الدرس في شرح الدروس المهمة 27، الدرس الرابع من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
توحيد الألوهية هو إفراد الله جل وعلا بأفعال العباد ويتضمن الإفراد والاعتقاد الجازم، ويعتبر أصل أنواع التوحيد. يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
توحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة وهو الغاية من أنواع التوحيد، بينما توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله. الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي دون توحيد الألوهية.
أقسام التوحيد الثلاثة هي توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية. توحيد الألوهية هو الغاية والمقصد الذي جاءت به الرسل، والشرك فيه يعد من أعظم نواقض الإيمان.
يختتم الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما سمع وأن يجعلنا من أتباع أحسن القول. يشكر الله على ما أنعم به ويعبر عن الاعتماد على قدرة الله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحن اليوم في الدرس الرابع من دروس الشيخ الوالد العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله، المسمى بـ«الدروس المهمة لعامة الأمة». قال رحمه الله تعالى: الدرس الرابع أقسام التوحيد ثلاثة، وهي توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. جعل رحمه الله تعالى هذا الدرس فيما يتعلق بأقسام التوحيد، فقال رحمه الله: أقسام التوحيد ثلاثة. هذا التوحيد الذي هو إفراد الله جل وعلا بما هو أهل له من العبادة، وكذلك ما اختص به من الصفات والأفعال، كما قال رحمه الله: ينقسم إلى ثلاثة أقسام. وهذا التقسيم علم بالاستقراء لأدلة الكتاب والسنة. فإن أدلة الكتاب والسنة دلت على هذه الأقسام الثلاثة، وأجمع على ذلك علماء الأمة إلا من شذ من أهل الضلال والبدع والأهواء. ففي سورة الفاتحة، التي هي أم الكتاب، هذه الأقسام الثلاثة. فقوله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا توحيد الربوبية، الذي هو كما سيأتي إفراد الله جل وعلا في أفعاله من الخلق والرزق والتدبير وسائر ما هو من أفعال الله جل وعلا، فهو رب العالمين لا رب غيره جل وعلا. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا توحيد الأسماء والصفات، الذي هو إفراد الله جل وعلا بما سمى به نفسه في كتابه، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وهكذا بما وصف به نفسه في كتابه، ووصف به رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كذلك من توحيد الأسماء والصفات. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذا توحيد الألوهية، الذي هو إفراد الله جل وعلا بأفعال عباده، فكل أفعال العباد يفرد بها الرب جل وعلا، كالذبح والنذر والخوف والرجاء والاستعانة والتوكل وغير ذلك من العبادات. فهذه فاتحة الكتاب دلت على أقسام التوحيد الثلاثة. وهكذا لو تتبعنا أدلة الكتاب والسنة لوجدنا مثل هذا كثيرًا. فمعرفة أن أقسام التوحيد الثلاثة هو باستقراء، أي تتبع تتبع أدلة الكتاب والسنة. وقوله رحمه الله تعالى: «وهي توحيد الألوهية». ابتدأ رحمه الله تعالى بتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة، أو إفراد الله جل وعلا بأفعال خلقه. وهذا التوحيد ابتدى به رحمه الله لأنه أصل التوحيد، وهو الذي جاءت به الرسل عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم عن عدد من أنبيائه ورسله أنهم أول ما دعوا قومهم يقولون: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. فتوحيد الألوهية هو توحيد الله عز وجل بأفعال العباد، كالدعاء