرؤوننا، أنهم ما كانوا يأخذون عشر آيات من رسول الله... كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الآيات فلا يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قال: فأخذنا أو تعلمنا العلم والعمل». فالمقصود بالقراء: هم القراء الذين هم أكثر قرآنًا، وكان في الزمن الأول: من كان أكثر قرآنًا كان أيضًا أكثر علمًا. وهكذا في أثر ابن عباس: «كان القراء» أي: العلماء بالقرآن والسنة، العباد، «كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا». كان العلماء بالقرآن والسنة هم المقدمين، كانوا هم المقدمين. فمن كان منهم أعلم بالقرآن والسنة كان مقدمًا، سواء كان شيخًا كبيرًا أو كان شابًا صغيرًا. فالقراء: المقصود به العلماء بالقرآن والسنة، العباد. كما في أثر حذيفة بن اليمان أيضًا في البخاري أنه قال رضي الله عنه: «يا معشر القراء، قد سبقتم سبقًا بعيدا، فإن أخذتم يمينا أو شمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا». فالحاصل: أنه فيه رفعة أهل القرآن والحفاظ لكتاب الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، فكان يسأل: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فيقدمه في اللحد، تقديما لهذا الذي هو أكثر عناية وحفظا لكتاب الله سبحانه وتعالى. ففي هذه الآثار والأحاديث فضيلة حفظ كتاب الله عز وجل، وفضيلة تعلم كتاب الله تبارك وتعالى. فينبغي على الجميع أن يحرص على حفظ ما تيسر من كتاب الله. فمن وفقه الله سبحانه وتعالى لحفظ القرآن كله فهو في خير، وهو حائز لأساس العلوم، وهو كتاب الله سبحانه وتعالى. ولقد كان السلف الصالح كما تقدم يعتنون بمعرفة معاني هذه الآيات التي يحفظونها، فلهذا كانوا يأخذون عشرًا عشرًا، لا يسرعون، لكن يقرؤون القرآن بتدبر وتأنٍ وتفكر، ويتعلمون العلم ويحرصون على العمل به. وهذا يعني سهولة حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، تحتاج إلى بعض الأمور. القرآن وصفه الله كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. وفي سنة... يعني: كوف أحد الصبية المصريين وهو ابن خمس سنوات، أعطي جائزة ومكافأة على حفظه وإتقانه لكتاب الله سبحانه وتعالى وهو ابن خمس سنوات. زد على هذا: كان أعمى، ابن خمس سنوات وهو أعمى، وأكمل حفظ كتاب الله عز وجل. وهكذا ترون عند الأعاجم: ترى الطفل الصغير الذي لا يستطيع أن يصيغ عبارة قصيرة بالكلام العربي وهو أعجمي، ومع ذلك قبل بلوغ العاشرة تجده قد حفظ القرآن حفظًا متقنًا مع أنه لا يستطيع أن يتكلم ولا بعبارة وجيزة من الكلام العربي. وتعرفون كم عدد كلمات القرآن؟ حوالي ٧٧ ألف كلمة. فيأتي هؤلاء العجم، ويأتي هؤلاء الصغار، ويوفقهم الله سبحانه وتعالى لحفظ كتابه. فالحاصل: أن هناك أمورا تعين على حفظ كتاب الله عز وجل. من ذلك: الرغبة الذاتية، أن تكون عند الطالب والراغب رغبة ذاتية. فالرغبة الذاتية من بعد الإخلاص لله سبحانه وتعالى، لكن بالنسبة للصبية قد لا يفهمون معنى الإخلاص، لكن يلقنون ذلك. الرغبة الذاتية عند الصغار والكبار بعد الإخلاص من أعظم العون بإذن الله عز وجل على حفظ كتاب الله تبارك وتعالى. فإن من رغب وحرص على حفظ كتاب الله عز وجل يضحي ويفرغ من وقته ويحرص على اغتنام أوقاته. والمكافآت لها دور في عون الطلاب على حفظ كتاب الله عز وجل، لكنها أمور مؤقتة: كلما وجد الحافز وكانت المكافأة والجائزة ينشط الطالب، فإذا انقطعت هذه المكافآت والجوائز لعله ينقطع. لكن الرغبة الذاتية من أعظم العون. وهكذا: أخذ القرآن عن أهله، فإن القرآن أخذ بطريقي المشافهة. وجود المدرس للقرآن هذا أمر مهم لحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. فإذا لم يوجد المدرس المختص فلا أقل من أن يبحث عن طالب علم أو قارب من القراء المستفيدين، يعني: ليقرأ عليه ويحفظ على يديه. وهكذا اتخاذ الزميل، الزميل الصاحب الذي يتلائم معه في طباعه وأخلاقه وأموره، فهذا أيضا من أعظم العون لطالب العلم على إكمال حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى وإتقانه. وهكذا الاستمرار، أن لا ينقطع. وهكذا إخواني في الله، بالنسبة للأبناء الصغار: كما جرت عادة الأكثرين أنهم يحفظون من الأجزاء الصغيرة من المفصل، وهذا له أصل. فابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو القائل: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد حفظت المحكم». رواه البخاري. والمراد بالمحكم: المفصل، الذي هو على قول الجمهور من سورة قاف إلى سورة الناس. فهذه الأحاديث والآثار فيها ما تقدم، ونواصل إن شاء الله في الغد. إلى هنا والحمد لله. يا إخوان، ننبه على أمر: شكوى كثير من إخواننا، يرحمهم الله خيرا، مسألة الحجز. كثير من الشباب أو طلاب العلم يتسابقون بطريقة غير شرعية، يعني: يقدم السجادة أو يضع الكتاب، أو ذلك من الأخ يأتي من بيته يرسل أولاده الصغار أو يضع من الفجر... فاحرصوا على التسابق إلى الصفوف الأولى لكن بطرق شرعية، وليس بالحجز المحرم المذموم. نشهد هذا فيما بعد إن شاء الله. إلى هنا والحمد لله.