من مظاهر تعظيم الله في رمضان

من مظاهر تعظيم الله في رمضان

الخطبة بعنوان من مظاهر تعظيم الله في رمضان، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 7 رمضان 1446هـ الموافق 7 مارس 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعظيم الله في رمضان ومفهوم الصيام الحقيقي

يجب على المسلم تعظيم الله في رمضان بتوبة صادقة واجتهاد في الطاعات. حقيقة الصيام ليست فقط الإمساك عن الطعام والشراب، بل هي تعظيم حرمات الله.

اجتهاد المسلم في رمضان وتكفير السيئات

ينبغي تعظيم الله في شهر رمضان بالاجتهاد في الطاعات وتكفير السيئات، وأن نكون قدوة حسنة في الخير. الاستفادة من فضائل الشهر مثل ليلة القدر وعمرة رمضان مهمة.

تحذير من الركون إلى الظالمين وأهمية إنكار المنكر

ينصح بعدم الجلوس في مجالس المعصية والابتعاد عن أماكن الفساد، ويحذر من الركون إلى الظالمين وعدم إنكار المنكر. ذلك قد يؤدي إلى تعميم العقوبة.

التفريغ النصي الكامل

من مظاهر تعظيم الله في رمضان ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، فربنا سبحانه يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء، ومن ذلك سبحانه اختار مواسم للخيرات وأشهر للتنافس في الطاعات والاستزادة من الحسنات وتكفير السيئات. إن من تعظيم الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر العظيم أن نقبل على الله سبحانه وتعالى بتوبة صادقة وإنابة خالصة، مقبلين على الله عز وجل بالاجتهاد في أصناف الطاعات وأنواع القربات. والاجتهاد في تحصيل الحسنات والاستزادة منها والارتقاء بأنفسنا إلى أعلى الدرجات. فإن من الركون إلى الظالمين الركون إليهم باتباع أقوالهم والمشابهة لهم بأفعالهم والبقاء معهم في مواضع معصيتهم، كل ذلك من الركون إلى الظالمين. ومن شؤوم الركون إليهم أنه إذا نزلت عقوبة على الظالمين لحقت من كان معهم ولو كان لم يفعل فعلهم، وهذا له نظائر كثيرة كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن لله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ السابع من شهر رمضان لعام ألف وأربعمائة وستة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، فربُّنا سبحانه يخلُق ما يشاء ويختار ما يشاء، ومن ذلك سبحانه اختار مواسم للخيرات وأشهر للتنافس في الطاعات والاستزادة من الحسنات وتكفير السيئات. ابتل عباده سبحانه وتعالى فيها بمن يعظِّمه فيها بتعظيم حرُماته وتعظيم أبواب طاعاته. ابتل الله عز وجل فيه عباده بأن جعل موسِمًا عظيمًا اجتنزَّ فيه أنواع الطاعات وصنوف القربات، وجعل فيه بابًا عظيمًا من أبواب التنافس في الاستزادة من الحسنات والارتقاء في الدرجات وتكفير السيئات. فهنيئًا لمن وفَّقه الله في هذا الشهر العظيم بتعظيم الله عز وجل بتعظيم حرماته في هذا الشهر العظيم، بالإتيان بأنواع الطاعات والتنافس في أبواب وصنوف القربات والاستزادة من الحسنات والارتقاء بنفسه إلى أعلى الدرجات والاجتهاد في تكفير السيئات والتوبة من الذنوب والخطيئات. أيها المسلمون عباد الله، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صعد على المنبر، وكلما صعد دعا جبريل وأمره أن يؤمن، فأمن النبي صلى الله عليه وسلم بتأمين جبريل. ومن ذلك أن من حضره رمضان فلم يغفر له فتُعس له محرومٌ محرومٌ. عباد الله، من أدركه شهر رمضان ولم يوفَّق أن ينال مغفرة الله سبحانه وتعالى بالاستزادة من الحسنات وتكفير السيئات والارتقاء بنفسه إلى أعلى الدرجات. أيها المسلمون عباد الله، أكرمنا الله عز وجل في هذا الشهر الكريم بهذا الموسم العظيم الذي جعله سببًا للأخذ بأنفسنا وقلوبنا وأرواحنا من هذه الدنيا التي أخذت بقلوبنا ووقعت في جوارحنا من صنوف السيئات والخطيئات. أراد الله عز وجل أن يجرنا ويغسلنا رحمةً منه وفضلاً في هذا الموسم العظيم أن نكون من عباده المتقين المقبلين على صنوف الطاعات وأنواع القربات. أن ندخل عتبة بيته وأن ننكبَّ بين يديه بالسجود له. أن نكون في هذا الشهر من الصائمين والقائمين والقانتين بقراءة القرآن والانكباب بالدعاء والسجود بين يديه والاجتهاد في صنوف الطاعات من الصدقات وإطعام الطعام وإفشاء السلام وغير ذلك من أصناف وأبواب الخيرات التي نعلمها من دين الإسلام. ولذلك عباد الله، كان حقيقة الصيام ليس هو الإمساك عن الطعام والشراب، ولكنه الإمساك عن كل المحرمات بتعظيم الله عز وجل بتعظيم حرماته في هذا الشهر العظيم. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». تأمل هذا أيها المسلم، تعرف أن حقيقة الصيام ليس بالإمساك عن الطعام والشراب ثم الإنفلات بلسانك وببصرك وبسمعك وبجوارحك في صنوف المحرمات وأنواع السيئات. بل إن ذلك يفسد عليك صيامك وقيامك كما صح في هذا الحديث العظيم. و «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه التعب والسهر». فلا تكن من هؤلاء أيها الصائم، وليكن يوم صيامك مختلفًا عن سائر الأيام. صح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه كان يقول: «إذا صمت فلتصم جوارحك وعليك بسمعك وبصرك ولسانك، وليظهر صيامك وليظهر الوقار والسكينة في يوم صيامك، ولا يكن يوم صيامك كغيره». أمرنا أن نجتنب كل ما يخدش صيامنا، حتى لو أن أحدًا سابنا أو خاصمنا أو نازعنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا تعظيمًا لله وتعظيمًا لحرماته في هذا الشهر أن يقول الصائم: «اللهم إني صائم، اللهم إني صائم». يذكر نفسه ويذكر خصمه ومن خالفه أنه في شهر ينبغي أن تعظم فيه حرمات الله سبحانه وتعالى. ومن تعظيم الله عز وجل في هذا الشهر وتعظيم نبينا صلى الله عليه وسلم لله عز وجل في هذا الشهر أنه كان حين يقبل رمضان ويظهر ظهوره ويبدو هلاله يبشر أصحابه رضي الله عنهم أرضاهم بهذا الشهر العظيم وما فيه من فضل الله سبحانه وتعالى. يبشرهم لأجل أن يستعدوا ويتهيأوا لهذا الشهر العظيم الذي تغلغل فيه الشياطين وتصفد فيه مردىة الشياطين وتفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران. كل ذلك تهيئة وتوطئة لتعظيم الله عز وجل وتعظيم الله سبحانه وتعالى في شهره وحرماته في هذا الشهر العظيم. أيها المسلمون عباد الله، إن من تعظيم الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر العظيم أن نُقبل على الله سبحانه وتعالى بتوبةٍ صادقة وإنابةٍ خالصة، مقبلين على الله عز وجل بالاجتهاد في أصناف الطاعات وأنواع القربات. والاجتهاد في تحصيل الحسنات والاستزادة منها والارتقاء بأنفسنا إلى أعلى الدرجات. والاجتهاد في تكفير السيئات ومحو الخطيئات التي لا يسلم منا أحد. فإن الله عز وجل جعل شهر رمضان سببًا لتكفير ما مضى. ففي الصحيح في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ورمضان إلى رمضان كفارةٌ لما بينهما». وقال في آخر الحديث: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر». لذلك ينبغي أن يعظم الله عز وجل المسلم في هذا الشهر بأن يعمره بما يكون سببًا في تكفير سيئاته والتوبة إليه سبحانه وتعالى والإنابة إليه والصدق مع الله سبحانه وتعالى بهذا الشهر العظيم. وهكذا أيضًا، إن من تعظيم الله عز وجل في هذا الشهر أن نكون قدوةً حسنة في الخير وأبوابه. وكذلك أن نكون أعوانًا لأنفسنا ولغيرنا في هذا الشهر العظيم. أن نكون أعوانًا على الخير. ولهذا شُرِع الصيام بهذا الاجتماع أن نصوم جميعًا في هذا الشهر، وأن نصلي جميعًا الصلوات الخمس، وكذلك صلاة القيام. إعانةً لأنفسنا ولإخواننا على أبواب الخير. ومن ذلك الفطور كذلك أن نفطر مجتمعين متآخين متحابين، بما يكون فيه إدخال المحبة وإعانة غير المستطيعين. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن «من أطعم صائمًا وفطَّره كان له مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». فتأمَّل أيها المسلم كم يكون لك أجرًا من الصيام إن أنت أطعمت عددًا من الذين لا يستطيعون الطعام فتطعمهم وتكرمهم. أو حتى مما يستطيعون فتنال أجرهم بأن تفطرهم معك وتطعمهم مما أعطاك فتنال أجرهم ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. أبوابًا كثيرة من أبواب الخيرات وصنوفًا متنوعة من صنوف الطاعات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم على الصيام والقيام وسائر الطاعات، وأن يجعلنا من المتقين في هذا الشهر المبارك. اللهم آمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. فإن من فضائل هذا الشهر العظيم أن نزل الله عز وجل فيه القرآن جملةً واحدة من السماء إلى السماء الدنيا تعظيمًا لهذا الشهر. كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، وهي ليلة القدر التي هي من هذا الشهر شهر رمضان. فمن فضائله كذلك أن فيه ليلةً هي خيرٌ من ألف شهر. فينبغي للمسلم أن يحرص عليها لينال هذا الأجر العظيم وهذه المضاعفة العظيمة عند الله سبحانه وتعالى. وأن يكون من عُتقائه من نار الجحيم، وأن يكون بإذن الله سبحانه وتعالى من أهل جنات النعيم. وهكذا أن يجتهد في أصناف الطاعات الحاضرة والمستقبلة. ومن ذلك أنه إن تيسر له أن يعتمر فإن عمرةً في رمضان كحجةٍ معه عليه الصلاة والسلام كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا في العمرة، فكذلك في أصناف الطاعات والقربات فإنها تضاعف في هذا الشهر بالمضاعفات العظيمة الكبيرة. كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: «أما الصوم فإنه لي»؛ أي أنه يضاعف فيه المضاعفة العظيمة التي أعظم من العشر الحسنات المضاعفة إلى سبعمائة ضعف كما صح معناه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فلذلك نعظم الله عز وجل في هذا الشهر العظيم بتعظيم شهره وتعظيم حرماته وتعظيم أنواع طاعاته والابتعاد عن أبواب السيئات والخطيئات. ومن ذلك أننا نعرف أن من تعظيم الله عز وجل أن نجلب التقوى إلى قلوبنا بهذا الصيام، وهو من أعظم معاني وأهداف ومقاصد هذا الصيام. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فإن المقصد الأعظم والهدف الأعلى والأسمى هو أن يصل التقوى إلى قلوبنا. يصل التقوى إلى قلوبنا عباد الله بماذا؟ بتعظيم حرمات الله بتعظيم الله عز وجل في طاعاته والابتعاد عن أبواب خطيئاته واجتناب سيئاته سبحانه وتعالى. ألا تسوء في قولٍ أو فعل، ولا تحذر موضعًا فيه إساءة في قولٍ أو فعل. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به»؛ فإن المراد به كل خطيئة وسيئة يبغضها الله سبحانه وتعالى فهو من الزور. سواء كان سبًّا أو شتمًا أو كان قولًا قبيحًا أو غير ذلك. وهكذا كذلك العمل به؛ أي كل عملٍ سيئ لا يحبه الله سبحانه وتعالى فإنك لا تفعله ولا تحذره كذلك. فإذا رأيت أحدًا فعل شيئًا من السيئات فلا تجلس في المجلس الذي فيه ذلك حتى لا تضرَّ نفسك أولًا ثم لا تقرَّ فعلهم ثانيًا. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. فإن من الركون إلى الظالمين الركون إليهم باتباع أقوالهم والمشابهة لهم بأفعالهم والبقاء معهم في مواضع معصيتهم، كل ذلك من الركون إلى الظالمين. ومن شؤوم الركون إليهم أنه إذا نزلت عقوبة على الظالمين لحقت من كان معهم ولو كان لم يفعل فعلهم. وهذا له نظائر كثيرة كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. دمَّر الله عز وجل القرية بأكملها، مع أن الفساد إنما حصل من المترفين الفاسقين. وذلك لأن فيهم من كان لم يُنكر ذلك الفسق ولم يخرج ولم يبتعد من ذلك الفسق. وبحديث عائشة في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بأولهم وآخرهم». قالت عائشة: «يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُخسف بأولهم وآخرهم، ثم يُبعثون على نياتهم». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث زينب رضي الله عنها: «وَيْلٌ لِلْعَرَبْ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبْ». كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام، حتى قالت زوجته رضي الله عنها: «أنا أهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». فإن انتشار الخبث مع عدم إنكاره والابتعاد عنه وعن محله وأهله سببٌ لتعميم العقوبة كما قال الله عز وجل. كذلك محذِّرًا بهذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فلا يكفي أن نكون من الصالحين، بل لا بد أن نكون من المصلحين. ومن ذلك أن نبتعد عن أماكن الفساد، وخصوصًا في مثل هذا الشهر العظيم. فإن من تعظيم الله وتعظيم حرماته ألا تجلس في المجالس التي يكون فيها فسقٌ وفجورٌ ومعصيةٌ لله سبحانه وتعالى. وما أكثر ذلك وللأسف في هذا الشهر العظيم. فإن من الناس من يقتل وقته بأصناف السيئات بدل الطاعات. أناسٌ يُقبلون على الله سبحانه وتعالى في مساجده بتلاوة كتابه والإقبال عليه بالصلاة والقيام والصيام وغير ذلك من الطاعات. وآخرون مُدبرون إلى الأسواق والتسكُّع فيها وإضاعة وقتل الأوقات فيها. أو كذلك تقليب أنواع القنوات وما فيها من صنوف السيئات من المسلسلات والأفلام. أو آخرون كذلك يقتلون أوقاتهم بتلك الجوالات وتقليب تلك المقاطع وتلك البرامج. قلَّ ذلك يُنافي تعظيم الله وتعظيم شهره وتعظيم حرماته في هذا الشهر العظيم. فكذلك ينبغي أن نحذر وأن نُحذِّر تعظيمًا لله سبحانه وتعالى من هذا الفعل. وأن لا نكون مع هؤلاء في ظلمهم لأنفسهم وظلمهم لشهر الله عز وجل وظلمهم كذلك لهذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات ومن مواضع تكفير السيئات. أيها المسلمون عباد الله، إن الإسلام دين العدل. يأمرك بأن تجتهد في الطاعات وأن تكون من المقبلين على الله سبحانه وتعالى. ولا يعني ذلك أن تترك واجبًا أو تُفرِّط في مطلوب. فإنه كما أمرك بالإقبال عليه بطاعته والاجتهاد في القرب منه. وأمرك بأن لا تُضيِّع ما عليك من مسؤولية. بل قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، ولكن باقتصادٍ وعدل بغير إجحافٍ على ما ينبغي أن يُجتهد فيه وأن يُحرص عليه. فنحن في موسمٍ عظيمٍ من مواسم الخيرات. من كان له حاجة في هذا الشهر فليأخذها بخفةٍ وباقتصادٍ وبُعدٍ عما يُنافي تعظيم هذا الشهر. من كانت له حاجة فليجعلها في أول الشهر أو قبل إقبال الشهر. فلا يجعل هذا الشهر مضيعةً للأوقات والتسكُّع في الأسواق والطرقات. أو يجعله كذلك بتقليب الأخبار والنظر في أنواع القنوات وغيرها. إن كان هناك شيء ولابد منه فليأخذ الشيء الذي لابد منه بغير معصية الله سبحانه وتعالى. ويُقدِّم الأهم على المهم. فإن من أهم المهمات في هذا الشهر العظيم أن تُثمره بالاستزادة والاستكثار من أصناف الحسنات والطاعات التي تنفعك وتضاعف لك في هذا الشهر. ولا تجدها إلا في هذا الشهر، فهي أيامٌ معدودات جعلها الله عز وجل موسمًا للتنافس في الخيرات والاستزادة من الحسنات ومضاعفة الدرجات وكذلك مضاعفة الحسنات. فإذا لم تفز ولم تظفر بهذه الغنيمة فما تنتظر؟ إذا كانت تُجَّار أيها المسلمون عباد الله يجتهدون في مواسم الربح. فكذلك أنت أيها المسلم، اكتنز وفز في هذا الموسم العظيم بموسم الربح مع الله سبحانه وتعالى. الذي جعل الله عز وجل لك فيه من أنواع الطاعات وصنوف الحسنات ما يعينك على تكفير السيئات ورفع الدرجات. فلنكن عباد الله ممن يعظم شهر الله شهر رمضان بالاجتهاد فيه والإقبال فيه، كما لم يكن في غيره من شهور العام. فهو شهرٌ واحد عظيمٌ عند الله. ومن تعظيم السلف الصالح له أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يوفقهم لإدراك هذا الشهر. فإذا وفقهم وأعمروا واجتهدوا فيه على ما لا يخفى من حرصهم وتقواهم واجتهادهم في هذا الشهر وأمثاله. فإنهم يدعون الله ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وسائر الطاعات، وأن يجعلنا من عباده المقبولين ومن عباده المعتوقين. نسأل الله ذلك. اللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وسيئاتنا وارفع لنا من درجاتنا وحسناتنا، وأعنا في هذا الشهر العظيم أن نكون من عبادك المقبولين وأن نكون من عبادك المكرمين. اللهم آمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح أحوال المسلمين في بلادنا هذه وفلسطين وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم صح إمامنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين الأحياء منهم والميتين، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.