والخوف والتوكل والاستعانة والاستعاذة وغير ذلك من أنواع العبادات. قال الله عز وجل في الدعاء: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال الله عز وجل في الخوف: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال الله عز وجل في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال الله عز وجل في الاستعانة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهكذا كذلك سائر أفعال العباد كلها تصرف لله عز وجل وحده. فتوحيد الألوهية هو إفراد الله عز وجل بأفعال العباد. ولفظ التوحيد يتضمن معنيين اثنين: المعنى الأول هو الإفراد، والمعنى الثاني هو الاعتقاد الجازم. فهو إفراد الله جل وعلا على وجه اعتقاد جازم بجميع أفعال العباد، مخلص لله سبحانه وتعالى وحده. وهو كما قلنا أصل أنواع التوحيد، فهو يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. لأنك إذا عبدت الله عز وجل وحده، وأفردت سائر العبادات له جل وعلا وحده، ضمن ذلك أنه الرب الكامل في ربوبيته، الكامل في أسمائه وصفاته. ولذلك فإن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وقد يسمى توحيد الألوهية بالتوحيد الطلبي القصدي، أو يسمى بتوحيد الطلب والقصد. وهذا مأخوذ من معناه، لأن معناه طلبي، ولأن حقيقته قصد، فالعبد يخلص قصده لله جل وعلا بهذا النوع من التوحيد، وهو طلبي لأنه فيه مطلوب في حق أفعال العباد، وهو إفراد العبد الرب جل وعلا في أفعاله، أي في أفعال العبد، فيجعل العبادات كلها لله جل وعلا خالصًا. وهذا النوع من التوحيد يدلنا على العبادة التي نحتاج إلى معرفة معناها، وقد سبقت الإشارة إليه في دروس سابقة، بأنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، كما عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فإذا كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال التي نقولها بألسنتنا، والأفعال التي نفعلها بجوارحنا الظاهرة، أي على ألسنتنا وجوارحنا، أو الباطنة، أي التي في قلوبنا، كلها تصرف لله عز وجل وحده. وهذا يستدعي معرفة شيء آخر، وهو أن العبادة لا تصح أن تكون عبادة إلا بشرطين اثنين: الشرط الأول أن تكون خالصة لله جل وعلا، والشرط الثاني أن تكون موافقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن اختل الشرط الأول فهو شرك وكفر، إما شرك أكبر بأن يصرف لغير الله، وإما شرك أصغر كما سيأتي إن شاء الله، كالرياء ونحوه. وأما إذا اختل الشرط الثاني، فإنها تكون عند ذلك عبادة على غير سنة، فهي بدعة وضلالة. فلذلك لا بد من هذين الشرطين، أن تكون لله خالصة، وأن تكون كذلك متابعة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك مما ينبغي أن يعلم في هذا المقام، أن هذه العبادة التي هي أصل هذا التوحيد، هو إفراد الله عز وجل، هي حقيقة هذا التوحيد، توحيد الألوهية. فلذلك تفسير «لا إله إلا الله» أي لا معبود بحق إلا الله، يقوم على معنى إفراد الله عز وجل بالعبادة. فتفسير من فسر هذه الكلمة «لا إله إلا الله» أي لا خالق إلا الله، هذا خطأ. فإن المشركين شهدوا بأن الله عز وجل خالق، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فهم يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق، لكن شركهم كان بعدم توحيد الله عز وجل في عبادتهم. وهذا النوع من التوحيد هو النوع الذي حصل به الخلل عند المشركين قديمًا وحديثًا. ولهذا قال المشركون أولهم وأخرهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. وهذا القول بلسان المقال، أو بلسان الحال. فكما قال ذلك المشركون الأولون بلسان المقال، قال معناه بعض المشركين المتأخرين بلسان الحال. فبعض عباد القبور في عالمنا هذا إذا قيل لهم: «أن ما تفعلونه من الشرك، وأنه لا يجوز إلا أن يكون لله جل وعلا وحده». قالوا: «لك أين منزلة الصالحين؟ أين منزلة الأنبياء والأولياء؟». فهم قولهم في الحقيقة كقول المشركين الأولين في حق الأصنام والأوثان. والصالحين الذين عبدوا من دون الله عز وجل، لكن أولئك صرحوا، وهؤلاء لم يصرحوا، وإلا فالمعنى واحد. الجميع يظن أن حقيقة توحيد الرب جل وعلا هو بإفراده بالربوبية، أما الألوهية فيرون أنه لله ولغير الله، ظنًا منهم أن هذه وسائط صحيحة توصلهم إلى مرضات الله. والوسائط تنقسم إلى قسمين: وسائط ممنوعة، ووسائط مشروعة. فأما الوسائط الممنوعة فكل واسطة في عبادة الله جل وعلا، فهذه وسائط ممنوعة. بل يعبد الله عز وجل وحده. الممنوعة كل واسطة تجعل في عبادة الله عز وجل. وأما الواسطة المشروعة فواسطة التبليغ، كالرسل عليهم الصلاة والسلام، هم واسطة بين الخالق والخلق، لكن ليس في العبادة، وإنما في تبليغ هذه العبادة، وإرسال ما أرسلهم الله عز وجل به إلى الناس. وأما أن نجعل وسائط في عبادة الله عز وجل، فهذا دلت أدلة الكتاب والسنة على المنع منه، بل على إفراد الله عز وجل وحده بالعبادة. فأولئك اتخذوا الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار وسائط، ومن ضل من أهل الكتاب، ومن تبعهم ووافقهم ممن ينتسب إلى الإسلام، كانت ضلالتهم كذلك باتخاذ الوسائط من الأنبياء والصالحين، وكل ذلك ينافي توحيد الرب جل وعلا، لأن حقيقة التوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة. فخلاصة هذا النوع من التوحيد هو أن العبد يجب عليه أن يفرد الله عز وجل بالعبادة بجميع أنواعها، أن تكون لله عز وجل وحده، وعلى وجه الجزم في ذلك. وهذا النوع الثاني من أنواع التوحيد وأقسامه، وهو كما سبق إفراد الله جل وعلا في أفعاله من الخلق والرزق والتدبير وسائر أفعال الله جل وعلا، على وجه الاعتقاد الجزم. وهذا النوع من التوحيد وسيلة لأصل التوحيد، وهو توحيد الألوهية. فتوحيد الألوهية غاية، وتوحيد الربوبية وسيلة. والإقرار به لا يكفي بالإيمان بالله جل وعلا. ولذلك فإننا نجد في أدلة الكتاب الاستدلال به على توحيد الألوهية، أي الاستدلال وتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. ففي أول أمر أمر الله عز وجل به عباده، وأول نداء ينادى به الناس في كتاب الله عز وجل، هذا الأمر ألا وهو الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فهنا نداء للناس جميعًا أن يعبدوا الله جل وعلا وحده لا شريك له، لأنه هو الخالق وحده لا شريك له. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فجملة «الذي خلقكم» صفة كاشفة، يؤتى بها للتعليل، أي اعبدوا ربكم لأنه هو الذي خلقكم. وليس اعبدوا ربكم الذي خلقكم صفة مقيدة تدل أن هناك رب لم يخلق، حاشا وكلًا، بل ربنا جل وعلا وحده، وهو الخالق وحده، ولكن المقصود هو بيان حقيقة تفرده جل وعلا في ربوبيته، المقتضي لتفرده جل وعلا في ألوهيته. فلأنه الرب وحده المتفرد بصفات الربوبية من الخلق والرزق والتدبير، فكذلك هو وحده الذي يعبد، ولا يعبد معه غيره. فهذا من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. وهذا النوع من التوحيد، كغيره من أنواع التوحيد، يكون فيه نفي وإثبات، إثبات نفي معنى الربوبية عما سوى الله، وإثباته لله جل وعلا وحده. وهكذا نفي الألوهية عما سوى الله، وإثباته لله عز وجل وحده. ولهذا بعد هذه الآية، قال سبحانه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فإذا لا يكفي أولًا الإقرار بربوبية الرب جل وعلا، بل لا بد معه من الإقرار والتطبيق لإفراد الرب جل وعلا بالألوهية. وهكذا ثانيًا لا يكفي أن تثبت معاني الربوبية والألوهية لله، وأنت لم تنفها عما سوى الله، بل لا بد أن تنفيها عن غير الله، وتثبتها لله عز وجل وحده. وهذا هو كما تقدم أصل كلمة التوحيد، نفي وإثبات. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مع ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهذا هو «لا إله إلا الله». وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله جل وعلا في أسمائه وصفاته التي سمى ووصف بها نفسه في كتابه، وسماه ووصف به رسوله صلى الله عليه وسلم في صحيح سنته، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. وهذا الإفراد لله جل وعلا كذلك يقال فيه على وجه الاعتقاد الجازم، وهو كذلك وسيلة لغاية عظيمة، وهي إفراد الله جل وعلا بالألوهية. فإذا كان الله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العليا، فهو الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده جل وعلا. وهذا الإثبات للأسماء والصفات يثبت على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، من غير تحريف للفظ والمعنى. لا نحرف الألفاظ، ولا نحرف المعاني. نثبت لله عز وجل لنفسه الاستواء، وهو من صفاته، فنثبتها لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. لا نقول استواء استولى، هذا تحريف. ولا نقول كلام بمعنى جرح كما يقول بعض المعتزلة، بل نقول كلامًا يليق بجلاله وعظمته. لا نحرف الله، ولا نحرف المعنى. أثبت الله عز وجل لنفسه اليد، بل يداه مبسوطتان. لا نقول اليد النعمة كما تقول بعض الأشاعرة، ومن ضل في هذا الباب. وهكذا كذلك من غير تحريف ولا تعطيل، لا نعطل المعنى ولا اللفظ. فلا نعطل اللفظ بشيء من التحريف كما فعل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكلابية والمريدية، ممن حرفوا الكثير من الأسماء والصفات. ولا كذلك نسلك مسلك أهل التمثيل، الذين تمثلوا صفات الرب عز وجل بصفات بعض خلقه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. ولا نسلك مسلك المفوضة. فعندنا الآن في من ضل في باب الأسماء والصفات ثلاث فرق: فرقة ضلت بتحريف اللفظ أو المعنى، وهم نفات الصفات، كالجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية. وطائفة أخرى ضلت بالتمثيل، كبعض الرافضة من الكرامية وغيرهم، شبهوا الرب جل وعلا وتعالى وتنزه ببعض خلقه، تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا. وهكذا كذلك بعض المفوضة، وهذه فرقة ثالثة ضلت في باب الأسماء والصفات، وزعموا أن هذا الباب يتوقف في معناه، وأن الألفاظ إما لا معنى لها، وإما أن معناها لا يعلمه إلا الله. وكذا القولين باطل من قولي المفوضة. بل نحن نعرف ونعلم أن الله عز وجل خاطب عباده باللسان العربي المبين، فنثبت الأسماء والصفات بألفاظها ومعانيها التي نعرفها، بمقتضى دلالة الكتاب والسنة واللغة، على ما يليق بجلاله وعظمته. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وهذا الإثبات كما قلنا من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فالتحريف والتعطيل رد على النفاة والمفوضة، والتكييف والتمثيل رد على الممثلة. وكل ذلك موجود في قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة النفاة، وفيهم المفوضة. وهذين النوعين من التوحيد يسميان بالتوحيد الخبري العلمي. وهذا مأخوذ من معناه. وقد يسمى بتوحيد المعرفة والإثبات. لأن التوحيد الألوهية توحيد الطلب والقصد، وهذا سمي التوحيد المعرفة والإثبات، لأن مدلوله معرفة لما يليق بالله