طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 70

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 70

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 70، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ضلال الفرق في باب القدر ونتائج أقوالهم

يناقش ضلال بعض الفرق في باب القدر مثل القدرية والجبرية والمعتزلة، ويبين أن لوازم أقوالهم تؤدي إلى الكفر وتعطيل الصفات الإلهية. يشير إلى أن نفي أو إثبات القدر بطريقة خاطئة يؤدي إلى نتائج باطلة.

التناقض في أقوال القائلين بالقدر وتأثيره على الإيمان

يتناول تناقض القائلين بالقدر وكيف أن أتباع الرسل هم وحدهم الذين آمنوا حقًا بالقضاء والقدر. يُظهر أن نفي القدر يعني نفي قدرة الله، وأن القدر هو قدرة الله.

معنى الحكمة وأهميتها في أسماء الله وصفاته

يشرح معنى الحكمة وعلاقتها بأسماء الله وصفاته، ويبين أن الحكمة تستلزم العلم والقدرة. يؤكد أن الحكمة مطلوبة في الشريعة وفي أفعال الله تعالى.

الإيمان بالقدر وعلاقته بعلم الله وقدرته

يتحدث عن الإيمان بالقدر وعلاقة ذلك بسعة علم الله وقدرته ومشيئته. يؤكد أن الله يعلم كل شيء وهو قادر على كل شيء ولا يحدث إلا ما يشاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وكذلك الأمر والشرع، فإن من أنكر كلام الله، وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، ولا يحب شيئًا ولا يبغض شيئًا، وجميع الكائنات محبوبة له، وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب، ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب، والبر والفجور، والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين السجود له، ولم يكلف أحدًا ما يقدر عليه، بل كل تكاليفه تكليف ما لا يطاق، ولا قدرة ولا قدرة للمكلف عليه البتة، ويجوز أن يعذب رجالًا إذ لم يكونوا نساء، ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالًا، وسودًا حيث لم يكونوا بيضًا وعكسه، ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين، ويرسل رسولًا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور. وكل هذا لوازم قول من ضل من القدرية والجبرية، سواء نفاها أو أثبتها، كالمعتزلة ومن تشبه بهم وسار بسيرهم من الرافضة، فأكثر الرافضة معتزلة. وهكذا طوائف من الباطنية، أو كذلك من ضل. وهؤلاء الذين أنكروا العلم، وزعموا أن لله ندًا في خلق الأفعال أو في الخلق، فزعموا أن الله يخلق الخير، وغيره يخلق الشر، أو كذلك الجبرية ومن سار بسيرهم كالكلابية والأشاعرة والمماتية اليدية، وطوائف كثيرة من المتصوفة والباطنية، فلوازم قولهم هو هذا الذي ذكره رحمه الله هنا: تعطيل الصفات، ونفي قدرة الرب سبحانه وتعالى. لأن القدر قدرة الله، كما روي عن إمام أحمد وغيره رحمه الله. فمن نفى القدر نفى قدرة الله، ومن ضل في باب القدر بالنفي كالمعتزلة، أو بالغلو كالجبرية، فلازم قولهم كفريات، إذ جعلوا أفعال العباد من جنس صفاتهم في خلقتهم. فإذا كان الله يعذب على أفعالهم التي لا يفعلونها كما يزعمون، يلزم منه أن يعذبهم على صفاتهم التي لا يملكونها. ولهذا قال: «أن يعذب رجالًا إذ لم يكونوا نساء»، يعني: هل يملك الإنسان أن يكون ذكرًا أو أنثى؟ فإن كان الجواب لا، فزعموا أن لازمه كذلك فعل الناس في الخير والشر، فيزعمون أنه لا يملك أن يكون صالحًا أو غير ذلك، إذ كله فعل الله. وهذا من الباطل، وهذا لازم قول هؤلاء من ضل في هذا الباب». وهكذا كذلك ما ذكر رحمه الله من جمل وعبارات، فكلها من لوازم قول هؤلاء الضلال في باب القدر. قال رحمه الله تعالى: «ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية. ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل. يعني: لازم قول من ضل في باب القدر، لو أخذوا بلوازم أقوالهم، لكان فيه تعطيل الشريعة والأمر والنهي، وأنواع من الكفريات والشركيات. ولكن لأنهم متناقضون في أقوالهم، صاروا من أهل البدعة ولم يصيروا كفارًا مرتدين. وإلا لو أخذوا بلوازم أقوالهم، أصبحوا مشركين كفار ملحدين». قال رحمه الله: «ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم، لأنهم بهذا عذروا بأنهم لم يفهموا حقيقة الشريعة، ولم يستوعبوا سر الله في القدر». قال: «وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها، إذ لو طردت عليهم أصولهم في ضلالهم بباب القدر، لاستلزم ذلك الكفر والردة». قال رحمه الله تعالى: «والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل، وورثتهم. وهؤلاء هم أهل السنة بحق، ليسوا من ينتسب إلى الإسلام والسنة بغير حق، كالمعتزلة أو الجبرية وغيرهم ممن ضل في باب القدر». قال: «والقضاء والقدر من شأنه عن علم الرب وقدرته. ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: القدر وقدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان. وذلك لأن من نفى القدر نفى قدرة الله، ومن أثبت القدر أثبت قدرة الله سبحانه وتعالى. فمن نفى قدرة الله فقد عطل الرب سبحانه وتعالى عن صفة هي من أعظم الصفات التي تدل على كمال ربوبيته وألوهيته سبحانه». قال رحمه الله: «وقال إنه شفى بهذه الكلمة، وأفصح بها عن حقيقة القدر. وعلمنا وجه أنه شفى وأفصح، لأن هؤلاء لو علموا هذه الحقيقة ما نفوا ولا عطلوا قدر الله سبحانه وتعالى، لأن القدر هو قدرة الله. فمن نفى القدر نفى قدرة الله سبحانه وتعالى. فكما أنهم لا ينفون قدرة الله، فيلزمهم أن كذلك لا ينفوا قدر الله، لأن القدر والقدرة متلازمان». قال رحمه الله: «ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته، وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف، ولا إمه وتبرأ منهم الصحابة، ومنهم خرجت المعتزلة. وفرقة جحدت كمال القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورة لله تعالى، وصرحت بأن الله لا يقدر عليها. فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمال علمه. وقابلتهم الجبرية، فحافظت على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة. ولهذا القدرية كانوا في قول متناقض، فزعموا أنهم يثبتون خلق أفعال العباد، ولكن لأن هذا لا تستوعبه قلوبهم وعقولهم، قالوا بما يسمى بالكسب، وهو كسب الأشعري. وعند ذلك يقولون: إن كسر الزجاج عند الحجر، ولا يقولون: إن كسر بماذا؟ بالحجر. لا يقولون: إن كسر بالحجر. وهذا القول كذلك تعطيل لما دلت عليه أدلة الشريعة في هذا الباب». قال رحمه الله: «ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته. ولهذا يقرن تعالى بين الإسمين والصفتين من هذه الثلاث كثيرًا، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، وقال: ﴿حَمِيمٍ﴾، وقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وذكر نظير هذا في الأنعام. يعني: في سورة الأنعام، فقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي ألا يخرج موجود عن قدرته، وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها واجتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى. وكذلك ارتباط أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو أعلم بخلقه وأمره، حكيم في خلقه وأمره، عزيز في خلقه وأمره. فلا تكون حكمة إلا بعلم وقدرة، كما لا تكون قدرة إلا بماذا؟ بعلم وحكمة. فكمال إثبات الحكمة يستلزم إثبات ماذا؟ كمال العلم والقدرة. وكمال القدرة يستلزم كمال العلم وماذا؟ والحكمة. وكمال العلم يستلزم ماذا؟ كمال القدرة والحكمة. فهي أسماء تستلزم بعضها بعضًا. وأما هؤلاء فأثبتوا أسماء خالية عن المعاني أو محرفة المعاني. فالمعتزلة أثبتوها خالية المعاني، والأشاعرة أثبتوها ماذا؟ محرفة المعاني. فلذلك ردوا الكثير من الأسماء والصفات إلى أسماء محصورة وصفات معدودة. وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون الأسماء والصفات على ما جاءت به أدلة الكتاب والسنة على ظاهرها من دون تحريف ولا تعطيل، ومن دون تكيف ولا تمثيل». قال: «ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة من صفاته العلا. فالحكيم اسم من أسماء الله يستلزم صفة من صفاته وهي الحكمة، متضمنة له. والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة. والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة. وذكر الله ذلك في آيات كثيرة. قال: والحكمة هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. والصحيح أن هذا تفسير ببعض المعنى. فحكمة الله منها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي تفسر الشريعة. قال: وتتضمن العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به. فكل هذا يسمى حكمة. وفي الأثر: «الحكمة ضالة المؤمن». والمعنى إذا كان كذلك فالواجب إثبات هذه الحكمة لله سبحانه وتعالى. والأثر ضعيف كما أشار في التعليق لا يصح، روي عن أبي هريرة وغيره، ولكنه لا يصح». قال رحمه الله: «وفي الحديث: «إن من الشعر حكمة». وهو صحيح في البخاري وغيره. والمعنى أن الحكمة مطلوبة، سواء أكانت في القرآن أو السنة أو في أشعار الناس، ما دامت هي كذلك فينبغي أن لا تترك. فإذا كان كذلك كيف يزعم أن في شريعة الله ما هو ليس بحكمة، أو يعطل الله تعالى عن قولهم وما يعتقدون علوًا كبيرًا بأنه ليس في أفعاله وصفاته وأسمائه شيء من الحكمة؟». قال: «فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته. وهو محمود. والمعنى أن هؤلاء يثبتون لله العلم والقدرة، فيلزمهم كذلك في أمر المشيئة والحكمة. قال: وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر، حمدًا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره. فمصدر ذلك كله عن الحكمة. فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة. ولو زعموا أنهم يحمدون الله، لكن الحمد ناقص وكاذب إذا لم يثبتوا حكمة الله سبحانه وتعالى في خلقه». قال: «وما يتعلق في باب القدر في سعة علمه وقدرته ومشيئته، في كونه يعلم كل شيء، وهو على كل شيء قدير، ولا يكون إلا ما شاء سبحانه وتعالى. وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين». والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.