الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 68، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح الإيمان بالقضاء والقدر والفرق بين الإرادة الشرعية والكونية، ويبين أن وقوع شيء ما لا يعني رضا الله عنه. يحذر من الانحرافات العقدية مثل المرجئة والقدرية النفاة.
يناقش اعتقاد أن كل ما يحدث بمشيئة الله هو مما يحبه ويرضاه، ويبين أن هذا الاعتقاد خاطئ ومخالف للشرع والعقل. يوضح أن الله يخلق الخير والشر لحكمة ولا يعني خلقه للشر أنه يحبه.
يشرح الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية ويبين أن خلط الناس بينهما يؤدي إلى الضلال. يشير إلى أن الله أعطى الإنسان حرية الاختيار بين الهداية والضلال.
يتحدث عن اختلاف الناس في الهداية والضلال بناءً على فضل الله وعدله، ويشير إلى أسباب ذلك ويختتم بالإشارة إلى درس قادم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامون القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال الفرقة الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر، وأقرت بالأمر والنهي، ونزلوا كل واحد منزلته، فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهي يمتثل ويطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدًا رسول الله». وقالوا: «من لم يقر بالقضاء والقدر ويقم بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين وإن نطق بهما بلسانه». ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين: فرقة قالت: «إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك، فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلًا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه» -يعني فيما يتعلق بالآيات السابقات وما كان بمعناها من أعمال الناس-. وهؤلاء هم طائفة من المرجئة، فيجعلون أن عمل الإنسان ووقوعه فيما شاءه الله من عمله دليلًا على رضى الرب ومحبته له. وليس الأمر كذلك كما تقدم معنا في التفريق بين الإرادتين: الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. فليس كل ما أراده سبحانه وتعالى كونًا يحبه ويرضاه، بل منه ما يحبه ومنه ما لا يحبه، وكونه وقع ليس دليلًا على الرضا كما تقدم معنا. ولكن لحكمة أوقعه الله، أذن بوقوعه سبحانه وتعالى. فهؤلاء ناقضوا ما يزعمون أنه يعتقدونه في باب القدر، ولهذا طوائف منهم تدرجوا في هذا الظلال حتى وصلوا إلى الكفر والزندقة بإقرار الكفر والشرك والإلحاد. قال رحمه الله: «فإن الحكيم إذا كان قادرًا على دفع ما يكرهه ويضره دفعه ومنع من وقوعه». وهذا مثال ومعارضه للشرع بالعقل. وليس الأمر كذلك، بل الله سبحانه وتعالى لحكمة منه جل وعلا أوقع في كونه ما لا يحبه وأراده، وهو لا يحبه. ولا تناقض في هذا؛ لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يبتليهم ويمتحنهم بأعمالهم وحكم أخرى، ولله الحكمة البالغة. قال رحمه الله تعالى: «وإذا لم يمنع من وقوعه لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته، وكلاهما ممتنع في حق الله». فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به. وغريب يقول مثل هذا مسلم، سبحان الله. ولهذا الفقر الأولى قالها القدرية النفاة، فيقولون: «لا يقدر الله على أفعال العباد»، زعمًا منهم أنهم يريدون تنزيه الرب. زعموا أنهم يريدون أن ينزهوا الرب، فقالوا: «وتعالى الله عن قولهم أن الله لا يقدر على أفعال العباد، وأنهم يخلقون أفعال أنفسهم لا يخلقها الله، وليس له قدرة عليها». فلذلك شابه المجوس إذ جعلوا خالقًا للشر وخالقًا للخير. فزعموا أن الله لا يخلق إلا الخير، ولا يقع من فعله وإرادته إلا الخير، وكل ما وقع من شر فإنما هو من خلق الإنسان وإرادة الإنسان. وهذا وقوع فيما هو أعظم مما فر منه، إذ جعلوا خالقًا مع الله ومدبرًا في هذا الكون غير الله. وهذا كذلك شرك وكفر. والمرجئة في الطرف الآخر، كما سمعنا، قال رحمه الله: «وقد وافق هؤلاء من قال إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها». ومن أين جاءت هذه النتيجة الباطلة؟ زعمًا منهم أنه لو لم يحبه ولم يرضه لما وقع. فإذا وقع قالوا: «وقوعه دليل على ماذا؟ على رضاه حبه». تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وهذا افتراء على الله وكذب. بل يقع في ملكه سبحانه وتعالى ما لا يحبه ولا يرضاه شرعًا، وإن كان رضيه قدرًا وكونًا. وإن كان رضيه قدرًا وكونًا. وهذا مع ما فيه من مخالفة الشرع، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، فهو كذلك مخالف حتى للفطر الصحيحة والعقول السليمة. قال رحمه الله: «ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم في نصف قولهم وخالفهم في الشطر الآخر». وهذا كذلك قول بقول القدري النفاة، لكن بالضد الآخر، بالضد الآخر. فالقدري النفاة جعلوا خالقًا للخير والشر كما زعموا تنزيهًا لله. وهؤلاء جعلوا أن الله عز وجل خالقًا للشر والخير، ولكن ماذا زادوا عليه؟ أنه يفعل ما يحب، وأن ما فعلوه مما لم يرضه شرعًا دليل على حبه ورضاه. وهذا نوع من التناقض. قال رحمه الله: «هذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأن مشيئة الله تعالى العامة وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره». وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه دلالة الشرع الكثيرة، والذي كذلك تقتضيه الفطرة الصحيحة والعقول السليمة. قال رحمه الله: «وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم وأنكر عليهم وأخبروا أنه لا علم لهم بذلك، وأنهم خارصون مفترون». وهذا ظاهر في الآيات التي سبقت معنا. قال: «فإن محبة الله تعالى للشيء ورضاه ورضاه به إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله، لا بمجرد خلقه له». وهذا ظاهر ومعلوم بالشرع وبالعقل وبالفطرة. فإذا خلق شيئًا لا يعني أنه يرضاه. بل حتى بالأقيسة الصحيحة: الإنسان يخلق السلاح، هل معناه أنه يحب القتل؟ يصنع السلاح، هل من صنع السلاح أو صنع السيف أو السكين معناه أنه يحب القتل؟ لا، بل قد يكون من يصنعه ومن أجبن الناس، قد يكون من أجبن الناس. فليس حمله دليل على شجاعته، ولا دليل على حبه للقتل ورضاه به. ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى. فكيف بالله العظيم الرحيم الحكيم جل وعلا؟ فخلقه للشر ليس دليلًا على حبه له، ولكن لحكمة سبحانه وتعالى خلقه؛ لأنه الخالق العظيم الذي لا يكون في ملكه إلا ما يأذن به، وما كذلك يرضاه رضاءً كونيًا ويشاءه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «فإنه خلق إبليس وجنوده وهم أعداؤه، وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه». فهكذا في أفعال خلق خيرها، في الأفعال خلق خيرها وشرها -يعني كما أنه خلق المخلوقات منها ما هو خير ومنها ما هو شرير-، فكذلك خلق الأفعال ومنها ما هو خير ومنها ما هو شر. قال: «خلق خيرها وشرها، وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه، ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه، وكلاهما خلقه». ولله تعالى الحكم البالغ التام في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال، كل صادر عن حكمته وعلمه، كما هو صادر عن قدرته ومشيئته. ولله حكم كثيرة، كما قلنا فيما سبق من هذه الحكم: أنه يثيب ويعاقب بوقوع الخير والشر. ومن تلك الحكم: أنه به يعرف فضل الخير، فلولا المرض ما علم فضل الصحة، ولولا الخوف ما علم فضل الأمن، وهكذا قل في غيره. وجد الأشرار بحكمة، فأنت تعرف فضل الأخيار. وجد الكذب والكذبة لتعرف فضل من الصادقين وأهل الصدق، وهكذا قل في سائر ما خلقه الله سبحانه وتعالى لحكمة. قال رحمه الله تعالى: «وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر ودفع الأمر