طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 98

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 98

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 98، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفصيل حمد الله تعالى وأهميته

شرح الإمام بن القيم حمد الله تعالى، موضحًا أنه ينقسم إلى حمد الصفات والأسماء وحمد النعم والآلاء. الله تعالى يستحق الحمد على صفاته وأسمائه وعلى نعمه وآلائه.

أسلوب الله تعالى في مخاطبة عباده

يخاطب الله تعالى عباده بألطف الخطاب، وينصحهم بأحسن النصائح، ويستخدم أسماء إيجابية ليدعوهم إلى الطاعة. كما يبين نعمه عليهم ويحذرهم من مغبة عصيانه.

تجليات تودد الله تعالى لعباده وإحسانه

يتودد الله تعالى لعباده ويحسن إليهم رغم ذنوبهم، ويتجلى هذا في خطابه لهم بألطف العبارات. هذا التودد يدل على عظيم نعمة الله وإحسانه.

علاقة الإيمان بالقضاء والقدر بتوحيد الله تعالى

الإيمان بالقضاء والقدر مرتبط بتوحيد الله ومعاني العبودية. أعرف الناس بأسماء الله وصفاته هم الأحق بتحقيق توحيد الله ومعاني العبودية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قالوا: تفصيل هذه الجملة، هذه الجملة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به، ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة، فكل صفة عليا، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد ومدح، وتسبيح وتمجيد وتقديس، وجلال وإكرام، فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به، فهو محامد له، وثناء وتسبيح وتقديس. فسبحانه وبحمده، لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولًا وآخرًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده. فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده، وهو حمد الصفات والأسماء، والنوع الثاني حمد النعم والآلاء. وهذا مشهود للخلق، وهذا مشهود للخليقة، برها وفاجرها، ومؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته بهم، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملغوثين، ورحمة العالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال، ومن غير استحقاق، بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المحن والبلايا بعد استحقاق أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله إلى من أراده بإحسان الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهداية خاصة لعباده إلى سبل السلام، يعني هداية لأهل الخاصة من عباده، وهداية لعباده كذلك إلى سبل السلام، أي طريق الجنة ورضوان الله، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايته لهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبب إليهم بنعمه مع غناه عنهم، وتبغضهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كله فاتخذ لهم دارًا، وعد لهم فيها من كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والهناء والسرور والبهجة ما لم تر عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر. ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها، وعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جدًا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضامن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرًا، وإن أساءوا واستغفروا أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات. وذكرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم، لا بخلًا منه عليهم. وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أواب الهداية، وعرج بهم على الأسباب التي تدنيهم من رضاه، وتبعدهم من غضبه. ويخاطبهم بألطف الخطاب، ويسميهم بأحسن أسمائهم، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِي﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا دَوُّوا مَا عَنَتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ تُخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِرِحْصِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. قال: «فانظر إلى هذا الخطاب، إني عاذر في إبليس وطرته من سمائي، وباعدته من قربي، إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بني توالونه وذريته من دوني، وهم أعداء لكم، فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب، وشدة لصوقه بالقلوب، وامتزاجه بالأرواح. وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة». أشار رحمه الله تعالى في هذا القسم الثاني -وقد مر معنا القسم الأول- إلى أن الله عز وجل يحمد لكماله في ذاته وأسمائه وصفاته، ويحمد سبحانه وتعالى لعظيم إنعامه وإحسانه إلى خلقه. فمن الثاني، وهو إنعامه وإحسانه إلى خلقه، ما ذكر رحمه الله تعالى من أنعام ما بسط الله عز وجل للخليقة، برها وفاجرها، ومؤمنها وكافرها، من أنواع المواهب وأوسع العطايا وأكرم الأيادي وأجمل الصنائع، وغير ذلك من عجائب واسع فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته. ومع هذا هم يكفروه ويجحدونه، وكذلك يعرضون عن دين الله عز وجل، ويذنبون ويقصرون. وبعد هذا كذلك يتودد إليهم سبحانه وتعالى، وهو الغني، وهم الفقراء المذنبون المقصرون. وكل هذا يدل على عظيم إنعام الله وإحسانه، فإنعامه وإحسانه تارة في الأمور الكونية القدرية، وتارة في الأمور الشرعية، وكل الأمرين يتحقق به عظيم نعمة الله سبحانه وتعالى. وهذه الآيات كلها التي أوردها -وما سيأتي- أوردها رحمه الله يستدل بها على أن الله عز وجل يخاطب المؤمن والكافر والبر والفاجر بألطف العبارات وأرفقها، وهو سبحانه وتعالى الغني، وعباده الفقراء. ومع ذلك تأمل لهذه الآيات وهذا الخطاب في أولها وفي أثنائها وفي آخرها. لو ضرب مثل -ولله المثل الأعلى- في سيد له عبد، وهذا العبد يعصيه ويسبه، ويؤدي ما ينبغي أن يؤديه إلى غيره، ولا يستقيم على ما يريده. وبعد هذا لا يزال يطلب منه، كيف سيكون هذا السيد؟ هل سيعطيه؟ لن يعطيه. لو أعطاه وصبر عليه، لكان مرة أو مرتين أو ثلاثًا، بعد الثلاث هل سيعطيه شيء؟ إذا لم يقتله، فهذه نعمة. إذا لم يقتل السيد العبد أو لم يبطش به، فهذه نعمة، فضلًا أن يرد السيئة بالسيئة، هذا يعتبر أقل العدل أن يرد السيئة بالسيئة. هل يتصور أن يستمر له بالإنعام؟ لا يمكن. هل يتصور أن يدعوه بعبارات التودد والتحنن والتلطف ليرده إليه؟ كذلك هذا أبعد. وهذا العبد فقير مثله، لا يغني عن نفسه فضلًا عن غيره شيئًا. فكيف بالله العظيم الذي له ملك السماوات والأرض؟ ولله المثل الأعلى. فهو يخاطب الكافر والفاجر، فضلًا عن المؤمن والمسلم، بأنواع خطاب الوداد والمحبة والتلطف. وقد قرأنا وسمعنا هذه الآيات الكثيرة، والتي منها آيات في حق الكافرين والفاجرين، وآيات في حق المؤمنين والمسلمين. ومع ذلك كيف يتودد الله سبحانه وتعالى العظيم، ويتحنن ويتلطف بعباده جل وعلا؟ وهذا من عظيم الإحسان منه سبحانه وتعالى. ومراده رحمه الله تعالى أن يدلل كذلك على ما تقدم من أن هذا من أعظم أبواب معرفة عظمة الرب سبحانه وتعالى. فهذا الباب كذلك هو من آثار أسمائه وصفاته، فإن أسماءه وصفاته تتجلى في معاني حمده وإحسانه ولطفه وتودده وتحننه ونصحه لخلقه سبحانه وتعالى. وإذا علم ذلك، علم أن أعرف الناس بأسمائه وصفاته، والذي يدخل فيها الإيمان بالقضاء والقدر، هم أحق الناس بمعاني العبودية وتوحيده، وكذلك معاني حمده وشكره جل وعلا. وهذا هو علاقة ذلك في باب القدر. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.