الخطبة بعنوان حِكم وأحكام الحج، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 11 ذو القعدة 1446هـ الموافق 9 مايو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحج ركن من أركان الإسلام، فرض الله الحج لحكم عظيمة وأسرار جسيمة لإصلاح الإنسان. وهو سبب لتكفير الذنوب ورفع الدرجات ومحو الخطيئات.
الحج والعمرة يجمعان المسلمين وتعظيما لشعائر الله، ويتضمنان العديد من الحكم والأجور العظيمة. كما أنهما يعززان الإيمان والتمسك بالدين وتوحيد وتعاون المسلمين.
يتحدث عن أهمية تعلم المسلمين لأحكام الحج ومناسكه من خلال اتباع سنة النبي وصحابته. ويبرز حكم الله في فريضة الحج وأهمية التمسك بالتوحيد واتباع السنة.
دعاء لرفع البلاء عن المسلمين المستضعفين وتضميد جراحهم ونصرة المظلومين. ودعاء للأمة بالصلاح وللقيادة بالاستقامة.
الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة: حج بيت الله الحرام الذي هو أحد مباني هذا الدين العظام، وركن من أركانه الكبار. جاء بالصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا». معاشر المسلمين، معاشر المسلمات، إن حج بيت الله الحرام لم يفرضه الله سبحانه وتعالى لنتحمل من الأثقال ومن الأحمال ما يفقل كاهلنا أو ما يزيدنا عبئًا فوق ما نحن فيه، بل إن الله عز وجل لحكم عظيمة وأسرار جسيمة جعلها الله عز وجل سببًا في فرض هذه الفريضة. فإن أهل الإسلام يحتاجون لهذه الفريضة أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأنها سبب عظيم في إصلاح الإنسان في حاضره وفي مستقبله، وفي دنياه وفي آخراه. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الحادي عشر من شهر ذي القعدة لعام ألف وأربعمائة وستة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. وهكذا كذلك عباد الله، من هذه الحكم قوة أهل الإسلام باجتماعهم في بيت الله الحرام، فيجتمعون للمصالح الدينية ومنها الحج، والمصالح الدنيوية ومنها التجارة والبيع والشراء، وكذلك ما يصحب ذلك من التشاور في الأمور العظام فيما ينفع الإسلام والمسلمين. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، عباد الله، أكرمنا الله عز وجل بهذا الدين العظيم الذي فيه من الحكم والأحكام والأسرار ما يصلح الله عز وجل به هذا الإنسان في دنياه وفي آخراه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وما من أيام تمر بنا معاشر المسلمين إلا ويكرمنا الله عز وجل بموسم من مواسم الطاعات، وموضع من مواضع التقرب بالمبرات، ويجعل ذلك سببًا لتكفير السيئات ورفع الدرجات ومحو الخطيئات، فضلًا منه سبحانه وتعالى. ومن ذلك معاشر المسلمين والمسلمات حج بيت الله الحرام الذي هو أحد مباني هذا الدين العظام، وركن من أركانه الكبار. جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا». وفي أكثر الروايات قدم الحج على الصوم. فهذا الحديث العظيم يدل أن حج بيت الله الحرام من أعظم أركان الإسلام، بل من مبانيه العظام؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في هذه الأركان الخمسة، بل في بعض الروايات قدمه على صوم رمضان عليه الصلاة والسلام. وما ذلك معاشر المسلمين إلا لعظيم ما فيه من الحكم والأحكام والأسرار والمنافع التي ينفع بها الإنسان في نفسه وبمجتمعه، وينفع بها المسلمون في أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم، بل وفي عالمهم جميعًا. قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. ففرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين الحج لمن لم يحج، وذلك بشرطين اثنين: الشرط الأول أن يكون ممن