بالمشيئة. فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ونهيه دفعوه بقضائه وقدره، فجعلوا القضاء والقدر إبطالًا لدعوة الرسل ودفعًا لما جاءوا به». وشاركهم بذلك إخوانهم وورثتهم الذين احتجوا بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب. في نصف أقوالهم وخالفوهم في النصف الآخر، وهو إقرارهم بالأمر والنهي. وهذا الذي سبقت الإشارة إليه من أن بعض طوائف من ضل في القدر آمنوا ببعض وكفروا ببعض. والسبب أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. وهناك فرق بين ما أراده الله عز وجل شرعًا وما أراده الله سبحانه وتعالى كونًا. فما أراده شرعًا يحبه ويرضاه، وما أراده كونًا منه ما يحبه ويرضاه ومنه ما لا يحبه، ووقع لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. قال: «فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام، وورث كل قوم نعمتهم وأسلافهم» -يعني في الظلال، فهم درجات ودركات-. قال: «إما في جميع تركتهم وإما في كثير منها وإما في جزء منها». ولكل ضلال سبب، فمن آمن بالكتاب كله سلم، ومن آمن ببعض وكفر ببعض ضل بحسب ذاك الذي كفر به بلسان الحال أو بلسان المقال. قال رحمه الله: «وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض». بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد. وأنه الذي جعل المؤمن مؤمنًا والمصلي مصليًا والمتقي متقيا، وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره، وأئمة الضلال يدعون إلى النار يدعون إلى النار بعدله وحكمته؛ لأنه سبحانه وتعالى أوقع ذلك بحكمة، ولا شك ليس أنهم جبروا الله تعالى الله عن قول من ضل في هذا الباب على أفعالهم. وهذا محادة لأفعال الله، ولا أن الله حين أذن قدرًا وكونًا بفعلها دليل على رضاه حبه لذلك. بل كل ذلك خطأ وضلال. قالوا: «أنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها، وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته». وقد جعل الله عز وجل أسبابًا لهذه الهداية والفجور والتقوى. فمن أقبل على الله أعانه الله على إقباله، وإلا فالأصل كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق الواضح البين، إما شاكرًا وإما كفورًا. ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: الطريقين الواضحين البارزين. فهو يختار. فإذا اختار طريق الهداية أعانه الله، وإذا اختار طريق الضلال أضله الله سبحانه وتعالى. وهذا لا ينافي: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾؛ فهو يشاء، وفعل السبب الإنسان، قدم فعله ما شاءه الله سبحانه وتعالى. فمن العبد سبب للهداية، ومن العبد سبب للضلال. يولد المولود على الفطرة، فأبواه ماذا يهودانه؟ في سبب، أليس كذلك؟ وجد سبب، فكانت أسباب الضلال سبب لضلاله، وأسباب الهداية أسباب لهدايته. قال رحمه الله تعالى: «وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها، وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته». وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه، ولو شاء لخذلهم فعصوا. وأنه حال بين الكفار وقلوبهم؛ فإنه يحول بين المرء وقلبه، فكفروا به، ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه. وأنه من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعًا إيمانًا يثابون عليه ويقبل منهم ويرضى به عنهم. وأنه لو شاء ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد. ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يفترون. وكل هذا دلت عليها دلالة الشرع، ويؤكده الحس، وكذلك تغطيه الفطر الصحيحة والعقول السليمة. وقد جعل الله عز وجل أسبابًا للهداية والطاعة، وأسبابًا كذلك للضلال والمعصية. فهذا هداه بفضله، وهذا عصاه وأضله بعدله. ولهذا سبب، ولهذا سبب. طيب، إلى هنا ونكمل الباقي إن شاء الله في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.