طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 66

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 66

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 66، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيان فرق القدرية وصفاتهم

ذكر الإمام ابن القيم ثلاث فرق للقدرية وشرح صفاتهم، مبينًا تشابه النفاة مع المجوس في جعلهم خالقين للكون. وتناول المقطع شرحًا للقدرية الإبليسية والجبرية والنفاة.

القدرية الإبليسية والجبرية والنفاة وتأثيرهم

يتناول شرحًا للقدرية الإبليسية والجبرية والنفاة، ويبين أن كلا الطرفين وقع في الشرك، وأن الجبرية أشد شرًا من النفاة. ويروي مناظرة بين الجبرية وأحد الحاضرين حول مسألة العقوبة على السرقة.

استخدام القرآن في الرد على المحتجين بالقدر

يذكر كيف استخدم القرآن آيات لرد على المشركين الذين احتجوا بالقدر على أفعالهم، ويبين أن الناس افترقوا في تفسير هذه الآيات إلى أربع فرق. ويشير إلى استكمال الشرح حول الأوجه الأربعة في الدرس اللاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وعلى آله وصحبه وسلم، قال الإمام القيم رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تائيته: «ويدعى فصوم الله يوم معادهم إلى النار طرًا فرقة القدرية، سواء النفوا أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا به للشريعة». وسمعته يقول: «القدرية المذمومون في السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة: نفاته، وهم القدرية المجوسية، والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا، وهم القدرية المشركية، والمخاصمون به للرب، وهم أعداء الله وخصومه، وهم القدرية الإبليسية، وشيخهم إبليس». قال: «وهو أول من احتج على الله بالقدر، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، ولم يعترف بالذنب ويبوء به كما اعترف به آدم، فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس». أورد رحمه الله هنا هذه الأبيات من تائية شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ليبين فرق القدرية، فقال: «ويدعى حصوم الله يوم معادهم إلى النار طرًا فرقة القدرية»، ثم قال: «سواء نفوه أو سعوا ليخاصم به الله أو ماروا به للشريعة». فبين أن القدرية ثلاث فرق: فرقة منهم نفوا القدر، يقولون: لا قدر، فهؤلاء هم النفاة. أو سعوا ليخاصم به الله، يعني استدلوا بالقدر على المعاصي، وهم الجبرية. أو ماروا به للشريعة، أي عارضوا به الشريعة. فإذن القدرية ثلاث فرق، كما سيأتي إيضاح مذهبهم. ثم وضحه رحمه الله، فقال: «وسمعته يقول: القدرية المذمومون في السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة». القدرية فرق كثيرة، ولكن فرقهم تنحصر وتدخل بعضها ببعض في هذه الفرق الثلاثة. أولهم: النفاة، وهم القدرية المجوسية؛ لأنهم شابهوا المجوس، إذ أن المجوس جعلوا للكون خالقين: خالق للخير وخالق للشر. فكذلك القدرية النفاة أرادوا أن ينزهوا الله سبحانه وتعالى عن خلق الشر، فجعلوا له شريكا في خلقه، فوقعوا في الشرك. ولهذا سموا المجوسية؛ لأنهم شابهوا المجوس بأن جعلوا خالقين اثنين. فالمجوس يعتقدون أن هناك خالق للخير وخالق للشر، وكذلك القدرية النفاة جعلوا أن الله خالق الخير فقط، وأن الخلق يخلقون الشر. ففروا مما زعموا أن لا يقعوا في عدم تنزيه الرب، فأرادوا تنزيه الرب فوقعوا فيما هو أعظم منه، وهو الشرك؛ فجعلوا لله عز وجل ندا يخلق كما يخلق. ولهذا سموا مجوسية؛ إذ جعلوا خالقا للخير وخالقا للشر. وسموا كذلك قدرية مشركية؛ لأنهم وقعوا في الشرك، ففروا من إثبات القدر فوقعوا في الشرك؛ فجعلوا خالقا مع الله يخلق الشر. والأمر لا شك ليس كذلك، بل الخالق هو الله وحده يخلق الخير والشر. وكونه يخلق الشر لا يعني أنه رضي هذا الشر وأحبه؛ لأن هناك فرق بين ما