يستطيع سبيلًا في قوته وصحته، وهكذا تزوده بالمال. فمن استطاع الزاد والراحلة والقوة والصحة لا يجوز له أن يتأخر عن حج بيت الله الحرام، بل يجب أن يبادر بالحج من ماله ولو زادت الأسعار أو ارتفعت أو كذلك حصل ما حصل، مادام يجد فضلًا وقوة واستطاعة وقدرة مالية وبدنية، فيجب عليه أن يذهب لحج بيت الله الحرام وأداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام العظام. معاشر المسلمين، معاشر المسلمات، إن حج بيت الله الحرام لم يفرضه الله سبحانه وتعالى لنتحمل من الأثقال ومن الأحمال ما يفقل كاهلنا أو ما يزيدنا عبئًا فوق ما نحن فيه، بل إن الله عز وجل لحكم عظيمة وأسرار جسيمة جعلها الله عز وجل سببًا في فرض هذه الفريضة. فإن أهل الإسلام يحتاجون لهذه الفريضة أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأنها سبب عظيم في إصلاح الإنسان في حاضره وفي مستقبله، وفي دنياه وفي آخراه. ومن حكم وأسرار الحج التي ذكرها الله عز وجل أو ذكرها رسوله صلى الله عليه وسلم بسنته أنها سبب لتكفير الذنوب والسيئات والخطيئات. جاء عن عبد الله بن عباس وبمعناه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». فإن من حكمة الله في فرض الحج والعمرة أنه سبب لإبعاد وتطهير الإنسان عن الذنوب والخطايا وتجليته، وكذلك صفائه. ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن». وجاء في رواية: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وفي حديث آخر في الصحيح عنه رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». أي أن الله عز وجل يطهره تطهيرًا وينقيه تنقية حتى كأنه خلق من جديد. وما، من حكمة الله في فرض الحج أنه طريق يوصل إلى جنة الله سبحانه وتعالى، وأنه طريق لتكفير السيئات ورفع الدرجات. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في ذكر فضائل الحج والعمرة، وما فيهما من المنافع والأسرار والحكم والأجور العظام، بما لا يسع حصرها وذكرها في هذا المقام. ومن هذه الأسرار والحكم أنها سبب لاجتماع المسلمين في قبلتهم، كما أنهم يجتمعون حسًا في قبلتهم التي يصلون إليها. فإنهم يجتمعون بها فيرون بيت الله الحرام، ويتذكرون ما فيه من التاريخ والأمور العظام. فإن بيت الله الحرام وما فيه من العظمة والإجلال تعظيمًا لله سبحانه وتعالى، يورث من قوة الإيمان والالتصاق بالدين والتمسك به، وحب الأخوة والقرب من الإخوان المسلمين عمومًا. سواء كان المسلم عربيًا أو عجميًا، أسود أو أبيض، أصفر أو غير ذلك، فالكل تحت مضلة الإسلام إخوانًا متحابين متعاونين. ويؤيد ذلك أن هناك من الأعمال الجماعية التي يقوم بها حجاج بيت الله الحرام والمقيمون بزيارة العمرة إلى المسجد الحرام، يؤدونها وهم يرون بعضهم بعضًا، ويزحم بعضهم بعضًا بالرفق والسكينة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم الرفق في حجهم وفي طوافهم وفي سعيهم وفي نفرتهم وتنقلاتهم في مواضع الحج. وهكذا كذلك عباد الله، من هذه الحكم قوة أهل الإسلام باجتماعهم في بيت الله الحرام، فيجتمعون للمصالح الدينية ومنها الحج، والمصالح الدنيوية ومنها التجارة والبيع والشراء، وكذلك ما يصحب ذلك من التشاور في الأمور العظام فيما ينفع الإسلام والمسلمين. ولذلك بفضل الله عز وجل استغل ولاة أمر المسلمين أن تكون أيام المناسك وحضور واجتماع الناس في الحج سببًا لعقد المؤتمرات الإسلامية العظيمة، باجتماع رؤساء بلاد الإسلام وكبرائها وعلمائها، فتقام المؤتمرات العظيمة. وهذا من مصالح وحكم الله عز وجل في هذه الشعيرة العظيمة. وهكذا من هذه المصالح أنه يتذكر من سبقه من الأنبياء والمرسلين، ومن