الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 127، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ذكر الإمام بن القيم قاعدة كمال العبد وصلاحه، وأسباب حرمانه من الخير. العبد رزق اختيارًا يستطيع به اختيار طريق الخير.
الناس يختلفون في طباعهم وخلقتهم منذ الصغر، وهذا الاختلاف ابتلاء من الله عز وجل. بعض الصفات قد تكون نافعة أو ضارة حسب كيفية توظيفها.
التقلب والتردد يمكن أن يكون ابتلاء وامتحانًا ويؤثر على الثبات على الخير. يمكن تهذيب النفس وتقويم الأخلاق بالعلم النافع والعمل الصالح.
المقطع الأخير يشير إلى ختام الحديث مع التأكيد على علم الله تعالى وإرسال الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قاعدة كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من أحد جهتين؛ إما أن تكون طبيعته يابسة قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها، وإما أن تكون لينة منقادة سلسة القياد لكنها غير ثابتة على ذلك، بل سريعة الانتقال عنه، كثيرة التقلب. فمتى رزق العبد قيادًا للحق وثباتًا عليه، فليبشر فقد يسر لكل خير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». أورد رحمه الله هذه القاعدة، ومناسبة ذكرها فيما يتعلق بمسائل القدر أن يبين أن الله عز وجل جعل للعبد اختيارًا يستطيع به أن يختار طريق الخير عن طريق الشر، وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة كما مر معنا ذكر عدد منها. وإذا كان كذلك، فيناسب أن يشير رحمه الله تعالى إلى ما يعين العبد على فعل الخير، ولهذا ذكر هذه القاعدة: «كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من أحد جهتين»، أو قل بتعبيرٍ آخر: «حرمان الخير سببه أحد أمرين». حرمان الخير سببه أحد أمرين. الأمر الأول: قال: «ما يكون من طبيعة هذا العبد أن تكون طبيعته يابسة قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها». وهذا يظهر من الطفولة، قد يقول قائل: الناس يملكون الإنقياد والليونة وحرصهم على الفلاح والكمال بأيديهم. يقال: نعم، لكن يعين على ذلك طبيعة الشخص، فهناك خلقة خلق وفطر عليها الناس يتفاوتون. وقد ترى ذلك في الصبيان وهم صغار، تجد صغيرًا لينًا ليس بقاسي ولا يابس، إذا اختلف مع قرنائه من الأطفال دائمًا يكون هو المتسامح ويكون هو الكريم وهو الألطف عبارة والألطف فعلًا. وعلى العكس قد تجد في مقابل هذا طفل عنده من القسوة واليبوسة والشدة والغلظة ما يجعله يتفرع على قرنائه الأطفال، وهم أطفال لكن الطباع تختلف. وهذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، كما أن الناس يخلقون خلقة كاملة في أجسادهم أو ناقصة، فهذا يخلق برجلين كاملتين وآخر أعرج، وهذا يخلق بعينين يبصر بهما أو آخر أعمى أو أعور، فهناك نقص في الحواس. الله عز وجل خلق الناس كذلك لحكمة؛ فقد يكون بعض النقص سببًا للكمال، وقد يكون بعض الكمال سببًا للفتنة، وقد يكون للتكثير وهكذا. كذلك في الصفات الخلقية كما هي في الخلقية، فبعض الشدة ينفع في الشجاعة والقوة والقيادة، وليس مثلها فهي نافعة من جهة، لكن لا بد أن تضبط أن لا تكون على حساب الآخرين، فيكون معها ظلم وعدوان. فهنا يأتي دور الأبوين والمدرسين والمعلمين ونحوهما بأن يهذبوا شخصيات وخلقيات الأطفال والصغار حتى يشبوا على العدل والخلق الكريم. فالشاهد: من كانت في طبيعته هذه القساوة واليبوسة وعدم الانقياد، فهؤلاء يسهل خروجهم عن طريق الخير، يعني هذا يصير محل فتنة. والعكس الذي يكون عنده انقياد وليونة سهل انقياده ورجوعه لطريق الخير. والأمر الآخر يقول: «أن تكون لينًا منقادًا سلس القياد لكنها غير ثابتة»، يعني قد يوجد ليونة ولكن غير ثابت، متقلب عنده شك مستمر عنده اضطراب وفي عدم الثبات، وهذا نوع من الضعف، وهذا بالنسبة لصاحبه فتنة. وقد يظهر هذا كذلك في الصغر، فربما خير بعض الأطفال فتجد الطفل بكل عزيمة يختار اختيارًا واحدًا، وآخر إذا خيرته تجده يختار ويترك ويأخذ هذا ويترك ويأخذ هذا ويترك، يأخذ يمشي شوية ويرجع يقول: لا أريد هذا، الثاني ونحو ذلك. هذا التقلب والتردد ضعف، ابتلاء وامتحان من الذي يصلح؟ هذا الذي يصلحه الأبوان والمدرسون والمعلمون ونحو ذلك، فيكملون هذا النقص. وهذا يؤثر كذلك في الثبات على الخير والاستمرار عليه، فيكون محل فتنة. فإذا وفق العبد إلى طبيعة فيها ليونة وانقياد مع ثبات، فقد وفق للخير كله، ويسر له أسباب الفضل. ولا يعني أن حرمان ذلك من حيث الطبيعة والخلقة والخلق معناه أنه لا بد أن يكون من من يحرم الخير، لا؛ فإنه قد يغلب نفسه الضعيفة وكذلك أخلاقه القاسية بما أوتي من العلم النافع والعمل الصالح الذي به يهذب الإنسان نفسه ويقيم أخلاقه على ما فيه الخير. وهذا هو المطلوب؛ أن الإنسان يهذب نفسه الأمارة بالسوء وأخلاقه التي فيها الطيش بالآداب الشرعية التي وردت في نصوص الكتاب والسنة، فيكون بذلك إن شاء الله منقادًا لينًا ولو كان في أصل طبعه ليس كذلك. ولا أدل على ذلك بحال الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم؛ فإن القرآن أول ما نزل وبعث الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام في أمة أعرابية تربوا على الجفاء والشدة إلا من رحم الله، ولكن بهذا العلم الهدى ألين الله قلوبهم، وانقادت جوارحهم، وثبتت على الخير، فكانوا خير أمة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصفهم الله بعظم الصفات في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. وما أصلح الأول يصلح الآخر، كما كان أسلافنا يقولون: فإنه يصلح آخر هذه الأمة ما صلح به أولها. طيب. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.