وقفات مع انتصاف رمضان

وقفات مع انتصاف رمضان

الخطبة بعنوان وقفات مع انتصاف رمضان، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 14 رمضان 1446هـ الموافق 14 مارس 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التنبيه على خطورة الفتور في العبادة

في منتصف رمضان، يحذر الشيخ من الفتور في العبادة ويشير إلى أهمية مرافقة الرفقة الصالحة. كما يؤكد على أن شهر رمضان هو مدرسة لتربية النفس وترويضها على الطاعات.

خطورة الفتور ودفعها بالطاعات

يُنبه الخطيب إلى خطورة الفتور في الطاعات ويحث على الاجتهاد في دفع هذا الفتور بالمحافظة على النوافل. كما يشير إلى أهمية مرافقة الرفقة الصالحة في ذلك.

الاجتهاد في العشر الأواخر وفضل ليلة القدر

يُشدد على أهمية الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، خاصة في ليلة القدر التي تُعد خيرًا من ألف شهر. يُحث على اغتنام هذه الفرصة بزيادة الطاعات والقربات.

الدعاء للمسلمين وولاة أمورهم

يتضمن المقطع دعاء لله تعالى بإصلاح ولاة أمور المسلمين وطلب المغفرة للمسلمين والهداية إلى الصراط المستقيم. كما يتضمن تمنيات بالصلاح للأمة وولاة أمورها.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم وقفات مع انتصاف رمضان. الخيرات والتنافس فيها، فهذه وقفات مع انتصاف هذا الشهر، لعلنا ندرك ما فاتنا في أوله. ووقفة أخرى أيها المسلمون عباد الله، أن نحذر ونحن قد انتصفنا من الشهر أن يدخل فينا شيء من الفتور أو شيئًا من آثاره وعلاماته، فإن ذلك أول علامات الحرمان. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل عمل شرة، وإن لكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فهو على خير، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قطعة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الرابع عشر من شهر رمضان لعام ألف وأربعمائة وستة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. وإن مما يعين على دفع هذا الفتور أيها المسلمون عباد الله، أن يجتهد المسلم أن يرافق الرفقة الصالحة الجادة المجتهدة الحريصة على الخيرات والاجتهاد فيها، فإن ذلك مما يشحذ هممك. فإذا جلست مع القراء والحفاظ ورأيت اجتهادهم دفعك هذا إلى الجد والاجتهاد، وإذا جلست مع الصوام القوام دفعك ذلك أن تجتهد مثلهم في الصيام والقيام. ﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مِنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، ها نحن وقد انتصفنا هذا الشهر، شهر رمضان، هذا الشهر الذي جعله الله عز وجل سببًا لرفع الدرجات والاستزادة من الحسنات وتكفير السيئات. جعله الله عز وجل موسما عظيما من مواسم الخيرات والتنافس فيها. فهذه وقفات مع انتصاف هذا الشهر، لعلنا ندرك ما فاتنا في أوله. فمن فاته شيء في أوله فليدرك ما بقي منه. أكرمه الله عز وجل أيها المسلمون عباد الله بهذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، وهذا الشهر المبارك من أشهر التنافس في الطاعات. ملأه الله عز وجل بأصناف الطاعات والقربات التي هي محل استزادة الحسنات ورفع الدرجات. والموفق من وفقه الله لإعمار ليله ونهاره ولحظات عمره بما فيه الخير له من التنافس في هذه الحسنات والاستزادة في رفع الدرجات، بما يكون له الخير له في عاجل أمره وأجله. أيها المسلمون عباد الله، شهر رمضان مدرسة عظيمة لهذا الإنسان، يدخلها ليصلح قلبه وجوارحه ويهذبها على آداب هذا الدين. مدرسة عظيمة في الآداب والأخلاق، مدرسة عظيمة في الجد والاجتهاد، مدرسة عظيمة في ترويض النفس الأمارة بالسوء. ترويض النفس الكسولة الضعيفة أن تكون قوية نشيطة مجدة مجتهدة في التنافس في الخيرات والاستزادة من الحسنات والارتقاء بنفسها إلى أعلى الدرجات. مدرسة عظيمة مع كتاب الله سبحانه وتعالى العظيم القرآن. مدرسة عظيمة في باب الصدقة وأنواع الإحسان. مدرسة عظيمة في قيام الليل وصيام النهار وإطعام الطعام والتنافس في سائر أبواب الخيرات والمبرات. مدرسة عظيمة في التعاون على البر والتقوى وبث معنى الأخوة والمحبة والألفة والقربة في ذات الله سبحانه وتعالى ومرضاته. مدرسة عظيمة في الاعتناء بأنفسنا والاعتناء بأسرنا وأبنائنا، لا الاعتناء الحسي، ولكن الاعتناء المعنوي، الاعتناء بالإيمان، الاعتناء