كان قبله من السلف الصالحين، الصحابة الأخيار، ومن تبعهم بإحسان من التابعين وأتباع التابعين، أئمة الدين، فيما ذكر أمرهم في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في كتب السير والأخبار، مما يشحذ الهمم ويقوي الإيمان، ويعين في إصلاح الطريق إلى الله سبحانه وتعالى الرحمن. فهكذا يذكرنا النبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب إلى الحج من المدينة إلى مكة، فما مر بموضع يرتفع فيه إلا وكبر، وما نزل موضعًا إلا وسبح، وهو يهلل: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». ثم يذكرهم كأنه به يرى موسى عليه الصلاة والسلام يكبر ويلبي وله جأوار، ويذكر عددًا من الأنبياء والرسل في مواضع الله عز وجل أخبره أنهم مروا بها حاجين إلى بيت الله الحرام. وهكذا ما أخبرنا الله عز وجل من قصة إبراهيم وابنه إسماعيل، وما كان من أمرهما في بيت الله الحرام وبنائه، وما كان من كذلك فريضة الحج. وهكذا كذلك قصة إسماعيل مع أمه عليه الصلاة والسلام، كل ذلك يورث من العظة والعبر والحكم والأسرار ما يقوي إيمان المؤمنين، ويزيد من الارتباط في هذا الدين، ويكون به بحكمة الله سبحانه وتعالى تعاون وتكاثف المسلمين. وهذا قليل من كثير من حكم وأسرار الحج التي جعلها الله عز وجل لهذه الفريضة. ومن ذلك كذلك اجتماع المسلمين في تعظيم شعائر الله وبقاع الله المحرمة: بيت الله الحرام مكة، وهكذا المدينة: مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيزورون مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبزيارتها يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويسلمون عليه وعلى صاحبيه، بالآداب الشرعية والشروط المرعية التي ذكرها العلماء. ومن ذلك عدم الغلو في ذلك وتجاوز المشروع إلى الممنوع، حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك. وهذه حكمة أخرى من حكم الله عز وجل في زيارة هذه المواضع المقدسة عند الله سبحانه وتعالى، أن يكون فيها من التعظيم لله، ومن التعظيم مما يعظمه الله تعظيمًا لله سبحانه وتعالى بالضوابط الشرعية. فقد كان عمر رضي الله عنه أرضاه يقبل الحجر ويقول: «إني لا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك». فأشعر وعلم وأظهر أن تقبيل الحجر ليس لذاته ولا تعظيمًا له، ولأنه ينفع ويضر، ولكنها عبادة نتقرب إلى الله عز وجل بامتثال أمره لنا فيها. وهكذا من حكم الله عز وجل تعليم المسلمين ترتيب أعمالهم والتفقه في دينهم؛ فإنه ما من أحد يأتي ويحج إلا ويفتقر أن يتعلم أحكام الحج. فيجب أن يعلم أن للحج أركانًا، أركانه أربعة: أولها النية والإحرام بالحج، وثانيها الوقوف بعرفة، وثالثها طواف الحج، ورابعها السعي بين الصفا والمروة. فهذه أربعة هي أركان الحج. وهكذا أركان العمرة ثلاثة: أولها الإحرام بالعمرة، وثانيها الطواف بطواف العمرة، وثالثها السعي بين الصفا والمروة. وهناك واجبات، فللحج سبعة واجبات ينبغي أن تتفقهوا فيها وتتعلموا. وهناك شروط لهذه الأركان والواجبات، وهناك مستحبات، فيجب عليك أيها المسلم أن تتعلم وتتفقه في دين الله عز وجل قبل أن تذهب إلى حج بيت الله الحرام. ولذلك جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أرضاه أنه قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». وهكذا جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم أحكام الحج في المدينة قبل أن يحج عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك أنه أرسل حين فرض الحج في السنة التاسعة أبا بكر وعليًا رضي الله عنهما أن يحج أبو بكر بالناس، وأن ينادي علي