مراقبة الله في السر والعلن

المحاضرة بعنوان مراقبة الله في السر والعلن، وكانت بمسجد النور ببويش الجمعة 18 رجب 1433هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مراتب الدين ومراقبة الله

يتناول المقطع مراتب الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، ويشرح معنى كل مرتبة مع التركيز على مراقبة الله عز وجل. يشدد على أهمية عبادة الله كأنك تراه في مرتبة الإحسان.

دور العلم في الارتقاء إلى مراتب الدين العليا

يُبرز أهمية العلم في الوصول إلى مرتبة الإحسان، ويبين أن زيادة العلم ترتقي بالإنسان، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

العلم والعمل سبيل النجاة من الفتن

يشدد على أهمية الجمع بين العلم والعمل الصالح في النجاة من الفتن والمحن، ويحذر من إهمال العلم أو عدم العمل به، مستشهدًا بحديث أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

أهمية العلم في سلامة حياة المسلم

يؤكد على أهمية العلم في حياة المسلم، حيث يبين أن الجهل يؤدي إلى التخبط في أمور الحياة، ويشير إلى أن العلم هو السبيل لسلامة العقيدة والعبادة والمعاملات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. إن الإنسان لظلوم كفار. وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. كما نخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء على الله عز وجل بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وأعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أيها الأحبة، هذا مجلس من مجالس العلم نتذاكر فيه ما ينفعنا من العلم النافع الذي يعيننا على العمل الصالح بإذنه سبحانه وتعالى. والمسلم لا يستغني عن العلم، فالعلم زاده الذي يتزود به ليحصل به ما يرجوه من تقوى الله جل وعلا في الدنيا ورضاه سبحانه وتعالى ورحمته في الدار الآخرة. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. أيها الأحبة، سمعتم عنوان هذه الكلمة التي اختارها القائمون على هذا المسجد الطيب المبارك، وهو أمر المراقبة. مراقبة الله عز وجل في السر والعلن. مراقبة الله جل وعلا عباد الله عبادة جليلة من العبادات التي تعبد الله عز وجل بها عبادة، بل هي حقيقة مرتبة من مراتب هذا الدين. فالناس في هذا الدين على ثلاثة مراتب: مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، كما جاء ذلك في حديث جبريل العظيم الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وجاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه عمر رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم الحديث العظيم الذي قال في آخره نبينا صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم». أرسله الله عز وجل على هيئة رجل سائل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مراتب هذا الدين، عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير الإسلام وتفسير الإيمان وتفسير الإحسان. وهذه هي مراتب هذا الدين. فالناس بهذا الدين على هذه المراتب الثلاثة. فمنهم من أظهر الإسلام والله أعلم بباطنه. أظهر ذلك بجوارحه والله أعلم بباطنه. وإسلامه يكون بتحقيق أركانه، كما قال عليه الصلاة والسلام حين سأله جبريل عليه الصلاة والسلام: «أخبرني عن الإسلام». فقال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». ففسر الإسلام عليه الصلاة والسلام بأعمال هذا الدين الظاهرة وأركانه الخمسة المشهورة. فهذا هو الإسلام في تفسير نبينا عليه الصلاة والسلام. ثم سأله عن الإيمان، فبين نبينا صلى