الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 5، فيه من قوله ( فصل:في اختلاف السلف في التفسير وأنه اختلاف تنوع ... ويدل إيضاً على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك لاختلاف السلف في التفسير، موضحًا أنه تنوع وليس تضادًا. يعطي أمثلة من أسماء الله الحسنى وأسماء الرسول والقرآن.
يتناول أوجه الخلاف بين السلف في الأسماء الحسنى، موضحًا أن الخلاف ينشأ من استخدام ألفاظ مختلفة لذات واحدة. يُبيّن أن الدعاء بأي اسم من الأسماء الحسنى صحيح.
ناقش المؤلف تنبيهين مهمين في الأسماء والصفات، الأول عدم التعارض بين دلالة الأسماء على المعاني ودلالتها على الذات، والثاني دلالة كل اسم على صفة معينة وعلى صفات أخرى باللزوم.
يختتم المتحدث المجلس بالحمد لله رب العالمين على ما أنعم به، ويظهر الرضا والامتنان لله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة التي جعلها في علم التفسير. قال: فصل في اختلاف السلف بالتفسير اختلاف تنوع. هذا قال رحمه الله تعالى: الخلاف بين السلف بالتفسير قليل، وخلافهم بالأحكام أكثر، أكثر من خلافهم بالتفسير. وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، الاختلاف التضاد، وذلك صنفان. أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم الشيخ الصارم والمهند. وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأسماء القرآن. فإن أسماء الله كلها على مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًا لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسمى، وعلى الصفة التي تضمنها الإسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والكبير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة. ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر، فقوله من جنس قول الغلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا حي ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين. فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسمًا هو علم محض كالمغمرة، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات. فمن وافقهم على مقصدهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر، موافقًا للغلاة الباطنية في ذلك. وليس هذا موضع بسط ذلك. وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم. طيب هذا المبحث جعله رحمه الله تعالى في الكلام على اختلاف السلف في التفسير، وأنه من اختلاف التنوع. وقد مر معنا بما سبق، كالإشارة إلى أن خلاف السلف في التفسير يرجع إلى أحد أمور ثلاثة. ما هذه الأمور الثلاثة؟ نعم، أن يكون التفسير ببعض المعنى، أن يكون ذلك بحسب علم ما بلغ بعضهم، فيعلم بعضهم ولا يعلم البعض الآخر. والثالث: أنه ربما يروى شيء ولم يصح، فيُبنَى ظاهره على التعارض، وليس بين السلف تعارض. مثل ما روي في تفسير السام، فأكثر ما روي مما يخالف تفسير السلف هو مما لا يصح. وقد مرت معنا بعض الأمثلة لذلك. وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله هنا هو مما يدخل في التفسير ببعض المعنى، أن بعضهم ربما يفسر ببعض المعنى، وبعض يفسر بالبعض الآخر، فيظن أن بينهما تعارضًا، وليس تعارضًا، بل هذا من اختلاف التنوع. بل هذا مما يكون بمعنى، ليس هو عين، ولكن بمعنى اختلاف التنوع. وقد يكون الثالث، وهو أن يعلم بعضهم ولا يعلم البعض الآخر، ومنه النسيان، أن يذكر بعضهم وينسى البعض الآخر. ولا يوجد بين السلف، كما قال رحمه الله، اختلاف تضاد. وذكر رحمه الله هذا النوع الأول من أوجه الخلاف بين السلف، أن يعبر بعضهم بعبارة غير عبارة صاحبه، ولكن تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى. المسمى واحد والمعنى مختلف. قال: بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة. فالمتكافئة هي التي قريبا من المترادفة، ولكنها ليست مترادفة، وهو ما يدل على ترافق في بعض المعنى واختلاف في البعض الآخر. فإذا قيل مثلًا: كيف هلان فيكم؟ تسأل عن عدالة هلان، وعن كذلك منزلة هلان. فيقول رجل: هو كريم، ويقول آخر: هو أمين، ويقول الثالث: هو عدل. هذه كلمات، هل تسمى مترادفة؟ لا، ليست مترادفة لأنها لا تدل على شيء واحد أو متقارب. هل تسمى متباينة؟ لا. فالثناء على الرجل والتزكية حصلت بلغض أمين، وبلغض عدل، وبلغض كريم. حصل المعنى العام، لكن المعنى الخاص، هل هذا مثل هذا؟ مثل هذا؟ الجواب: لا، هذا ليس مثل هذا ولا مثل ذاك. ومثله كذلك المثال الذي ضربه الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: اسم السيف الصارم والمهند. الصارم والمهند لفظان يدلان على شيء واحد، لكن هل الصارم هو المهند؟ لا، ليس الصارم هو المهند. الصارم والمهند الكل يدل على السيف، لكن الصارم فيه وصف غير وصف المهند. فالصارم هو الشيء الذي يقطع قطعًا صارمًا، يعني في مرة واحدة. والمهند يدل على القوة. وهكذا كذلك في أسماء الله عز وجل الحسنى، فهي مختلفة في اللغة، لكنها تدل على شيء واحد وهو الله جل وعلا، وإن كان المعنى مختلف. ففيها توافق من وجه واختلاف من وجه. فكلها تدل على ذات واحدة، ولكن المعنى مختلف. فاسم العليم واسم القدير واسم الرحمن واسم الله جل وعلا، كلها تدل على ذات الله جل وعلا، لكن هل معاني هذه الأسماء الأربع واحد؟ لا، اسم العليم يدل على صفة العلم، اسم القدير يدل على صفة القدرة، اسم الله يدل على صفة الألوهية، وهو أنه المعبود بحق، واسم الرحمن يدل على صفة الرحمة. فكل اسم له صفة خاصة، لكن الجميع يدل على شيء واحد وهو الذات الإلهية سبحانه وتعالى. وعلى هذا يقول: لا فرق في الدعاء بينها. وهو الذي أراده الشيخ رحمه الله بقوله: «فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًا لدعائه باسم آخر»، بل الأمر كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. يعني دعيت بهذا ودعيت بهذا، فإنك ستدعو شيئًا واحدًا هو الله جل وعلا. لكن الأفضل والأكمل هو أن يكون الدعاء بالاسم بما يوافق المقصود والمطلوب. فأنت حين تدعو بالرحمة تقول: يا رحمن ارحمني يا رب، كذلك أعني ونحو ذلك، مما يكون فيه مناسبة للدعاء. وهذه هي طريقة القرآن والسنة. ونبه المؤلف رحمه الله في ضمن هذا المبحث الذي يتعلق بالتفسير إلى ثلاثة تنبيهات هي مما تناسب هذا المبحث، أي مبحث الأسماء والصفات لله جل وعلا. التنبيه الأول الذي أشار إليه رحمه الله تعالى: أنه ينبغي أن لا نجعل معارضة بين دلالة الأسماء على المعاني ودلالتها على الذات. فكلها تدل على ذات واحدة، وإن كان كل واحد منها يدل على معنى مختلف. وهذا هو الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. وخالف في ذلك طائفتان: طائفة نفت هذه المعاني، فجعلت هذه الأسماء أسماء جامدة لا معاني لها، وهم المعتزلة ومن نحا نحوهم ممن سلك طريق الجهمية. وهؤلاء على خطأ وعلى ظلم. بل الصواب أنها معاني، أن هذه الأسماء لها معاني، فليست أسماء جامدة. وطائفة أخرى ظلت في هذا الباب، كما أشار الشيخ رحمه الله تعالى، وهم غلاة الباطنية، فالقرامطة، أتباع بن حمدان القرمطي، ومن على شاكلته من الباطنية الذين يقولون: لا حي ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين. وهذا ليس بصحيح. والنقيضان هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، مثل الليل والنهار، إما أن يكون ليل وإما أن يكون نهار. وكذلك الحياة والموت، الشيء إما حي وإما ميت، فهما لا يجتمعان ولا يرتفعان. والضدان هما اللذان قد يرتفعان ولا يجتمعان، مثل الأسود والأبيض، ضدان، الأسود ليس الأبيض، ما يجتمعان، ولكن قد يرتفعان، ولا يوجد لا أسود ولا أبيض، مثل ما يكون لونه مائلًا إلى الحمرة أو نحوه. فمراد رحمه الله أنهم ينفون عنه النقيضين، وهذا شيء باطل، مخالف للشرع والعقل والحس والفطرة. لأن هؤلاء أصلا من منهجهم وطريقتهم قلب نصوص القرآن والسنة، يريدون أن يفسرونها بالأشياء التي توافق أهواءهم من الأمور العقلية. فربما فسر بعض الباطنية الصلاة لأنها الدعاء، والحج الزيارة، والصيام الامتناع ليس الامتناع عن الطعام والشراب، ولكن عن غيره. وهكذا. قال: وإنما ينكرون ما في أسماء الحسنى من صفات الإثبات، يعني في الحقيقة صاروا هم من النافين من المعطلة. والتنبيه الثاني الذي نبه إليه المؤلف رحمه الله تعالى: هو أن كل اسم من أسماء الله له صفة. كل اسم من أسماء الله يدل على صفة. قال: وإنما المقصود أن كل اسم من أسماء الله يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم. يعني أولًا: أن كل اسم فيه صفة، فلا نقول أن الأسماء جامدة، بل الأسماء لها صفات. مثل قلنا: الرحيم فيه صفة الرحمة، العليم فيه صفة العلم، وهكذا. والثاني: أن هذا الاسم يدل على نفس الصفة بماذا؟ بالتضمن. ويدل على غيرها في الاسم الآخر باللزوم. مثلًا اسم الله جل وعلا الحي يدل على صفة الحياة بماذا؟ بالتضمن. ويدل على صفة العلم بماذا؟ باللزوم. لأن الحي الكامل بالحياة لابد أن يكون عنده ماذا؟ علم. والحي الكامل بالحياة يلزم أن يكون عنده ماذا؟ قدرة. يلزم أن يكون عنده قدرة. فدل على القدرة بماذا؟ باللزوم. والحمد لله رب العالمين.