رضي الله عنه: «لا يحج مشرك ولا عريان بعد عامنا هذا». تمهيدًا لأن يثبت قواعد العقيدة والإسلام، وأن يحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة بحجة كاملة سليمة، بعيدة عن الشركيات والوثنيات والبدع والخرافات والضلالات والمعاصي والسيئات. فكان من حج أهل الجاهلية أنهم يحجون ويفعلون بعض الأفعال الشركية، وفيها معاني الوثنية والخرافة. وهكذا كانوا يفعلون بعض المعاصي، ظنًا منهم أنهم يتقربون إلى الله. فيحج أحدهم عريانًا ذكرًا أو كان أنثى، إن كانت أنثى ففي الليل، وإن كان ذكرًا ففي النهار، ويزعمون أن ذلك لأجل أن يتقربوا إلى الله، لا يتقربوا إلى الله بثياب قد عصوا الله عز وجل فيها. فكل هذا أبطله الإسلام، وغيره مما هو من دين الله سبحانه وتعالى. فكان ذلك كذلك تعليمًا لأهل الإسلام أن دين الله عز وجل إنما يؤخذ من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما كان عليه صحابته رضي الله عنهم أرضاهم. نسأل الله سبحانه أن يفقهنا بموجب شرعنا، وأن يبصرنا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد عباد الله، وإن من حكم الله سبحانه وتعالى في فريضة الحج أن يتعلم المسلم أولويات وتوابت هذا الدين. فللعقيدة والتوحيد منزلة عظيمة في دين الله عز وجل، وكذلك في منسكي وعبادتي وركن الحج. فإنك من يوم أن تبدأ بالحج وأنت تلبي لله عز وجل بالتوحيد، فتقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك». بخلاف تلبية المشركين، فكان من تلبيتهم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك». انظروا كيف حرفوا حج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، بإدخال هذه الجملة؛ لأجل أن نعرف أن الشرك والوثنية يدخل على بعض أتباع الرسل من خلال بعض الانحرافات العقدية والضلالات الخرافية والبدعية، فتتغير شعائر الإسلام. فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لبى كما لبى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن الناس من بعده غيروا وبدلوا. ومن ذلك أنهم أضافوا هذه الجملة: «إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك». وهذا من الشرك والوثنية الذي أدخله أهل الجاهلية. وهكذا كذلك حين فعل النبي صلى الله عليه وسلم وشرع أحكام الحج، ظهر للناس راكبًا؛ لأجل أن يتعلموا منه ويأخذوا منه المناسك. ومن ذلك أنه تعدى مزدلفة والمشعر الحرام إلى عرفة للوقوف بها. وكانوا أهل مكة قد حرفوا هذا الموضع من مواضع الحج، فكانوا لا يخرجون إلى عرفة، زعمًا أنهم أهل البيت الحرام، ويجعلون الآفاقي ومن ليس من أهل مكة هو الذي يخرج إلى عرفة. فعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الحج الصحيح بأن يخرج الناس إلى عرفة، بل من لم يقف في عرفة فلا حج له، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة». أي من أعظم أركان الحج الوقوف بعرفة، بشروطه وآدابه التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. وهذا يحتاجه المسلمون. وحين يتذكرون مثل هذه الأحكام تنضبط معهم كذلك عدد من الحكم في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإنسان لا يغتر بفعل الجاهلين والدعاة المدعين أن هذا من دين الله، حتى يعرضه على ميزان الله: الكتاب والسنة، الميزان الشرعي الذي يعرف به الصواب من الخطأ، والتوحيد من الشرك، والسنة من البدعة، والطاعة من المعصية. إنه ميزان الله الذي أنزله سبحانه وتعالى، وجعله سببًا لصلاح الناس في دينهم ودنياهم. وهكذا كذلك من هذه الحكم أن كل عمل من هذه الأعمال في الحج وما يصاحبه له حكم خاصة. فرمي الجمرات، ولبس الإحرام، وهكذا