الله عليه وسلم الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره». فذكر أركان الإيمان الستة. وعلم بهذا أن مرتبة الإيمان أعلى من مرتبة الإسلام. فمرتبة الإسلام مرتبة من أظهر هذا الدين بجوارحه. ومرتبة الإيمان مرتبة من جمع بين هذه الأعمال الظاهرة من أركان الإسلام وغيرها من خصال هذا الدين، وأضاف إلى ذلك ما في قلبه من إيمان. ما في قلبه من إيمان بالله وبرسله وبملائكته وكتبه وباليوم الآخر والقدر خيره وشره. فكان مرتبة المؤمنين أعلى من مرتبة المسلمين. ولهذا لما قالت الأعراب: «آمنا»، رد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. فإن من الناس من كان بادئ أمره في دخوله في هذا الدين بغير يقين في القلب. أظهر الإسلام بما كان من استجابة جوارحه، مع عدم يقين وكمال إيمان في باطنه. وهذا حال الكثير من المبتدئين في دخول الإسلام، خصوصا إذا كان الدخول خوفا أو رغبة أو رهبة. رهبة من قوة أهل الإسلام أو رغبة بما كان يتألف به النبي صلى الله عليه وسلم بعض المؤلفة. فأمثال هؤلاء أظهروا الإسلام، وبقي أن يرتقوا بذلك إلى مرتبة الإيمان. والشاهد من هذا أن الله عز وجل نفى عن هؤلاء الإيمان وأثبت لهم الإسلام. فعلم بهذا أن في أهل هذا الدين من يثبت له الإسلام ولا يثبت له الإيمان، إذ مرتبة الإيمان أعلى من مرتبة الإسلام. والمرتبة الثالثة: مرتبة الإحسان، وهي أعلى مراتب هذا الدين. سأله جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال: «وأخبرني عن الإحسان». فقال صلى الله عليه وسلم: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهذه هي أعلى مراتب هذا الدين. أن يحصل عند المؤمن من كمال المراقبة واستحضار العبودية لله عز وجل ما يقتضي صلاح ظاهره وباطنه. فهو يعبد الله عز وجل عبادة من لا يغفل عن مراقبة ربه وخالقه سبحانه وتعالى. فهو يعلم أن لله عز وجل معية لا تنفك عن خلقه، وإحاطة لا يخرجون عن قوته. وهكذا كذلك سمع وبصر لا يغفى عليه من أمرهم خافية. ومن استقر هذا في قلبه على وجه اليقين، كملت مراقبته لربه سبحانه وتعالى. وعند ذلك كان كما جاء في الحديث: «يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه». أي ربه سبحانه وتعالى. فإن العبد إذا استحضر معنى هذه المعية وهذه المراقبة، دفعه ذلك للإحسان. إذ أنه ينظر إلى الله جل وعلا في كل وقت وحين، يعلم أنه مع معية من لا يغفى عليه من أمره شيء. ليس فقط فيما يكون من ظاهره، بل حتى ما يكون من باطنه. فالله جل وعلا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى. والله جل وعلا بكل شيء محيط، وبكل شيء عليم. ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا. من استحضر هذه المعية استلزم ذلك ملازمة الإحسان. فإذا كان يستحي المرء من التقصير أمام الناس، فليكن استحياؤه من الله عز وجل أعظم وأشد. ولا نكن كالمنافقين الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. عباد الله، إن حقيقة مراقبة العبد وتحقيق ذلك في سره وعلنه هو حقيقة إكمال خصال هذا الدين وتحقيق معنى العبودية لله رب العالمين. ولهذا كان هؤلاء هم المحسنون. وكانت هذه مرتبة الإحسان. الإحسان الذي من لفظها يعلم علو منزلة صاحبها في الدنيا، وهكذا كذلك ما يرجى له في الدار الآخرة. ولهذا كان لهؤلاء من المعية الخاصة من الله سبحانه وتعالى ما تقتضي زيادة النصر والكلاة والحفظ والرعاية. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. معية خاصة تقتضي توفيقا وتقتضي إعانة وتقتضي تزديدا وكلاءة وحفظا لا تكونوا لغيرهم. ولهذا خصهم الله عز وجل بهذه المعية دون سائر الناس، لما كان من عظيم إحسانهم في تحقيق عبوديتهم لربهم وخالقهم سبحانه وتعالى. إذا استحضر العبد عظمة الرب جل وعلا، وعلم معاني أسمائه وصفاته، حقق معاني هذه الأسماء الحسنى والصفات العليا والفعال المثلى لله جل وعلا. كان عنده من قوة العقيدة ومن كمال الإيمان ما يقتضي إصلاح ظاهر هذا الإنسان وباطنه. إذ هذه المعرفة وهذا العلم يستوجب تعظيما وإجلالا، ويقينا في القلب لله سبحانه وتعالى. لا يكون عند غيره، لكمال مراقبته. وكذلك كمال يقينه بما علم من أمر ربه وخالقه سبحانه وتعالى. ولذلك عباد الله، كان هذا الحديث حديث جبريل عليه الصلاة والسلام، وغيره من الأحاديث الأخرى، بل وأدلة الكتاب والسنة التي تدل على عظم منزلة هذه المرتبة من مراتب هذا الدين، تقتضي حتى أهل هذا الدين على الوصول إلى هذه المرتبة العلية التي هي مرتبة الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، الذين تحقق فيهم أكمل معاني العبودية لله رب العالمين. فإذا سأل سائل فقال: «كلنا يحب أن يكون من أهل هذه المرتبة العلية ومن أهل هذه المنزلة العظيمة، فكيف يمكن الوصول إلى ذلك؟». الجواب: أن لذلك أسبابا ووسائل، من أهمها وأعظمها ما يذكر على وجه الاختصار. أولها: العلم. فإن العلم هو المفتاح للوصول إلى هذه المرتبة من مراتب هذا الدين، وهو السلم الذي به ترتقي درجة درجة في مراتب هذا الدين، حتى تصل إلى هذه المرتبة، مرتبة أهل اليقين. إذا علمنا أن هذا الدين ثلاثة مراتب: مرتبة الإسلام، والإيمان، والإحسان. فلنعلم عباد الله أن الوصول إلى أعلى المراتب من أول أسبابه ووسائله هو العلم النافع. لأنك إذا ازددت علما ازددت بإذن الله تعالى لربك وخالقك معرفة وتعظيما وإجلالا. وحصل لك من اليقين في قلبك ومن المعرفة ما يقتضي ارتقائك في مراتب هذا الدين. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فإنك لا تزداد درجة في العلم إلا زادك الله عز وجل درجة في الإيمان ودرجة في اليقين. ولذلك كان العلماء العاملون هم أخشى الناس لله سبحانه وتعالى. بلغوا بعلمهم وعملهم مرتبة أهل الخشية، الذين هم أهل الإحسان وأهل المراقبة. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالعلم أيها الأحبة شأنه عظيم في هذا الدين. وضرب لنا نبينا صلى الله عليه وسلم مثلا في أمر هذا العلم وما بعثه الله عز وجل به، كمثل مطر جاء بأرض. فكان منه من أصناف هذه الأرض: أرض لا تمسك الماء ولا تنتفع به. فإنما هي قيعان يمر بها الماء فينفذ إلى أسفلها. وأرض أخرى تحفظ الماء، ولكنها ليست بالأرض الخصبة التي تنتفع بها، فيكون الزرع. وأرض ثالثة أرض خصبة تحفظ الماء وتنتفع به، فيكون الزرع. وهذا حال الناس مع العلم. هذا حال الناس مع العلم. فإن من الناس من لا يرفع للعلم رأسا، فيبقى على جهله ويبقى على غفلته، كحال تلك الأرض التي يمر بها الماء فلا تنتفع به ولا تنفع غيرها به. وإن من الناس من يحفظ العلم، ولكنه لا يعمل به. فمثله كمثل بعض الأرض التي تحفظ الماء، ولكنها لا تنتفع به لنفسها. وهذا مثل من أخذ العلم ولم يعمل به، فهو كالشمعة يضيء لغيره ويحرق نفسه. وصنف ثالث انتفع بهذا العلم، فكان مثله كمثل تلك الأرض في أخذها للماء، وإن بات الكلأ والعشب الكثير الذي ينتفع به الناس. وهذا مثل من فقها في دين الله عز وجل، فعلم وعلم، فنفع الله عز وجل به. وبه نعرف أيها الأحبة أن الناس مع هذا العلم على هذه الأقسام الثلاثة. فإن منهم من لا يبالي بهذا العلم، يمر به ويسمع به كأنه ليس هو المقصود، وكأنه لا علاقة له بهذا العلم. فهو لم يزل على ما هو عليه من جهله ومن غفلته ومن إعراضه عن هذا العلم. فلا يرفع له رأسا. وحال هؤلاء كما لا يخفى علينا، لما أعرضوا عن هذا العلم وتغافلوا عن تعلمه، أثمر لهم ذلك من معاني الجهل والبعد عن هذا الدين ما كان سببا لظهور علامات الخسارة في الدنيا قبل الآخرة. وهذا حال الكثير من أهل الجهل والغفلة، ممن لم يرفع للعلم رأسا ولم ينتفع به ولم يقبل عليه لا قليل ولا كثير. فعند ذلك ترى آثار ذلك في حياته وفي خلقه وسلوكياته، ببعده عن دين الله عز وجل. فلا هو بالذي يحافظ على شرائع الإسلام، ولا هو بالذي يستشعر معاني الإيمان، ولا هو بالذي يلتفت إلى مرتبة الإحسان. فهو عن ذلك كله في غفلة وفي جهل. ولذلك أحسن الناس من أمثال هؤلاء حالا من استطاع أن يحافظ على مظاهر الإسلام في نفسه، في جوارحه. أحسنهم حالا من كان كذلك، من حافظ على الصلاة التي هي عمود هذا الدين. وإن كان الكثير من أمثال هؤلاء حتى الصلاة كانوا لها من المضيعين. كما قال الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وكما قال الله عز وجل عن طائفة من أمثال هؤلاء: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال ابن عباس: «أما إنهم لم يتركوها بالكلية، ولكنهم أخروها عن وقتها». بعض الناس ربما محافظته على دوامه في العمل وعلى وظيفته وعلى تجارته وعلى غير ذلك من أمور دنيا، أعظم من محافظته على صلاته. ممكن أنه يصل الفجر بعد أن تشرق الشمس، أو يصل العصر بعد أن تغرب، أو يجمع الظهر والعصر بغير عذر ولا سبب شرعي، أو المغرب والعشاء كذلك، تساهلا وتفريطا وتضيعا. بل قد يحصل لبعض الناس ممن لم يرفع للعلم رأسا أنه ربما أضاع بعض الصلوات، فاتكل على رحمة الله عز وجل ورجائه به، ونسي أن الله عز وجل الغفور الرحيم كذلك هو شديد العقاب وسريع الحساب. وأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه نسب ولا صهر. بعضهم ربما يصل به الأمر أن يترك الصلوات، فيصليها يوم الجمعة، أو ربما أعظم من ذلك، لا يعرف الصلاة إلا في شهر رمضان وفي العيدين، أو في صلاة الجنازة إن لزمه ذلك وأحرج فيه. وإلا فهو يرى نفسه أنه مسلم، ويمن على الناس بإسلامه. وإذا تأمل بحال نفسه لم يجد أنه من قد حقق من خصال الإسلام في أعظم ركن من أركانه العملية، وهو الصلاة. فكيف بما دونها؟ ومع ذلك فهو يرى أنه خير من كثير من الناس، بل ربما يستصغر الكثير. وصار يتكل على معاني باطلة وشبهات من شبهات شياطين الجن والإنس، تزيد في هلكته وفي طريق خسارته، وهو لا يشعر. هؤلاء صنف كان سبب ظهور معالم الخسارة في حياتهم، بسبب بعدهم وجهلهم وإعراضهم عن هذا العلم. فلم يرفعوا له رأسا. أما الصنف الثاني، فهم الذين أخذوا من العلم ما أخذوا، وربما تيسر لهم العمل بما علموا، ولكنهم لدنيا فانية وشهوات زائلة آثروها على تلك الباقية. فعند ذلك صاروا في موضع أو في مواضع لا يعملون بالعلم الذي أوتوه. وعند ذلك كذلك كان لهم من الخسارة ما كان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد صحيح: «أن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم لم يعمل بعلمه». حتى قال القائل: «وعالم بعلمه لم يعملن، معذب من قبل عباد الوثن». صار الذي لا يعمل بعلمه يعذب في النار والعياذ بالله، قبل المشرك. بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة. وذكر منهم: العالم الذي لم يعمل بعلمه، والمتصدق الذي لم يرد بصدقته وجه الله، وهكذا كذلك المجاهد الذي لم يقصد بجهاده وجه الله سبحانه وتعالى. هؤلاء ثلاثة من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، أن يعذبون قبل تعذيب المشركين فيدل ذلك على خطورة هذا الباب. وأما الصنف الثالث، فهم أربح هؤلاء الثلاثة وأفضلهم. جمعوا بين العلم وبين العمل، فانتفعوا بذلك في الدنيا وكذلك في الآخرة. ومن كان هذا حاله فهو الموفق الذي كلما ازداد حرصا على تحصيل العلم، وفقه الله عز وجل على الارتقاء في منازل هذا الدين. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». فأخذك أخي المسلم لطريق العلم موصل لك بإذن الله إلى جنة الله جل وعلا ورضوانه. فالجنة أولها ومبدأها طريق العلم، فهو في طرف ونهايته وطرفه الجنة بإذن الله تعالى. وهل الدين الذي بعث به نبينا صلى الله عليه وسلم إلا العلم والهدى الذي بعثه الله عز وجل به؟ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. فسر الهدى بالعلم النافع، ودين الحق بالعمل الصالح. فإن أول ما يعين العبد على سلوك طريق جنة الله أخذه لطريق العلم. وهكذا جاء في الصحيحين أنه قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». فعلامة إرادة الله عز وجل بعبده الخير أن يفقهه في دين الله سبحانه وتعالى. وليس من شرط سلوك طريق العلم والتفقه في دين الله عز وجل أن تتفرغ لهذا العلم، وإن كان هذا أمر حسن تزداد به خيرا. لكن ليس هذا المقصود، ولا هذا الشرط الذي يكون به الارتقاء في مراتب هذا الدين وأعلاها. فقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون من العلم ما يحتاجون، ولا يمنعهم ذلك من معايشهم. فلهم أسر كما لنا أسر، ولهم أعمال كما لنا أعمال، ويحتاجون للكسب والمعيشة كما نحتاج. وقد ضرب لنا نبينا صلى الله عليه وسلم مثلا في أمر هذا العلم وما بعثه الله عز وجل به. كما ثبت في الصحيحين أنه قال صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا...». الحديث. وجاء في الصحيحين باب التناوب في العلم، ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مع ذلكم الأنصاري، كيف كانوا يتناوبون في رعي الغنم وحضور مجلس العلم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. حرصوا فنفعهم الله عز وجل بذلك الحرص. اجتهدوا ففتح الله عز وجل عليهم بذلك الاجتهاد. وكذلك أنت أخي المسلم، لا تحرم نفسك من شيء من العلم يكون سببا في زيادة إيمانك، وإعانة لك في سيرك إلى ربك وخالقك. يعينك على الثبات على الحق، يعينك على الصبر على طاعة الله، ويعينك على الصبر عن معصية الله. فأنت بالعلم تثبت على هذا الصراط المستقيم. بالعلم تحجز نفسك عن ما يفتتن به الكثير من الناس من الشهوات والشبهات. فأكثر ما يصرف الناس عن الحق والهدى ما يمر بهم في هذه الدنيا الواسعة من شهوات كثيرة وشبهات عديدة. حتى حصل للناس ما حصل من الانصراف عما فيه الخير لهم. لكن بالعلم تستطيع أن تتجاوز هذه الفتن والمحن، فتصبر عن الشهوات وتتجاوز الشبهات. لأنك بالعلم النافع تستطيع أن تعالج ما يرد عليك مما قد يكون فيه فتنة لك في الشهوات، أو ما يرد عليك مما يكون من أمر الشبهات. فأنت يا أخي المسلم تحتاج إلى العلم حاجة ماسة. فهو أول أمر تستعين به في الارتقاء في مراتب هذا الدين، حتى تصل إلى مرتبة الإحسان ومراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلن. بالعلم تبقى في حصن حصين يحفظك الله عز وجل به، وتستعين به على دفع كل ما قد يضرك. ليس فقط في نفسك، بل حتى في أبنائك. لأنك بالعلم تحسن كيف تربيهم، وتحسن كيف توجههم بالميزان العدل، من دون إفراط ولا تفريط. بالعلم تضع كل شيء في موضعه، بالميزان العدل الذي أراده الله عز وجل للخلق. فأنت تحسن تسيير أمر أسرتك، وتحسن في معاملتك للمخلوقين على اختلاف مراتبهم ومنازلهم. تعرف حق الوالدين، وتعرف حق الأقربين. تعرف حق الزوجة وحق الأبناء، وحق الجار، وحق كل ذي حق. فبالعلم تضع كل ذلك في موضعه. بالعلم كذلك تستطيع أن تعالج ما يمر بك من أزمات وشدة. تستطيع أن تدفع ذلك بالعلم. لأنك بالعلم توجه إلى ما فيه الأمر العدل الذي أراده الله سبحانه وتعالى للخلق. حتى الفتن التي يستشرفها الكثير من الناس، فأنت بالعلم تكون من المتأنين، من المترفقين، من المحسنين. لأنك قد وجهت بنصائح وتوجيهات نبينا صلى الله عليه وسلم، وما جاء في دين الله جل وعلا وشرعه ما يحفظك من هذه الفتن والمحن. بلغت قول النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بعدم الاستشراف للفتن، وما أخبر به مما يبتل به الناس في آخر الزمان من الفتن. حتى يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا. يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. فأنت بلغت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «القائم فيها، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي». وأن «من استشرفها تستشرفه». كل ذلك تحذيرا أن يستشرف المسلم هذه الفتن، فلا يقربها بجسده ولا بسمعه وبصره، فضلا أن يشارك في ذلك بجوارحه. فأنت بمثل هذا وغيره يعصمك الله عز وجل ويحفظك، وتكون في سلامة وفي أمن من هذه الفتن والمحن. وهكذا مواضع كثيرة في حياة الناس يتخبط فيها الكثير بسبب جهلهم، فيفسدون على أنفسهم أمر الإسلام، فضلا عن الإيمان، فضلا أن يرجو مرتبة الإحسان. كم يحصل بين الناس في بيعهم وشرائهم من الظلم والعدوان، من بغي بعضهم على بعض. يبغي بعضهم على بعض بالغش والخيانة والخداع، والتعامل بالربا، والوقوع في أنواع من المعاملات والبيوع المحرمة. تارة بجهل، وتارة بظلم. وأما من وفقه الله عز وجل العلم وطريقة، فإنه لا يقرب معاملة يشك بها إلا ويسأل، إلا ويسأل ويتفقه في دين الله سبحانه وتعالى. فهو يستحضر دائما قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهو يستحضر قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وهكذا كذلك، كم يتخبط الناس في عقائدهم وعباداتهم بسبب الجهل والبعد عن العلم. يتخبطون في عقائدهم وفي عباداتهم. هذا يدعو غير الله ويرجو غير الله، ويذبح لغير الله وينذر لغير الله. وذاك قد ذهب يطوف بحجر لا ينفع ولا يضر، أو يأخذ من تربته أو يشق من خرقه ما يرجو به الشفاء والعافية، أو يدفع به ضرا عن نفسه. جهالات وخرافات وأمور مما هو شبيه بالأمور الوثنية الشركية التي كانت في أهل الجاهلية الأولى. دفع الكثير من الناس إلى ذلك الجهل وبعدهم عن العلم. وإلا لو تعلموا وتفقهوا ووقفوا على ما ورد في هذا الباب، لكان هذا مما يعينهم على سلامة عقائدهم وسلامة عباداتهم. هكذا أصناف من الناس ربما كما تقدم صاروا يتلاعبون بعباداتهم، بفرائض الدين. بل بعضهم إذا أداها أداها على غير وجه الشرعي. تأملوا إلى ذلكم الحديث في ذلكم الرجل الذي دخل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت بالصحيحين بحديث أبي هريرة رضي الله عنه. دخل إلى المسجد يصلي، ثم جاء يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه نبينا صلى الله عليه وسلم السلام، وقال له: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». فرجع فصلى كما كان صلى، ثم جاء فسلم، فرد عليه السلام، ثم قال له: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». فرجع فصلى كما كان صلى، ثم جاء فسلم، فردنا عليه السلام، ثم قال له: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». فقال: «يا رسول الله والله لا أحسن غيرها، فعلمني». فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، وأمره ما يصنع من تكبيرة الإحرام إلى أن يسلم، وعلمه أن يطمئن في صلاته. هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجد من يصلي، وصلاته غير مقبولة. فيقول له: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». وكم من أمثال هذا الرجل في زماننا هذا؟ كم من الناس من يصلي ولا يطمئن في صلاته؟ ينقرها كنقر الغراب، يسرع فيها حتى لا يؤدي واجبات هذه الصلاة ولا شروطها. كم من الناس من لا يحسن الطهارة؟ كم من الناس من لا يحسن أحكاما كثيرة في عباداته؟ أليس هؤلاء يحتاجون إلى العلم؟ أليس هؤلاء بالعلم يكملون ما ينقصهم من أمر إسلامهم، وما ينقصهم من أمر إيمانهم؟ فيا بذلك نعلم أيها الأحبة أن حاجة المسلم لهذا العلم حاجة ضرورية. يجب أن يعتني بها، وأن يعطيها ليس فضل وقته ونافلة فراغه، ولكن يجب أن يعطيها أصل وقته ولب حياته. فإن ذلك مما تكون به سعادته بالدنيا والآخرة. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس وغيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». لو سأل الواحد منا اليوم: «متى آخر مرة قرأ القرآن؟» هذا القرآن الذي هو دين الله سبحانه، ومع ما فيه من العلم، فهو سبب لصلاح القلوب والجوارح. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى. لقال الكثير من الناس: «إلا من رحم الله، أذكر أني آخر مرة فتحت المصحف كان في شهر رمضان، كان في شهر رمضان الماضي». إلا القليل ممن رحم الله. وهكذا كذلك لو سألت أحدهم: «متى قرأت شيئا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» نبيك ورسولك الذي أمرت بأخذ الدين عنه، وتعلم العلم والتفقه فيما جاءك به. أليس الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. تجد أن الكثير من الناس لا يذكر نفسه أنه وقف أو أعطى لنفسه وقتا يتأمل في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيتعلم منها العلم. مع أن الكثير من الناس يعطي أوقاتا كثيرة للقراءة، ربما معظم وقته له شغف بقراءة الشعر، وآخر بقراءة القصص، وآخر بقراءة الأدب، وآخر بالاطلاع على أصناف الثقافات والعلوم. بذل في ذلك وقته، وهذا الذي به سعادته بالدنيا والآخرة لم يلتفت إلى ذلك. لو سألت أحدهم: «متى سمعت شريطا نافعا ترقق به قلبك، وتعين به على إصلاح حياتك؟ تستعين به في الوقوف على ما تحتاجه في تربية الأبناء، وإصلاح أمر الزوجية، وما يكون في بيعك وشرائك، وما يكون في عقيدتك وعبادتك، وغير ذلك من جوانب الحياة الواسعة التي لا تستغني عن هذا العلم؟» لا سمعت الكثير من الناس أنه لا يذكر أنه وقف على شيء من ذلك، ربما لسنوات كثيرة. لو سألت أحدهم: «هل دخلت مكتبة دينية لتشتري بها كتابا، أو تغتني مطوية تصلح بها نفسك، أو تستعين بها على إصلاح أحد من ولدك أو أهل بيتك أو قرابتك؟» لأجابك الكثير من الناس: «إلا من رحم الله، أنه لم يذكر ذلك، ولم يخطر بباله أن فعل مثل ذلك». لكن الكثير قد دخل مواضع أخرى، واشترى أشياء عدة، ولكنه لم يخطر بباله أن يستعين بمثل هذا الكتاب أو ذاك الشريط أو تلك المطوية، ما يعين على إصلاح نفسه أو إصلاح غيره. هل فكر أحدنا يوما من الأيام أن يهدي شيئا من العلم، فيقفه في مسجد، أو يضعه ضمن هدية لقريب، أو يجعله في سيارة، أو يهدي به رفقة في سفر، أو غير ذلك مما يكون به بث العلم ونشره، وإيجاد موضع من مواضع الصدقة التي ينتفع بها الإنسان بعد موته؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». تأمل عباد الله مثل هذا،