شرعه وبين ما خلقه، ولأنه هناك فرق بين إرادته الشرعية وبين إرادته الكونية، كما تكرر وتقدم معنا. ثم قال: «والمخاصمون به للرب، وهم أعداء الله وخصومه، وهم القدرية الإبليسية، وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، ولم يعترف بالذنب ويبوء به كما اعترف به آدم. فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس». ومعناه أن من القدرية من شابه إبليس بكونه احتج على معاصيه بالقدر، استدل على معاصيه بالقدر. ومن فعل ذلك شابه إبليس. وأما من اعترف بذنبه وتاب منه، فإنه شابه آدم عليه السلام؛ فإنه اعترف بذنبه وتاب، فتاب الله عز وجل عليه. قال رحمه الله: «ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والمشركية شر من القدرية النفاة؛ لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب تعالى وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب». ونزهوا أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه البتة، بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه وحوله ونحو ذلك. وهنا مقارنة بين القدرية النفاة والقدرية الجبرية الذين هم الإبليسية. فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر تنزيها، كما قلنا، وقعوا في الشرك. والقدرية الجبرية هم الذين استدلوا بالمعاصي، وهم الإبليسية كما تقدم. وبيّن رحمه الله أن هؤلاء، أي الجبرية، أشد شرا من النفاة، أي القدرية النفاة. قال رحمه الله تعالى: كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة، فأتي بطرار أحول، وقال له الوالي: ما ترى فيه؟ قال: اضربه خمسة عشر سوطا. وقال له بعض الحاضرين ممن ينفي الجبر: ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا: خمسة عشر لطره ومثلها لحوله. فقال الجبري: كيف يضرب على الحول ولا صنع له فيه؟ فقال: كما يضرب على الطر ولا صنع له فيه عندك، فبُهِت الجبري. هذه مناظرة على هيئة الإلزام، يعني أن بعض هؤلاء الجبرية كان من جلساء هذا الوالي، فلما أتي إليه بطرار والطرار النشال، يعني الذي يسرق من الجيوب ونحوها، فأتي به وكان أحول في عينيه حول. فقال لما سأله الوالي: ماذا نصنع به؟ يعني ما هي العقوبة التي تقدر عليه؟ قال: ضربه خمسة عشر سوطا؛ لماذا؟ لأجل السرقة، أي النشل. فقال بعض الحاضرين من ينفي الجبر؛ لأنه يعرف أن هذا الذي قضى بهذا القضاء جبري، وأراد أن يبين علة عقيدته، يلزم ماذا؟ أن لا يعاقب هذا السارق أو هذا النشال. فقال: بل يعاقب ثلاثين؛ لماذا؟ لأنه أراد أن يلزمه، كما أنكم تقولون أن هذه المعاصي ألزم بها، كما ألزم الإنسان في طوله وقصره ولونه. فإنه كما أنه إن قلت أنه يعاقب على ذلك، إذن يعاقب على الآخر. فإن قلت: لا يعاقب على هذا، إذن لا يعاقب على هذا. فلابد أن يطرد الأمر في الأمرين. ولهذا صار في هذا إلزام لهذا الجبري؛ لأنهم هم يقولون بهذا، فهم يقولون أن المعاصي من جملة الصفات مثل الطول والقصر، ليس للإنسان له فيها اختيار. فكذلك ما يفعله الإنسان ليس له فيها اختيار. والحقيقة ليس كذلك. ولهذا لما فرق ألزمه بهذا الإلزام. قال رحمه الله: «أما القدرية الإبليسية والمشركية، فكثير منهم منسلخ من الشرع، عدو لله ورسله، لا يقر بأمر ولا نهي». وتلك وراثة عن شيوخهم الذين قال الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فهذه أربعة مواضع في القرآن بيَّن سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل. وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق. الخلاصة أن هذه الآيات الأربع فيها استدلال المشركين بالقدر، ولهذا سموا القدرية أنهم كذلك مشركية بهذا المعنى. وسيأتي معنا الكلام على هذا إن شاء الله وتوضيحه بالدرس اللاحق، حتى لا ننقطع عن هذه الأوجه الأربعة فيفوت المقصود. فنتركه إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.