الطواف والسعي، كل واحد منها فيه حكم كثيرة. فمن هذه الحكم -على سبيل المثال لا الحصر- أنك بلبسك الإحرام تستعد للقاء الله سبحانه وتعالى، وتتذكر ما ستبعث به وما ستكفن به، فيكون ذلك مدعاة لترقيق قلبك وتذكر الآخرة والخروج من هذه الدنيا، فيكون عظة وذكرى وعبرة. ومن ذلك أنك تتذكر كذلك الطواف، وما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، وما كان من مشروعية كشف الكتف الأيمن في الطواف خاصة؛ لما كان من إظهار قوة المسلمين مع وجود الكافرين. حتى قال عمر رضي الله عنه أرضاه: «ما لنا بالطواف والإحرام، ولكن لنا وقد هلك المشركون، ولكن لنا إسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، نستن بسنته ما بقينا». أو كما قال رضي الله عنه أرضاه. فإننا نبقى على سنته، وصارت تذكرة للناس بهذه المواقف العظيمة، وذلك التاريخ وما يحمله في طياته من الحكم والأحكام الكثيرة. فيبقى أهل الإسلام يتذكرون ذلك، ويتذكرون نعمة الله بإعادة بيت الحرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وما فيه من قوة أهل الإسلام وإظهارهم بذلك قوة رجال أهل الإسلام. وهذا يذكرهم أنه كما ينبغي أن يعتني المسلم بقوته الإيمانية، فكذلك ينبغي أن يعتني بقوته الجسدية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يكشفوا عن أكتافهم؛ ليظهروا قوتهم وشجاعتهم. وهكذا شرع الرمل بالأشواط الثلاثة بالإسراع قليلًا، وكذلك السعي بين الميلين بين الصفا والمروة، كل هذا من شعائر الله عز وجل التي تظهر به قوة أهل الإسلام. وهذا قليل من كثير مما يظهر حكم الله عز وجل في هذه الشعيرة العظيمة. معاشر المسلمين والمسلمات، هذه نبذ وتنبيهات على بعض الحكم والأحكام من أسرار الحج وأحكامه، مما ينفعنا فيعيننا على شحذ الهمم في الإقبال على هذه الفريضة. فمن لم يحج حجة الإسلام فليبادر وليسرع قبل أن يتوفاه الله، فيكون قد وقع في كبيرة من الكبائر بتخلفه عن ركن من الأركان، وهو قادر عليها. ومن حج واستطاع أن يزيد من الحج تكفيرًا لسيئاته وخطيئاته ورفعًا لدرجاته، فلا يبخل على نفسه. إن كان ليس عنده ما هو أولى من الذهاب إلى الحج. أما إذا كان هناك ما هو أولى، مثل أن يكون عنده حاجة لتزويج نفسه أو تزويج كذلك بعض أبنائه، فالزواج قدمه بعض العلماء؛ لما فيه من حفظ العرض، ولما فيه من العفة والبقاء على الاستقامة على حج بيت الله الحرام. وهكذا إن كان عليه من الديون، أو كان ليس عنده بيت ويحتاج أن يبني بيتًا ليستر نفسه وأسرته وأولاده، وعنده استطاعة أن يبني البيت. فإنه على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، يؤوي أهله أولى من أن يحج ويؤجل الحج. ونحو ذلك مما ذكره العلماء والفقهاء في تقديمهم الأولويات من الواجبات والأركان. فنسأل الله عز وجل أن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يفقهنا بأمور هذا الدين العظيم، وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح حالنا في بلادنا خاصة، وغزة وفلسطين، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود الغاصبين الظالمين يا رب العالمين. اللهم عليك بهم؛ فإنهم لا يعجزونك. اللهم عليك بهم؛ فإنهم لا يعجزونك. اللهم عليك بهم؛ فإنهم لا يعجزونك. اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وأصبهم بالعذاب من فوقهم، وعن يمينهم وشمائلهم. اللهم صلّق بعضهم على بعض يا رب العالمين، وأخرج المؤمنين المستضعفين ناجين. اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين. اللهم آوي مشردهم، وداوي جريحهم، وتقبل شهداءهم يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.