جل وعلا من إفراده في أفعاله، وفي أسمائه وصفاته. ومدلوله كذلك إثبات هذه المعرفة. بخلاف توحيد الألوهية طلب وقصد، وهو في نفس الوقت يسمى علمي، لأن مدلوله علم عما يوصف به الرب جل وعلا. وفي المقابل توحيد الألوهية يسمى طلبي عملي، نعم قصدي عملي كذلك. والأول علمي، الربوبية والأسماء والصفات علمي، والألوهية طلبي قصدي. ويسمى كذلك عملي، لأن منه عمل من العبد. وأما توحيد الربوبية والأسماء والصفات علم. وهذا التوحيد الذي هو العلمي، وتوحيد المعرفة والإثبات، هو كما قلنا وسيلة لإثبات التوحيد الطلبي القصدي، وهو الغاية التي جاءت الرسل بالدعوة إليه. وقام ما قام بين الرسل وأتباعهم ومخالفهم من أعدائهم لأجله. وبه نعرف أنه لا يكفي أحد أن يثبت التوحيد العلمي مع نفيه، أو منافاة فعله للتوحيد الطلبي القصدي. وهنا ثلاثة تنبيهات: التنبيه الأول أن أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة. فلا يصح أن نقول فلان موحد لكونه موحد لله عز وجل في الربوبية والأسماء والصفات، مع كونه مشركًا في توحيد الألوهية. لأن أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة. فلابد من حصول التوحيد في جميع أقسامه. فإذا اختلق اسم اختلت الأقسام الأخرى. لكن يصح أن نقول فلان يقر بتوحيد الربوبية، لا نقول وحد. فالمشركون أقروا بتوحيد الربوبية، ولم يقروا بتوحيد الألوهية. وإن كان بعض المشركين حتى توحيد الربوبية لم يقر به، وتوحيد الأسماء والصفات بعضهم لم يقر به، يعني كاملًا. فالشاهد لابد من هذه الدقة في التعبير. نقول إن المشركين أقروا بتوحيد الربوبية، أي طائفة كبيرة منهم. ولا نقول أنهم وحدوا بتوحيد الربوبية، لأن أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة. التنبيه الثاني مما سبق نعلم أن الغاية والمقصد هو توحيد الألوهية. فمن لم يحققه فهو ليس بموحد، ولو كان قد ادعى الإسلام. لأن الكثير من عباد القبور من المتصوفة والباطنية والرافضة وغيرهم، وفرق كثيرة تنتسب للإسلام، عندها الشرك الصراح في باب توحيد الألوهية. ومع ذلك يزعمون أنهم من المؤمنين، ومن الموحدين، ومن المسلمين. بينما من أعظم نواقض الإيمان والإسلام حصول الشرك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وليس شيء أعظم من الشرك في ألوهية الرب جل وعلا، إذ هو حقيقة دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. فدعاء غير الله، والاستعانة بغير الله، والتوكل على غير الله، وطلب الشفاء من غير الله، بجلب النفع أو دفع الضر، والذبح والنذر لغير الله، كل ذلك من الشرك، كل ذلك من الشرك الأكبر الذي يضر بالعبد. التنبيه الثالث مما سبق كذلك علمنا أن هذه التقاسيم المذكورة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وقرره علماء الأمة، بل أجمعت عليه. فبهذا لا يجوز لأحد أن يجادل في هذا التقسيم. وبه نعلم أن من جادل فهو أحد رجلين: إما جاهل فيعلم، وإما رجل سوء يبطن ما ينافي ما دعت عليه أدلة الكتاب والسنة من توحيد الله عز وجل. فهو قد علم أنه لا يصل إلى ما عليه من باطل إلا بنفي هذا الحق. فهو رجل سوء يريد أن يضل الناس في عقائدهم. وبه تعرف خطورة تلك الرسائل والمطويات التي تؤلف مجادلة بالباطل في نفي أقسام التوحيد الثلاثة، وأنه محدث وبدعة. فسبحان الله كيف جرى الشيطان على أقلام أولئك القوم وألسنتهم، حتى زين لهم الشرك، وكره إليهم التوحيد والحق. وبهذا القدر نكون قد أخذنا ما نحتاج إليه في هذا الدرس. أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلنا ممن يستمر على القول ويتبعوا أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.