طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 18

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 18

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 18، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم غنى النفس والإخلاص في العبادة

يشرح مفهوم غنى النفس واستقامتها على ما يحبه الله مع الإخلاص في العبادة وتجنب الرياء. يربط بين غنى النفس والصلاة التي تجعل العبد مستغنيًا عن الدنيا.

أثر الصلاة الحقيقية على سلوك الإنسان واستقامته

الصلاة الحقيقية تحجب عن الفحشاء والمنكر وتتطلب الإخلاص والمتابعة لتصبح سجية للإنسان. الاجتهاد في إصلاح الصلاة يجعل لها آثارًا إيجابية حتى في أوقات الغفلة.

ثمار الاستقامة وجزاؤها

الاستقامة على دين الله تعني الإخلاص والإقبال على الطاعات والبعد عن المعاصي، وهي وعد إلهي لمن استقام على الإيمان بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الاجتهاد في الطاعات يجعلها سجية للإنسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل في تفسير الدرجة الثانية، وهي غنى النفس. قال: قوله في غنى النفس: إنه استقامتها على المرغوب، وسلامتها من المسخوط، وبراءتها من المراءاة. قال: يريد به استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وهذا هو المرغوب، وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها، هذا هو المسخوط. وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيمًا لله وأمره، وإيمانًا به، واحتسابًا لثوابه، وخشية من عقابه، لا طلبًا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم، وهربًا من ذمهم وازدرائهم، وطلبًا للجاه والمنزلة عندهم. فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد منه، وأنه أفقر شيء إلى المخلوق. يعني: من لم يتبرأ مما ينافي الإخلاص، وهو فقير إلى غير الله، افتقاره إلى غير الله. فلا يحصل الإنسان غنى النفس إلا بهذه الثلاث: أن يقيم هذه النفس ويجتهد ويجاهد بفعل الطاعات، ويجتهد ويجاهد مع نفسه في البعد عن المعاصي والسيئات. والثالث، وهو أهمها وأولها، أن ينجي هذه النفس من شوائب تنافي الإخلاص، سواء العجب، وهو الشرك بالنفس، أو الرياء، أي بالناس، أو كذلك طلب شيء من الدنيا: منصب، ملك، ثناء الناس، وغير ذلك. قال رحمه الله: فسلامة النفس من ذلك، واتصافها بضده، دليل غناها؛ لأنها إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعًا واختيارًا، ومحبة وإيمانًا واحتسابًا، بحيث تصير لذتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا بلال، أرحنا بالصلاة». والحديث ما أشار مختلف بوصله وإرساله، وذكره الدارقطني رحمه الله في العلل، لكن له طرق كثيرة يرتقي بها إلى الحسن، ولهذا صححه غير واحد من أهل العلم، فهو حديث صحيح في رواية: «أرحنا بها يا بلال»، أي الصلاة، وتؤيده أحاديث أخرى. والشاهد: أن نعيم وراحة المؤمن الذي أعانه الله على نفسه الأمارة بالسوء تكون بالطاعات. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». هذه الرواية الصحيحة. وأما حديث: «حبب إلي من دنياكم ثلاث» فهذه ضعيفة. وأشار في التعليق إلى الاختلاف في هذا الحديث كذلك في وصله وإرساله. والصحيح: أنه بهذا اللفظ حديث صحيح له طرق وشواهد كثيرة، ولهذا صححها غير واحد من أهل العلم. فالنساء والطيب من الدنيا، والصلاة وإن كانت في الدنيا لكنها ليست من الدنيا، هي من أمور الآخرة. ولهذا قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». وقرة العين أعظم من المحبة، سيأتي إن شاء الله. قال: وقرة العين فوق المحبة، فجعل النساء والطيب مما يحبه، وأخبر أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها، وتحضره لذته وفرحه وسروره وبهجته، إنما هي في الصلاة التي يصله بالله، وحضور بين يديه، ومناجاة له، واغتراب منه. فكيف لا تكون قرة العين؟ وكيف تقر عين المحب بسواها؟ فإذا حصل للنفس هذا الحظ الجليل، فأي فقر تخشى معه؟ وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه؟ ولهذا الصلاة الحقيقية التي حقق فيها العبد مطالبها بتحقيق أركانها وواجباتها وشروطها ومستحباتها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، تكون صلاة في الحقيقة تغني العبد عن كل ما يكون به افتقار النفس. فهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. ولذلك إذا تأملت أحدًا يقع في شيء من الفحشاء والمنكر -والفحشاء والمنكر درجات ودركات- فإنك ترى مع صاحب هذه الصلاة ولو كان يصلي تقصير وتفريط بقدر ما وقع من ذلك الفحشاء والمنكر. وإلا فالصلاة الحقيقية الكاملة تحجب وتحفظ العبد من أن يقع في الفحشاء والمنكر. فإذا وقع في الكبائر والعياذ بالله والقاذورات، فهذا في الغالب لا يصلي. لا تجد إنسانًا يقع في الزنا وهو يصلي، استحيل أبدًا. وإذا وقع منه شيء من ذلك، فصلاته ليست صلاة المؤمن، وإنما تجدها صلاة المنافق، فيها من صفات المنافقين ما كانت سببًا في أن هذه الصلاة لا تحفظه ولا تحجزه. وهكذا الناس في هذا درجات في صلواتهم، وهم دركات في الوقوع في الفواحش والمنكرات. قال رحمه الله تعالى: ولا يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسًا لطبيعة القلب، فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة. والمعنى: أن الإنسان إذا روض نفسه ترويضًا مستمرًا، صارت هذه الطاعات من جنس طبيعته. ولذلك أهل الجنة يلهمون التسبيح والعبادة إلهامًا، يعني: يصير من جنس ماذا طبيعتهم وخلقتهم. وفي الدنيا هل يوجد أحد مثل أهل الجنة؟ نعم يوجد. كيف ذلك؟ بأنه روض نفسه ترويضًا عظيمًا حتى تصير هذه الطاعات من جنس طبيعته. وأضرب لكم مثلًا في الصلاة نفسها: نفس الرجل الذي يحرص على تأدية الصلاة على وجهها الذي يحبه الله، هو يجتهد ويتعب في البداية، يحرص على فعل السنة. وكما قلنا: الصلاة الحية الحقيقية تتم بأمور كثيرة، من أهمها أمران اثنان. أولها: الجد والاجتهاد والمجاهدة في تحقيق الإخلاص لله، وذلك بتعظيم الرب سبحانه وتعالى، واستحضار عظمته وأنت تصلي في كل لحظة، حركة وسكنة، قول وفعل، وهكذا. كذلك تنظر إلى فقرك وحاجتك ونقصك لربك وخالقك. فأنت تنظر إلى نفسك بعين النقص والاحتقار، وكذلك التقصير، وتنظر إلى الرب سبحانه وتعالى بعين التعظيم والإجلال. فكيف تكون حال المصلي إذا وقف بين يديه؟ هكذا تكون حاله. ماذا فيها؟ تعظيم لهذه الصلاة. وهو يجتهد في هذا سنوات، يحاول يحاول يحاول حتى تصير صلاته على هذه الطبيعة صلاة حية. وآخر ليس كذلك، صلاته ليس فيها هذا الاستحضار. ماذا تكون الثمرة؟ حركاته في صلاته ليس فيها الإقبال على الله. لم يحقق قوله سبحانه: «وقوموا لله قانتين»، بالإقبال على الله والانصراف عما سوى الله. وهكذا كذلك في الأمر الثاني، وهو تحقيق المتابعة في هذه الصلاة. هذا الذي حرص على صلاته حقق فيه هذا التعظيم، وحقق في هذه المتابعة. فتجده يحرص على ماذا؟ على فعل السنن وتنويعها في صلاته. يجد ويجتهد في البداية، يأخذ العلم ثم يطبق هذا العلم عمليًا في صلاته سنوات على هذا. في البداية يتعب وينسى ويغفل حتى تصير هذه الصلاة بهذا الوصف ماذا؟ سجية له وطبيعة. وإذا حصل له ما يشغله كسائر البشر: هموم تكبس على رأسه، وشواغل. ظاهر هذه الصلاة تبقى على تلك الهيئة التي فيها الإقبال على الله، عملًا تكون كذلك. لماذا؟ لأن هذه الصلاة صارت طبيعة وسجية له، حتى ولو إن شغل قلبه أو إن شغل ذهنه، لا تزال الصلاة في الظاهر ماذا؟ صلاة حية فيها إقبال على الله. ربما يسجد سجود سهو؛ لأنه إن شغل. وقد سجد النبي صلى الله عليه وسلم سجود السهو لأنه بشر. صلى ركعتين في الصلاة الرباعية. متى صلىها؟ صلى الله عليه وسلم. لكن ما هو السبب الحال الذي جعله يسهى؟ ما هو السبب؟ الغضب. نعم، لكن في أي وقت؟ في قصة إلى نسائه، اعتزل نسائه ثلاثين يومًا، كان قلبه مشغول وذهنه مشغول. فصل الصلاة ووقع منه هذا السهو، فأبشر عليه الصلاة والسلام. لكن ظاهر الصلاة صلاته التي هو عليها عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك نسي ركعتين اثنتين. وهكذا الذي يجتهد في إصلاح صلاته تكون صلاته بالظاهر ماذا؟ على نفس السجية والطبيعة التي هو عليه، صلاة حية. لماذا؟ لأنه روض نفسه على هذه الصلاة. والآخر الذي لم يعتن بصلاته تجد صلاته ماذا؟ ميتة، ليس فيها تلك الحياة. لم يحرص على الإخلاص والإقبال على الله في صلاته. فلذلك تكثر حركته في الصلاة، تكثر غفلته وفتوره وتململه في الصلاة، وتكون بهذا صلاة ميتة. فإذا ازدادت جاءت الهموم زادت هذه الصلاة ماذا؟ أن تكون ميتة. فإذا هذان يصليان وكلاهما يسهو في صلاته، لكن الأول الذي اجتهد في إصلاح هذه الصلاة صارت صلاته في الظاهر كاملة فيها حياة، وإن كان قد حصل له ذهول. كيف هذا؟ كيف حصل له هذا؟ لأنه اجتهد في إصلاح صلاته حتى صارت هذه الصلاة سجية وماذا؟ وطبيعة. وهكذا فعل الطاعات تصير للإنسان سجية وطبيعة. ولذلك تجد الإنسان إذا كان حريصًا على الطاعات والخير، حتى إذا دخل في غيبوبة يسبح الله ويقرأ القرآن. ووقع هذا لشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، لما مرض مرض موته، دخل في غيبوبة. قالوا: من قطع لسانه عن قراءة القرآن وهو في الغيبوبة رفع عنه القلم. ومع ذلك لا يزال لسانه ماذا؟ يقرأ القرآن. وهكذا الكثير من الصالحين لما تعودوا الطاعات صارت الطاعات لهم ماذا؟ طبيعة وسجية. حتى لو دخلوا في غيبوبة أو أحيانًا حتى في النوم، نومه وأحلامه كلها ماذا؟ طاعات. طاعات يذكر الله، يقرأ القرآن، ويسبح الله سبحانه وتعالى وهو ماذا؟ وهو في غيبوبة. كيف صدر منه هذا الفعل؟ أجيبوني: القلب مشغول بالله، تعلق قلبه، حرص على إصلاح نفسه وقلبه في حياته حتى صارت الطاعات له ماذا؟ سجية وطبيعة. هذا من جنس من جنس أهل الجنة الذين صارت طاعاتهم ماذا؟ كأنفاسهم، سجية لهم. لما اجتهدوا في الدنيا على هذا صار لهم الجزاء الحسن في الآخرة. قال رحمه الله تعالى: ولا يحصل لهذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسًا لطبيعة القلب، فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة. وإنما تصير مطمئنة بعد تبدل صفاتها وانقلاب طبعها لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق جل جلاله. فجرى أثر ذلك النور في سمعه وبصره وشعره وبشره وعظمه ولحمه وسائر مفاصله، وأحاط بجهاتها من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلبه وأمامه، وصار الذات نورًا، فصار عمله نورًا، وقوله نورًا، ومدخله نورًا ومخرجه نورًا. وكان في مبعثه ممن أتم له نوره فقطع به الجسر. وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة. فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب. وأيضًا فاقتقاعدها عن المطلوب منها موجب لفقرها إلى الشهوات. فكل منهما موجب للآخر. وترك الأوامر أقوى لها في افتقارها إلى الشهوات؛ فإنه بحسب قيام العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وقد علمنا من الذي صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر؟ ليس صاحب أي صلاة، وإنما صاحب الصلاة الحقيقية الحية. فمتى اجتهد الإنسان في تحقيق هذين الوصفين للصلاة، فإنه يستفيد هذه الفائدة العظيمة. وبقدر قرب الناس وبعدهم يكون كذلك الجزاء. قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال: وفي القراءة الأخرى: «يدافع». فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه. يعني: قراءتان سبعيتان في هذه الآية في سورة الحج. قال: فإذا صارت النفس حرة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب، ففاض منه إليها، استقامت بذلك الغنى على الأمر المرغوب، وسلمت به عن الأمر المسخوط، وبرئت من المراءاة. ومدار ذلك كله على الاستقامة ظاهرا وباطنا. ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة. قيل له: «قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه غيرك». ماذا أجاب؟ «قل: آمنت بالله ثم استقم». فليس شيء أعظم بعد الإيمان بالله من ماذا؟ من الاستقامة. والاستقامة هي ما جمعت هذه الأمور الثلاثة: الإخلاص، والإقبال على الطاعات، والبعد عن المعاصي والسيئات. هذه هي استقامة النفس. فإذا استقامت النفس، فلا تسعى للخير الذي يجريه الله على هذه النفس. قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها. قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. إلهنا، إن شاء الله.