بالقرآن، الاعتناء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، الإقبال على العلم النافع والعمل الصالح. مدرسة عظيمة في تفقد أحوال الضعفة والمساكين والفقراء والأيتام وغيرهم من المحتاجين. مدرسة عظيمة أيها المسلمون عباد الله في الدخول بهذا الدين من جميع أبوابه ومن جميع منافذه، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. مدرسة عظيمة في المداومة على الطاعات والاستكثار من القربات. فإن من دخل أول هذا الشهر بذلك الجد والاجتهاد، فينبغي أن يستمر عليه. وأن يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو رب الشهور جميعًا، رب رمضان وشوال وسائر أشهر العام. وهكذا مدرسة عظيمة في تربية النفس وترويضها على التعود على الطاعات وعلى إلزامها، وكذلك تربيتها على الصبر على أنواع القربات. فمن دخل المسجد وصبر نفسه على قراءة القرآن والمواظبة على الصلاة وفرائض الإسلام وغيرها من أنواع الطاعات والقربات، فإنه يروض نفسه من باب أولى في غيرها مما هو أيسر. مدرسة عظيمة أيها المسلمون عباد الله، بأن يصلح المرء جوارحه، بأن يهذبها ويكلبها بهذه الآداب الشرعية حتى تتعود الخير وتلزمه، وحتى ترغب في هذا الخير وتداوم عليه. أيها المسلمون عباد الله، ليكن هذا الشهر وانتصافه سببًا في زيادة أعمالنا وكثرة كذلك حرصنا على الخيرات والمبرات والاستزادة من الحسنات والارتقاء بأنفسنا إلى أعلى الدرجات. ووقفة أخرى أيها المسلمون عباد الله، أن نحذر ونحن قد انتصفنا من الشهر أن يدخل فينا شيء من الفتور، أو شيئًا من آثاره وعلاماته، فإن ذلك أول علامات الحرمان. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل عمل شرة، وإن لكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فهو على خير، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فإنه يحذرنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن تكون فترتنا إلى غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك أيها المسلمون عباد الله، ينبغي أن نروض أنفسنا ونعوذ جوارحنا ونهذب قلوبنا ونهذبها على الاجتهاد في الطاعات والقربات ولزوم سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا حصل شيء من الفتور، فلا أقل أن تبقى على الواجبات والبعد عن المحرمات. وإن فترت في بعض الطاعات والرواتب والنوافل وأبواب الحسنات، فلذلك روض نفسك واجتهد في تعويدها على الفرائض وعلى النوافل والطاعات والقربات، فإن ذلك سبب لحفظك وحفظ نفسك وأسرتك على الدين القويم والصراط المستقيم. ومن ذلك أنك بهذا الترويض وبهذا الحرص على عدم الفتور إلا إلى سنة، تكون قد حافظت على صلتك برب، وخالقك. جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: ولا يزال عبدي يتقرب إلي من نوافل حتى أحبه». ومعناه: لا تقطع النوافل بينك وبين الله حتى لا تقطع المحبة بينك وبين الله سبحانه وتعالى. فإن أصابك فتور، فلا أقل أن تبقى لك بعض النوافل، ولا تتركها بالكلية. فإن قطعها وتركها بالكلية سبب لانقطاع محبة الله سبحانه وتعالى عنه. بل احرص -أيها المسلم- على المحافظة على النوافل والطاعات قدر المستطاع، بما يكون به حفظ محبة الله سبحانه وتعالى. واحذر أن يدخل عليك الفتور إلى الواجبات والفرائض، فإن ذلك من علامات الانتكاسة، وصفة من صفات الدخول في النفاق، كما قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فمن صفات المنافقين الكسل والفتور عن الفرائض والواجبات. فلا ترضى لنفسك -أيها المسلم- أن يصيبك الفتور، فينتقل من النوافل إلى الفرائض، من المستحبات إلى الواجبات. فإن ذلك أول علامات الانتكاسة والخروج عن الدين القويم والصراط المستقيم الذي أحبه الله لك رب العالمين سبحانه وتعالى. ومن ذلك أن تجاهد نفسك أن لا يدخل عليك شيء من علامات الفتور والكسل، حتى في أثناء الطاعات والقربات. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأفعال وبعض الأقوال؛ لأجل أن لا يدخل الفتور علينا، فيكون سببًا في ضعفنا وخورنا وتسلط الشيطان علينا. فنهانا عن التثاؤب. فإذا تثاءب أحدنا، فليكظم ما استطاع؛ لأن التثاؤب من علامات الفتور. فلذلك يأتي الشيطان لك بالتثاؤب في وقت الطاعات. إذا مسكت القرآن وأردت أن تقرأ، جاءك النوم بأحلى ما يكون، وكبس عليك بالتثاؤب بأنواع وصور شتى. وإذا دخلت في الصلاة، جاءك التثاؤب. فينبغي أن تكظم ما استطعت، ولا تسترسل مع الشيطان في هذا التثاؤب، كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك أن تحرص على الأفعال والأقوال التي توافق السنة في كل طاعة. ومن هذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفترش المسلم بصلاته وسجوده افتراش السبع أو افتراش الكلب؛ لأنها صفة من صفات الفتور، ودخول الشيطان على أعمالك. فإنه إذا أصابك الفتور، كسلت جوارحك وأعضاؤك وتثاقلت، فلم تستطع أن تفعل السنة، حتى أنك يثقل عليك أن ترفع يديك عن الأرض، فتسقط اليدين على الأرض، فتشبه سجودك سجود السبع، وافتراش الكلب الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مظهر من مظاهر الفتور الفعلي في الطاعات والقربات. وهكذا كذلك فتورك في التعاون على البر والتقوى، والاجتهاد بالإحسان والعطاء، وغير ذلك من أبواب الخير الذي يجتهد فيه المجتهدون في هذا الشهر. وإن مما يعين على دفع هذا الفتور أيها المسلمون عباد الله، أن يجتهد المسلم أن يرافق الرفقة الصالحة الجادة المجتهدة الحريصة على الخيرات والاجتهاد فيها. فإن ذلك مما يشحذ هممك. فإذا جلست مع القراء والحفاظ ورأيت اجتهادهم، دفعك هذا إلى الجد والاجتهاد. وإذا جلست مع الصوام القوام، دفعك ذلك أن تجتهد مثلهم في الصيام والقيام. وإذا جالست المجتهدين في الإحسان والإنفاق وإطعام الطعام وإفشاء السلام، دفعك ذلك أن تجتهد معهم مثل اجتهادهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه بإسناد صحيح: «الأمر بالدين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». أيها المسلمون عباد الله، لنحرص في هذا الشهر على أن نكون من المداومين على الخيرات، ومن المحريصين على الطاعات والاستمرار فيها. انظروا إلى ما وصف الله عز وجل به ملائكته وخواص عباده، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، أي لا يفترون عن التسبيح وعن ذكر الله وعن طاعته وعبادته. فكذلك ينبغي أن يكون أهل الإيمان حريصين على الطاعات والاجتهاد فيها، لا يفترون عنها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم على الجد والاجتهاد بهذا الشهر، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين المتقين، من الهداة المهتدين، ومن عباده الصالحين. اللهم آمين يا رب العالمين. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُ الصَّالِحِينَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ﴾. أيها المسلمون عباد الله، وإن من الوقفات التي نقفها مع انتصاف هذا الشهر، شهر رمضان المبارك، أن نتذكر أن العبرة بالخواتيم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالخواتيم». فمن كانت خاتمته حسنة مليئة بالجد والاجتهاد، فهو الموفق بإذن الله سبحانه وتعالى. ومن كانت خاتمته الفتور والكسل والضعف والعجز، فهو على الخطر والعياذ بالله. ولهذا لم يزل ولا يزال العارفون من العلماء والعباد يأمرون من معهم بالجد والاجتهاد، وخصوصًا في مواسم الخيرات ومواضع الاجتهاد في الطاعات. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: «إن الخيل إذا استبقت فشارفت على الانتهاء، كان لها من الجد والحرص على الوصول، فتدفع بنفسها بأعلى قوتها لتصل». فلا نكن -أيها المسلمون عباد الله- أضعف إدراكًا وأقل همة من هذه البهائم. فإذا كانت البهائم عندها مثل هذا الإحساس والإدراك بمثل هذا الأمر، فكيف بك وأنت بأمر عظيم، عليه مصيرك في جنة أو نار، تكفير السيئات ورفع الدرجات، ووصولك إلى أعظم أبواب الرحمات. وهكذا كذلك عباد الله، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «العبرة بتمام النهايات لا بنقص البدايات». فكم من إنسان -أيها المسلمون عباد الله- تكون بدايته فيها شيء من النقص والعجز والتقصير، ولكن إذا أتبعه العبد شيء من الجد والاجتهاد، فإن ذلك يمحو عنه ما مضى. ويقول الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى: «إن الجد فيما بقي يمحو ما حصل من تقصير فيما مضى». إذا حصل منك تقصير فيما مضى، فإن ذلك الجد والاجتهاد فيما بقي يكفر لك ما مضى، ويوفقك فيما بقي. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». فأيها المسلمون عباد الله، العبرة بخواتيم الأعمال. فلنحرص على الجد والاجتهاد في آخر هذا الشهر، وفيما بقي منه. ولنعلم -أيها المسلمون عباد الله- أن من فضل الله سبحانه وتعالى أن جعل آخر هذا الشهر هو موضع التنافس، وهو موضع الربح الحقيقي. ولذلك جعل الله عز وجل فيه ليلة هي خير من ألف شهر، وهي ليلة القدر، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ليلة القدر -أيها المسلمون عباد الله- عظيمة القدر عند الله سبحانه وتعالى. فإن الله سبحانه جعل فيها من المضاعفة للأعمال ما هو خير من ألف شهر. قدره بعض أهل العلم، فوجدوه أكثر من ثلاث وثمانين سنة وبضعة أشهر. فإن عمل العامل في هذه الليلة يضاعف فيه عمله بهذا القدر والمضاعفة العظيمة. فضلًا عما يكون فيها من أنواع العطاء والفضل والبركة، كما قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أي من بداية الغروب إلى طلوع الفجر، وهي مليئة بالسلام والتسليم ودعاء الملائكة المقربين، وبركة رب العالمين على الأجساد وعلى الأديان وعلى الأقوال والأفعال والجوارح كلها، مليئة بالسلام والتسليم والبركة. فمن وفق لقيامها والاجتهاد فيها، فقد وفق لخير عظيم، رحمة منه وفضلًا سبحانه وتعالى. تكفر فيها من السيئات، وتستزيد فيها من الحسنات، وترتقي بها إلى أعلى الدرجات. فلذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد فيها بقوله وفعله. ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله». ومعناه أنه يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بقوله وفعله على إدراك ليلة القدر والاجتهاد في هذه العشر. فجاء في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه اعتكف العشر الأول من رمضان رغبة في الوصول إليها وإدراكها لليلة القدر. فلما شارفت العشر الأولى على الانتهاء، جاءه جبريل وأخبره أن ما يطلبه أمامه. فاعتكف العشر الأوسط من رمضان رجاء أن يدرك ليلة القدر. ثم جاءه جبريل لما شارفت العشر الوسطى على الانتهاء، وأخبره أن ما يطلب أمامه. فأمر أصحابه أن يعتكفوا معه العشر الأواخر من رمضان. ثم أخبرهم أن ليلة القدر أبقاها الله عز وجل في العشر الأواخر. فلم يزل ولا يزال يعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر من رمضان، إلا رمضان واحد لم يعتكف فيه، وقضى هذا الاعتكاف في شوال عليه الصلاة والسلام، حرصًا منه عليه الصلاة والسلام على مداومة الطاعة والاستمرار عليها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ليلة القدر أرجى ما تكون في العشر الأواخر منها، وأرجى ما تكون في السبع الأواخر من هذه العشر، وأرجى ما تكون في ليالي الوتر من هذه العشر، وأرجى ما تكون في آخر الوتر منها، وأرجى ما تكون في ليلة سبع وعشرين من هذه الليالي الوتر. كل هذه تدل على أن ليلة القدر تتنقل في هذه العشر، تارة تكون في ليلة وترية، وتارة تكون في غيرها، وتارة تكون في أول العشر، وتارة تكون في آخرها. فقد صح أن ليلة القدر وافقت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إحدى وعشرين، وصح أنها وافقت ليلة ثلاث وعشرين، وصح أنها وافقت ليلة سبع وعشرين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فدل ذلك أن ليلة القدر تتنقل في السنوات بين هذه العشر». وما ذلك إلا لأجل أن يزداد الفضل وتزداد الحسنات والطاعات لأهل الإسلام، بأن يعمروا العشر جميعًا بأنواع الطاعات والقربات. وفي هذا خير لهذا الإنسان. فلا نبخل على أنفسنا -أيها المسلمون عباد الله- من إعمار هذه العشر بأصناف الطاعات والقربات، وختام هذا الشهر بهذا الجد والاجتهاد الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام؛ لعل الله عز وجل أن يتجاوز عنا، ويكفر من سيئاتنا، ويرفع من درجاتنا، ويزيد من حسناتنا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم في هذا الشهر لصيامه وقيامه، والقيام بأنواع الطاعات والقربات، والاستزادة من أنواع الحسنات، وأن يجعلنا من عباده المقربين، ومن الهداة المهتدين. اللهم آمين. اللهم أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين بكل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين في بلادنا هذه خاصة، وسائر بلاد المسلمين، وفي السودان وفلسطين وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك بمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين، الأحياء منهم والأموات، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين.