من تاريخ اليهود

الدرس في من تاريخ اليهود، محاضرة في مسجد بلكديش بمنطقة قصيعر ليوم الجمعة 19 محرم 1430 هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير المسلمين من مكر اليهود

يُنبه الشيخ المسلمين إلى ضرورة أخذ المواقف الصحيحة تجاه اليهود من كتاب الله وسنة رسوله، ويحذر من اتباع العواطف والحماسات في التعامل معهم. يُذكر أمثلة على تحريف اليهود لكلام الله وعدم طاعتهم لأوامره.

تاريخ اليهود الأسود وعداوتهم للإسلام

اليهود أهل تحريف لكتاب الله ونقض للعهود، وقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. لهم تاريخ أسود مليء بالشناعات والبشاعات ضد أهل الإيمان، حيث قتلوا الأنبياء وكذبوهم وأرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

صفات اليهود وعداوتهم للإسلام والمسلمين

اليهود لعنهم الله لخيانتهم ومكرهم ونقضهم للعهود، اتصفوا بصفات سوء كثيرة كالخيانة والكذب والفجور في الخصومة. كما حرفوا كلام الله وادعوا أنهم أحباء الله، وتمادوا في عداوتهم حتى اعتدوا على الله سبحانه وتعالى بكلامهم الباطل.

مكر اليهود وتحريفهم لدين الله

يذكر المقطع مكر اليهود وتحريفهم لدين النصارى وإدخالهم ما ليس منه، كما حاولوا الاعتداء على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. غيروا وبدلوا في دينهم واستطاعوا صرف النصارى عن الحق، وحاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ووضع السم له.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، كما سمعتم في كلمة أخينا الفاضل أبي هسامة حفظه الله تعالى، في الغرب، من طرح هذه المواضيع في الكلام على اليهود وتاريخهم، وأن الغرب أخذ العبرة والمواقف الصحيحة من الكتاب والسنة ومن أقوال سلف الأمة. فإن الله جل وعلا ذكر لنا حال اليهود وتاريخ اليهود ومواقف اليهود مع عباد الله سبحانه وتعالى ومع رب العالمين ومع ملائكة رب العالمين ومع رسل الله. وهكذا ذكرنا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا سطر سلفنا الصالح شيئا عظيما من مواقف هؤلاء ضد أهل هذا الدين، وهذا واضح أبين. لكن كثيرا من الناس ربما يجهل المواقف الصحيحة تجاه مكر اليهود وتجاه غدر هؤلاء؛ لأن الناس أكثر الناس اليوم يأخذون الأمور بالعواطف وبالحماسات وبالعقول، فيحكمون بعقولهم ويحكمون بعواطفهم ويحكمون بحماساتهم. أليس الله جل وعلا الذي ذكر لنا مكر هؤلاء وغدر هؤلاء وخيانة هؤلاء؟ ألم يذكر لنا ربنا عز وجل أيضا في كتابه الكريم ما هي المواقف الصحيحة التي ينبغي أن يلتزمها المسلم تجاه ما يلاقي من هؤلاء أعداء الرسل والرسالات والملائكة؟ وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فلذلك مما يستفاد منه في طرح هذه المواضيع أخذ المواقف الصحيحة تجاه هؤلاء، وأيضا كذلك عدم استغراب ما يحصل من هؤلاء؛ فإن القوم على نهج سلفهم سائرون، هم سائرون على قدر أسلافهم وعلى خيانة أسلافهم السابقين، فهذا غير مستغرب منهم، هم لن يفرشوا الورود لأهل الإسلام، ولن يرضوا عن أهل الإسلام إلا كما أخبر الله عز وجل: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، فهذا الحاصل منهم ليس بغريب، فقد حصل ربما ما هو أعظم من هذا الحاصل منهم اليوم ممن سبقهم من أسلافهم. وهكذا علينا عباد الله أيضا أن نرجع الأمور إلى أهلها، أهل العلم، أهل العلم الراسخين في العلم، فهم الذين يفقهون كتاب الله جل وعلا حق فقهه، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم الذين يبينون للأمة الموقف الصحيح تجاه هذه المؤامرات التي يشنها هؤلاء أعداء الإسلام. وهكذا ما هو الذي ينبغي وعلى الأمة أن تلتزم وصايا علمائها وما يفتون به من كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، لا يتبع كلام الناعقين الذين ينعقون أهل الإعلام أو أهل الجرائد؛ فإنهم إنما يحكمون بحماسات كاذبة وبعواطف لا تستنبط من كتاب الله ولا من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. يقول للناس: اخرجوا مظاهرات، افعلوا كذا وكذا، افعلوا كذا وكذا، بما هذه المؤامرة تكون هي مخالفات في حد ذاتها تخالف كتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو أن تكون هذه أصل من أعمال الكفار من أعمال اليهود، هؤلاء الذين هم يدعون الله جل وعلا عليهم فيعملون أعمالهم، من مثل هذه الأمور التي يفعلونها بتحكيم العقول أو العواطف أو الحماسات وغيرها. لا تأخذ الأمة المواقف الصحيحة إلا من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن الذي يبين ذلك هم العلماء، وفي مقدمتهم العلماء الراسخون الربانيون الذين يحكمون حكما موافقا لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذه الأمور لا بد أن تعلم، وهذه كلمة بين يدي محاضرة شيخنا الفاضل أبي عبد الرحمن حفظه الله تعالى، أذكر فيها شيئا من تاريخ هؤلاء القوم مما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أبو أسامة حفظه الله، شيء مما ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم، ومن ذلك كما سمعتم وصف هؤلاء اليهود رب العالمين جل وعلا بهذه الأوصاف البشعة؛ فقد وصف الله جل وعلا بأن يده مغلولة، وقالت اليهود: يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وهكذا كذلك جعلوا لله جل وعلا ابنا وهو العزير، كما قال جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، فقد نسبوا إلى الله سبحانه وتعالى الولد، ربنا عز وجل الذي نزه نفسه عن الولد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فقول اليهود وقول النصارى إنما هو يضاهي قول الذين أشركوا من قبلهم، حيث جعلوا لله الولد، وجعلوا الله البنات كما أخبر الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك اليهود حرفوا كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾. فاليهود أهل تحريف، حرفوا كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، أمرهم الله جل وعلا أن يدخلوا المسجد سجدا ويقولوا حطة، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فالله أمرهم أن يقولوا حطة، فهم قالوا حنطة، أي حبة شعير، فحرفوا كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، ودخلوا يزحفون على أستاههم سخرية وعدم مبالاة بكلام الله جل وعلا. ورحم الله الإمام المقتدر، رحم الله تعالى، إذ يقول في هذا أمر اليهود بأن يقولوا حطة فأبوا وقالوا حنطة لهواني. وكذلك الجهمي قيل له استوى فأبى وزاد الحرف للنكراني نون اليهودي ولام جهمي هما في الميزان سيان، وبعضها العلم يقول في وحي رب العرش زائدتان. فاليهود أهل تحريف لكتاب الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من تاريخ اليهود أنهم أهل نقض للعهود، كما سمعتم في الآية الآن: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. كم نقضوا العهود مع أنبياء الله سبحانه وتعالى ومع نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام، وكم نقضوا كذلك العهود مع أهل الإسلام، فهم أهل نقض للعهود، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا عهدا، لعنهم الله جل وعلا. ولذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، بل أخبر ربنا عز وجل كذلك في كتابه الكريم عن شيء من حيلهم، فقال سبحانه وتعالى كما في سورة الأعراف في قوله جل وعلا: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. إلى آخر الآيات، ففي هذه الآيات أخبر ربنا عز وجل عن شيء من حيل هؤلاء، الله عز وجل حرم عليهم الاصطياد يوم السبت، وابتلاهم في هذا اليوم بإتيان الحيتان، فجعلوا يلقون شباكهم يوم السبت ويأخذونها يوم الأحد، هذه حيلة؛ لأنهم أهل حيل والعياذ بالله. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام كذلك عن شيء من حيلهم، فقد جاء في الصحيحين في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها». وهكذا كذلك هؤلاء اليهود من تاريخهم الأسود أنهم جعلوا مع الله جل وعلا أربابا من دونه جل وعلا، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فاليهود جعلوا له عز وجل ندا، جعلوا هؤلاء الأحبار حلولا لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال، واعتقدوا حل ذلك، فجعلوا مع الله سبحانه وتعالى أربابا، قبحهم الله. وهكذا اليهود بنوا على قبور أنبيائهم المساجد، فوقعوا في الشرك بالله سبحانه وتعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وغيرها رضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين، قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: «يحذروا ما صنعوا». فاليهود اتخذوا قبور الأنبياء مساجد، هذه سنة يهودية، للأسف الشديد، تجد أهل الإسلام على هذه السنة اليهودية، فكم هي القبور التي شيدت وبنيت عليها القباب، ورحل الناس إليها من المشارق والمغارب، يعظمونها مع الله، وربما يطوفون بها، بل ويتبركون بها، بل ويدعونها المدد، وكذا وكذا من الحاجات، وكشف الكربات، إلى آخر ذلك. فهذا وقع فيه اليهود، فهذه سنتهم، أخبر عنها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا اليهود أعداء رب العالمين، وهم أعداء كذلك ملائكة رب العالمين سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾. سبب نزول هذه الآية ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في إتيان اليهود بأسئلتهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يسألونه عن الأمور التي وجدوها في التوراة عندهم مما يدل على صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وقد أجابهم النبي عليه الصلاة والسلام كما علموه من كتابهم التوراة، ولكنهم ليسوا أهل حق ولا يريدون الحق، فبماذا خرجوا من هذا؟ سألوا النبي عليه الصلاة والسلام: من يأتيك بالوحي؟ قال: «جبريل». فقال: «ذاك عدونا ينزل بالحرب» إلى آخر ما قالوا. انظروا كيف جعلوا جبريل عدوا لهم؟ فأخبر الله جل وعلا أن من كان عدوا لجبريل أو لأحد من ملائكته فهو عدو لله، وهو عدو لملائكة الله جميعا، وهو عدو كذلك لرسل الله جميعا. وهكذا كذلك من تاريخهم الأسود مع أنبياء الله ورسل الله عليهم أفضل الصلاة جميعا أنهم قتلوا الأنبياء وكذبوا الأنبياء، فأمرهم بين حالي إما تكذيب الأنبياء وإما قتل الأنبياء، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. قال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾، فكذبوا أنبياء الله وقتلوا أنبياء الله. وهكذا كذلك أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كذبوا رسالته، مع أنهم كانوا يقولون للمشركين: «إنه سيبعث نبي وسنقاتلكم معه». ولكن بعد أن جاء النبي عليه الصلاة والسلام فحسدوه وأنكروا نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وفي الآية الأخرى قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآيات. فهذا في تكذيبهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام ولرسالته. وهكذا كذلك أرادوا قتله عليه الصلاة والسلام، فكلنا يعلم ذلكم الحديث الذي أراد تلك اليهودية التي دعت النبي عليه الصلاة والسلام وعلى شاة، فجعلت السم في هذه الشاة لتقتل نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا أرادوا سحر النبي عليه الصلاة والسلام، فلبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي عليه الصلاة والسلام في مشط ومشاطة. فهؤلاء هذا فعلهم مع رسل الله ومع نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا كذلك حقدهم على أهل الإيمان وعلى أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس بن مالك في قصة ذلك اليهودي الذي جعل صحابية بين حجرين ورضخ رأسها، جاء النبي عليه الصلاة والسلام وكان بها رمق، فسألها: «من بك؟» «فلان فلان فلان» حتى ذكروا اليهودي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جعلته بين حجرين فرضخ رأسها». انظروا الحقب وانظروا هذه البشاعة، يرضخ رأس امرأة بحجر عظيم، لماذا؟ ما عندها ماذا فعلت معه؟ لا ذنب لها إلا أنها كانت على هدى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا ما يدل على شدة عداوة اليهود لأهل الإيمان، ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. فعداوتهم شديدة لأهل الإيمان، وحسدهم كذلك عظيم، ومكرهم كذلك لأهل الإيمان عظيم، وكم سطر التاريخ من شناعات وبشاعات قام بها هؤلاء. وهكذا هم ليسوا أهل أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فهم أهل فتن وأهل حروب متواصلة، كلما أوقد الله جل وعلا نارا كلما أوقدوا نارا أطفأها الله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. فهذا شيء مما ذكر في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من خيانة هؤلاء ومن حقدهم. ونسأل الله جل وعلا أن يوفق شيخنا الفاضل كذلك في استحضار مكر هؤلاء وذكر ذلك والانتفاع به، وما أيضا يذكره من وصايا في هذا الباب العظيم. فنسأل له جل وعلا أن يجعله وإياكم، ويحفظنا ويحفظ إخواننا في كل بلاد أهل الإسلام من أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، إنه على ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين. ولفضل شيخنا الفاضل أبي عبد الرحمن حفظه الله تعالى ورعاه، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده جل وعلا الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وإن من عظيم ما أنعم علينا من نعمة الإسلام والسنة والتوفيق لطريقه عليه الصلاة والسلام، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. جزى الله خيرا إخواننا على حسن ظنهم بإخوانهم وحرصهم على دعوتهم، وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا عند حسن ظنهم، وأن ينفعنا وإياهم بما علمنا وسمعنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فاتبعوا أحسنه. ونحمده سبحانه الذي يسر لنا مثل هذا المجلس المبارك في بيت من بيوت الله، نتذاكر مثل هذه المسائل العظيمة التي تبين للمسلم ما يجب أن يعلمه وما يجب أن يرسمه لنفسه في مثل هذا المقام. وفي مثل هذه المواقف التي يتخبط فيها الناس وتتشتت فيها الآراء والمواقف، ويكون عند ذلك كذلك التناقضات، فالمسلم إن تمسك بدين الله عز وجل وفقه الله عز وجل للسداد في القول والعمل. ولهذا كان من إخوانكم ترتيب مثل هذه الكلمة وهذا المجلس عونا لأنفسنا ولإخواننا على التذاكر بما ينفعنا في مثل هذا المقام. وأجز الله خيرا أخانا أبا أسامة على مقدمته، وقد سمعنا خيرا كثيرا فيها، حفظه الله تعالى. وهكذا كذلك أخونا الفاضل أبو خالد، حفظه الله تعالى، في هذه المشاركة النافعة القيمة المفيدة التي استوعب فيها مواضع كثيرة مما يبين لنا جليا حقيقة تاريخ هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله عز وجل في كتابه وعلى لسان رسله عليهم الصلاة والسلام. وهكذا كذلك نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. وهكذا يؤكد ذلك ما مر على تاريخ هذه الأرض من لمسات أفعالهم وما جنته أيديهم تجاه الناس جميعا، وأهل الإيمان على وجه الخصوص. وإن لو رحنا نستقصي ونجمع ما جرى للناس جميعا وللمسلمين والمؤمنين على وجه الخصوص، لا ضاق بنا المقام من سرد بعض ذلك، فضلا عن كله. فإن هؤلاء أمة خبيثة ماكرة خائنة، اتصفت بسبب سوء علمها وعملها صفات سوء كثيرة، فزادهم سوءا مع سوئهم لعنة الله عز وجل عليهم وغضبه عليهم. فإن الله عز وجل لعنهم وغضب عليهم بما كان منهم من سوء فعال، وما كان منهم من نقض لعهود الله عز وجل، وما كان من مكرهم ومن خيانتهم، كما أخبرنا الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. لعنهم الله عز وجل فطردوا من رحمة الله، طردوا من رحمة الله فلم يسلكوا سبلها وطريقها، وطردوا من رحمة الله عز وجل فحرموا فعل أسبابها، وطردوا من رحمة الله جل وعلا فكانوا من الداعين إلى سخطه، ومن أئمة النار في هذه الدنيا، يدعون إلى شرها وبؤسها بعلومهم وبعملهم وبسائر ما هم عليه في هذه الدنيا. وجعل الله عز وجل قلوبهم قاسية بسبب نقضهم لمواثيق الله عز وجل وعهوده، ومكرهم وتلاعبهم بحدود الله جل وعلا وشرعه ودينه، جعل الله عز وجل قلوبهم قاسية، وجعلهم كذلك أهل حنق وأهل فجور في الخصومة حتى مع ربهم سبحانه وتعالى. هم الذين يدعون أنهم أهل دين ويدعون أنهم أهل علم، وأنهم أهل هداية، وأنهم أحباء الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، كذبا وزورا. ومع ذلك إذا نزل من شرع الله جل وعلا ودينه ما يخالف أهواءهم أو يخالف ما يشتهون من شهواتهم، فإن فجورهم وخصومتهم في الفجور وخصومتهم في هذا وفجورهم في الخصومة لم يقف عند الخلق بحسب، بل يصل إلى رب العالمين سبحانه وتعالى. فهم الذين قالوا عن ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وهم الذين قالوا عن الله عز وجل لبخلهم وشحهم وحبهم للدنيا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. أخذهم الغضب أن أمروا بالصدقة، وأن حذرهم الله عز وجل من البخل والشح الذي هو من أعظم أخلاقهم، حتى اعتدوا على الله عز وجل. وهكذا كذلك ما أخبرنا الله عز وجل من تحريفهم لما أنزل الله عز وجل من كتاب على رسوله موسى عليه الصلاة والسلام. حرفوا كلام الله عز وجل وغيروا الكلمة عن مواضعها، وسمعنا الآيات الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى كيف غيروا وبدلوا، وبعد تغييرهم وتبديلهم قالوا: «هذا من عند الله»، وما هو من عند الله، يكتبونه بأيديهم ثم يقولون: «هو من عند الله» سبحانه وتعالى، يخطونه على قراطيس ثم يجمعون: «أن الله عز وجل أنزله من عنده» سبحانه وتعالى. تغيير وتبديل، وإن دل ذلك على شيء، دل على تاريخهم الأسود الذي كانوا عليه. فإذا كان هذا فيما يتعلق بدين الله عز وجل وشرعه، فهم ليسوا أهل أمانة وليسوا أهل ديانة وليسوا أهل صدق، بل هم أهل خيانة وأهل مكر وأهل كذب وفجور، بل وفجور عظيم مع من يخاصمهم، حتى أنهم كانوا من أشد الناس خصومة وفجور فيها وبهتانا لما يعرفون من الحق لمن عرفوا الحق فيه. ففي الصحيح في قصة إسلام عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان من علماء اليهود، فلما أراد أن يسلم رضي الله عنه وأرضاه، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يدعو اليهود، وأنهم قوم بهد، فإنهم علموا بإسلامه بهتوه، يعني أنكروا خيره الذي كان عنده. فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخبرهم بإسلامه، فسألهم عنه، فذكروه بكل خير، وأثنوا عليه وعلى أبيه، فلما أخبرهم أنه أسلم وأظهر لهم ذلك، سبوه في نفس اللحظة، فلم يستحيوا من الله ولا من رسوله ولا من خلق الله، أن يكون منهم البهتان في نفس اللحظة، مظهرين لكذبهم وفجورهم وبهتانهم. وهذا يدلنا على هذا الخلق الذي هو من أعظم صفاتهم، فإن هذا الخلق مع غيره أذم شرا عظيما في الناس، شرا عظيما في الناس، من تغيير وتبديل لدين الله عز وجل. فإنهم الذين غيروا دينهم، فضلا عن دين غيرهم، حتى ذكر العلماء: أن الكثير مما أدخل في دين النصارى مما هو ليس من دين النصارى، كان بصنع وفعل اليهود، كان بصنع وفعل اليهود. كما ذكر العلماء ممن ألف في الملل والنحل، وذكروا في ذلك أخبارا فيها من العجائب الشيء الكثير، كيف مكر اليهود في إفساد دين النصارى بإدخال التحريف والتبديل فيه، وإدخال من ليس منهم فيه، حتى غيروا وبدلوا، واستطاعوا بذلك أن يصرفوا النصارى عن الحق الذي كانوا فيه. فهم قوم يعبدون في الحقيقة أهواءهم وشهواتهم الظاهرة والخفية. ولهذا حاولوا بمثل ذلك مع المسلمين، كم حاول اليهود الاعتداء على أهل الإسلام، سواء بالاعتداء على رسولنا عليه الصلاة والسلام، أو الاعتداء على المسلمين، أو محاولة إدخال ما ليس من الإسلام في الإسلام. هم الذين حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام حين أوحى الله عز وجل إليه، وكان بينه وبين اليهود صلح، فدعاه يهودي مكرا يستدرجه أن يأتي تحت بيت من بيوت اليهود، ويرمي آخر بحصاة فوق رأسه عليه الصلاة والسلام، فيقتله. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقعد تحت ذلكم البيت حين دعاه اليهودي، أوحى الله عز وجل إليه بما يريد اليهود، فرجع مسرعا، قاطعا ما كان يطمع به هذا اليهودي، ومن أراد أن يعينه على هذه الفعلة الشنعاء، وأمر المسلمين أن يتجهزوا لقتال اليهود؛ فإن الله أوحى إليه أنهم نقضوا الميثاق والعهد الذي بينه وبينهم. وهكذا السم الذي وضعوه للنبي صلى الله عليه وسلم في الشاة، فأكل منه عليه الصلاة والسلام، وصار يشتكي منه في كل عام مرة، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها. فأوحى الله عز وجل إلى نبيه أنهم وضعوا ذلكم السم في هذه الشاة. حتى دعا اليهود فقال: «إني سائلكم اليوم فأصدقوني في مسألتي»، ولم يبتدئ بما يريد من سؤال، فقال لهم: «من أبوكم؟» قالوا: «أبونا فلان»، فكذبوا، فقال: «بل أبوكم فلان»، فسكتوا، ثم قالوا: «صدقت». ثم قال: «إني سائلكم فأصدقوني أو قال مشددا عليكم فأصدقوني»، قالوا: «إن كذبنا فإن الله عز وجل سيبين كذب