الدرس في أسباب الجرائم في المجتمع، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 ذو القعدة 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الخطاب يدور حول أهمية اتباع دين الله لتحقيق الحياة الطيبة، ويبين كيف غير الإسلام حياة الناس من الظلمات إلى النور. صلاح المجتمعات يكمن في كمال استجابتها وانقيادها لدين الله.
يُنبه الخطيب إلى أن الذنوب والمعاصي تؤثر على صلاح المجتمع وترتبط بالاستقامة، ويحذر من الاستهانة بالذنوب الصغيرة لأنها تتضاعف وتتراكم وتؤدي إلى الهلاك. التمسك بدين الله وتحقيق معنى كلمة التوحيد أمر ضروري.
يؤكد النص على أهمية طلب العلم والحفاظ على الإيمان في استقامة الفرد والمجتمع، كما يشير إلى تأثير الرفقة الصالحة ومسؤولية الراعي عن رعيته في إصلاح المجتمع. المجتمع الذي يحرص على طاعة الله ينعم بالأمن والرخاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. هذه النعم عباد الله التي أنعمها علينا سبحانه ظاهرة وباطنة، نعم دينية وأخرى دنيوية، من بها سبحانه وتعالى على عباده وتكرم جل وعلا بإعطائهم إياها، كل ذلك لتكون لهم الحياة الطيبة في هذه الدنيا، وهكذا كذلك في الدار الآخرة. ولا تكون كذلك عباد الله حتى توجه هذه النعم على الوجه الشرعي الذي أراده الله سبحانه وتعالى من عباده، لأن الإنسان عباد الله بجهله وظلمه -جهله بغير علم وظلمه الذي يكون بنفسه الأمارة بالسوء- بهذين الوصفين يظل ضلالا بعيدا ويزيغ زيغا كبيرا. ولهذا كان من حكمة الله سبحانه وتعالى -وهو الحكيم العليم- أنه جل وعلا لم يترك الناس هملا، بل أرسل إليهم رسلا وأنزل إليهم كتبا جل وعلا؛ ليخرج الناس من ظلمات الجهل وظلمات الفسوق -بما يكون من النفوس الأمارة بالسوء- فيخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الظلال إلى الهدى، ومن أنواع الهلاك والفساد إلى معاني الصلاح والإصلاح. ومن تأمل حال الناس في هذه الدنيا عرف هذه الحقيقة العظيمة: أن الإنسان مهما بلغ في العقل والذكاء، ومهما ادعى من الطيبة وإرادة الخير، لن يصل إلى الكمال الذي أراده الله سبحانه وتعالى له؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، لن يصل إليه مهما بلغ من حسن النية، ومهما بلغ كذلك من الذكاء وإرادة الخير. ولكن بدين الله جل وعلا وشرعه يوفقه الله عز وجل لأكمل الأقوال والأفعال والأخلاق والآداب، وبه نعرف عظيم نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده. تأملوا في أمم كثيرة أرسل الله عز وجل إليهم رسلا وأنزل فيهم كتبا سبحانه وتعالى، كانوا في ظلمة ظلماء، وفي أنواع من الفواحش والمنكرات النكراء، فهداهم الله بعد ظلالهم، فتغيرت أحوالهم وصلحت أمورهم بفضل الله عز وجل ومنته. ومن ذلك هذه الأمة، بعث نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الجاهلية، وهم في غاية من الجهل والسوء، ما من شيء من الفواحش إلا وكان أهل الجاهلية يأتونه ويفعلونه، وما من شيء من المظالم إلا وقد اقتحموه واقترفوه، وما من شيء من معاني الخير والفضيلة إلا وهتك ستره. مع أن فيهم العقلاء، وفيهم الأذكياء، وفيهم من كانت له نية حسنة، لكنهم لم تكن لهم كلمة. كان الصالحون يبحثون عن حقيقة، وعن ما تكون به سلامتهم وسلامة غيرهم، فربما بعضهم تنقل في الأديان. كورق بن نوفل الذي كان من أمره أن قرأ علم أهل الكتاب، فترك ما عليه أهل قومه، وكان ينتظر خروج نبي علم من علم أهل الكتاب أنه قد دنى وقرب وقت خروجه ومجيئه. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى في غار حراء، فأتاه جبريل، فأنزل الله عز وجل عليه أول ما أنزل: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾، ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾، ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ﴾، ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾، ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فرجع إلى أهله -زوجته خديجة رضي الله عنها- فأخبرها بما رأى، وقد أصابه الخوف عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أمر عظيم، وهو يقول: «زملوني، زملوني» من شدة ما أصابه من البرد. فأخبرها بما رأى، وخشي على نفسه عليه الصلاة والسلام، فقالت له هذه الصحابية الجليلة العاقلة: «والله لن يضيعك الله؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتقوم بنوائب الحق» إلى آخر ما ذكرت من عظيم صفاته وخلقه عليه الصلاة والسلام. ثم أخذته إلى ورق بن نوفل، وكان قريبا لها، فبينا أنه الناموس الذي نزل على موسى. الشاهد من هذا أن تلك المجتمعات كانت في غاية من الجهل، فأثمر ذلك الشر العظيم في المجتمع، الظلم بلغ مبلغا عظيما، حتى أنه صار الناس يباعون ويشترون، صار الرجل ربما يكون رقيقا بسبب تراكم الديون عليه، وصل بهم الأمر أن يبيعوا أبناءهم، وربما وصل ببعضهم أنه يقتل ولده أو ابنته، وغير ذلك من أنواع السوء والفحش والشر. حتى الفواحش كانت على أمر عظيم، كما ذكر في الصحيح: أن الزنا كان في ذاك الزمان على أنواع وأمور عجيبة. وكل هذا بسبب الجهل، وهكذا كذلك اتباعها والنفس. فلما من الله عز وجل بهذا الدين العظيم، وأقبل الناس إليه شيئا فشيئا، أخرج الله عز وجل تلك الأمة من تلك الظلمات والجهالات إلى نور الإسلام وفضله وعدله وإحسانه. وهذا من عظيم فضل الله عز وجل على هذه الأمة، الكثير من أولئك بدلت سيئاتهم حسنات، وتغيرت حياتهم، وصلحت أمورهم، والذي أصلح ذاك المجتمع قادر جل وعلا أن يصلح هذه المجتمعات. وبه نعرف عباد الله أن ما ابتليت به مجتمعاتنا من أنواع الشرور والآفات -من المظالم أو الفواحش أو غير ذلك من أنواع الذنوب والمعاصي- فإن من أعظم أسبابها البعد عن دين الله سبحانه وتعالى. وصدق وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾. هذه الآية العظيمة تناولت حقيقة عظيمة مهمة، لم ينتبه لها الكثير من الناس، ولم يدرك كذلك عظيم قدرها. فإن حقيقة صلاح المجتمعات تكمن بكمال استجابتهم وانقيادهم لدين الله جل وعلا، فمتى ما كملت الاستجابة، وصدق المجتمع في الانقياد، فإنه عند ذلك يحصل الخير للفرد والمجتمع، ومتى لم يكن كذلك فلا تسأل عن الفوضى والشر الذي يكون بالمجتمع. إن الكثير من الناس ربما يظن أن القضية قضية إعفاء لحية، أو رفع ثوب، أو كذلك عدم سماع غناء، أو دعوة إلى الصلاة في المساجد، ثم يقول بعض أولئك: «هذه أمور شكلية، وهذا شيء من التشدد». وجهلا أن هذا قليل من كثير مما أمر الله عز وجل به، وتكون به صلاح المجتمعات. وأن من لم يستجب لنداء الله، ولم ينقاد لشريعة الله، فإنه تحيط به الأمور الحوائط التي تضر، تضر بدنياه وتضر بأخراه. ما أكثر ما يجهل الكثير من العامة حقيقة التمسك بدين الله عز وجل، وأن الصلاح والاستقامة مرتبطة ومرتبط بعضه ببعضه. فإن من استجاب لنداء الله في أمر الصلاة، لزمه أن يستجيب في سائر الأبواب الأخرى، كما قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾، أي: ادخلوا في هذا الإسلام من جميع أبوابه، لا نكن مثل أهل الكتاب: نؤمن ببعض ونكفر ببعض؛ لأننا إذا فعلنا ذلك أهلكتنا ذنوبنا ومعاصينا، فعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يقع في المجتمع. هذا الذي يفرق بين الصلاة وبين الغناء، والنظر إلى الأفلام الخليعة، وتلك المشاهد المحرمة، جهلا أنه بهذا أضر بصلاته؛ لأن الصلاة الحقيقية تنهى عن الفحشاء والمنكر. فلا يظن النظام أن هذا تشدد أو تنطع، لا والله، بل هذا هو عين الذي أراده الله منك؛ لأنك إذا لم تفعل ذلك، فأنت مثلك كمثل الذي يملأ الوعاء ويخرقه من أسفله، متى يمتلئ هذا الوعاء وينتفع بما فيه؟! ولهذا لا تزك النفوس، ولا تطهر القلوب، حتى يتحقق معنى كلمة التوحيد الحقيقية: «لا إله إلا الله»، «لا إله إلا الله» التي معناها: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى وحده، فأنت تعبده وتكفر بما سواه، وأنت تطيعه وتعصي من سواه، أنت تستجيب لندائه، ولا تتخلف عن مواضع طاعته ومرضاته، وفي نفس الوقت تجتنب جميع أسباب سخطه وغضبه. فإن أتيت بالطاعة وأتيت معها بالمعصية، لم تحقق كمال «لا إله إلا الله»؛ لأن «لا إله إلا الله» نفي وإثبات، نفي للشرك وإثبات للتوحيد، نفي للمعصية وإثبات للطاعة، نفي للبدعة وإثبات للسنة. وبهذا يكمل معنى «لا إله إلا الله» في حياته المسلم والمؤمن. ثم بعد ذلك لا تظننا أن من ابتلاه الله عز وجل بنفسه الأمارة بالسوء، فأخفق في أبواب أو باب من أبواب الطاعات، وباب أو أبواب من الذنوب والمعاصي، لم يتمالك نفسه وتبع الهوى الذي أهوى به، لا تظنن أن ذلك ينحصر عليه فقط في ذاك الباب، بل يضر بالأبواب الأخرى، يضر بالأبواب الأخرى. فلذلك أمره يكون إلى قلة ما دامه ومصر على ذنوبه ومعاصيه. فمثلا لو أن إنسان أقام دين الله عز وجل في معلم، ثم وقع في حب المال، فأخذه بحله وبغير حله، فصار يأكل المال من الجهة المحرمة، هذه المعصية تفتح عليه معاصي أخرى كثيرة؛ لأنه إذا استرسل بذلك تضرر. لو لم يكن إلا تغير قلبه، القلب الذي كان على خير يتغير، كما قال الله سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن القلب أشد تقلبا من القدر في غليانه». فالقلب يتقلب، ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو المعصوم صلى الله عليه وسلم- يكثر في دعائه: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى مرضاتك» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالشاهد من هذا أن هذا وحده يضر بالمرء، فكيف إذا انفتحت عليه أبوابا أخرى؟ فإنه ربما لحب المال يترك الصلاة، ولحب المال يضيع في بر الوالدين، ولحب المال يقع في أذية الجيران، وهكذا تنفتح عليه معاصي وأمور أخرى كثيرة، بل ربما يرضى بالرذيلة -بالرذيلة في نفسه وفي أهله وفي مجتمعه- وغير ذلك كثير. وهكذا قل في سائر الذنوب والمعاصي. ولهذا حذر المسلم من جميع الذنوب والمعاصي ألا يستصغر منها شيئا؛ لأنه إذا استصغرها كبرت عليه وتضاعفت وتراكمت. بل النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من صغائر الذنوب فضلا عن كبائرها، قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فمثلهن كمثل قوم نزلوا بواد، فأتى هذا بعود، وهذا بعود، حتى أنضجوا ما عندهم من طعام، إنهن متى ما اجتمعن على الرجل أهلكنه». فهذه الصغائر، فما بالكم بالكبائر؟ فهي أعظم وأعظم. ولهذا عباد الله كان لنا العظة فيما وعظنا الله عز وجل به في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته: من الاستمساك بطاعته، واجتناب معصيته سبحانه، ومن الأخذ بصدق بسنته صلى الله عليه وسلم ومتابعتها ولزومها؛ فإن في ذلك صلاحك يا عبد الله وسلامتك في هذه الدنيا، وهكذا كذلك في الدار الآخرة. ومتى ما تخلف عنك ذلك كان بذلك هلاكك وضررك في الدنيا فضلا عن الآخرة. وخصال الإيمان والإسلام عباد الله مترابطة متوافقة، فالإيمان شعب منه أركان، ومنه واجبات، ومنه مستحبات، وفيه نواقض أمر بالحذر منها تنقض هذا الإيمان وتزيله، ومنها ما ينقصه من المحرمات والبدع والمعاصي والمخالفات. والواجب على المسلم أن يحرص غاية الحرص على إبقاء إيمانه. وقال عليه الصلاة والسلام -كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين-: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». حتى إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان. فمن كمل إيمانه كمل عمله، ومن كمل عمله كمل إيمانه بذلك. وكما قال بعض أهل العلم: «لم يمط هذا المؤمن الأذى عن الطريق إلا وقد أماط الأذى عن قلبه؛ لأن إيمانه قد كمل». فلذلك فهو حريص على جميع خصال الإيمان، والعكس بالعكس. لا تجد الإنسان إحساسه ضعيف وميت، ويرمي بالأذى هنا وهنا، إلا وفي إيمانه دخن ونقص. وهكذا كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهب وهو مؤمن». انظر إلى هذا الحديث وتأمل فيه. تجد أن نبينا عليه الصلاة والسلام نفى الإيمان عن هؤلاء؛ لأنه لو كان مؤمنا كاملا في إيمانه لم يقع في هذه الفواحش وهذه الكبائر. وبه نعلم عباد الله أن المسلم يحتاج أن يعتني بنفسه ليسلم له دينه، وتصرح له دنياه وأخرى. ومن أول ما يعين المرأة على ذلك الحرص على العلم النافع؛ لأن العلم النافع عباد الله هو مرشدك، أنت يا عبد الله، إن لم يكن عندك علم تخبطت بجهلك، لم تميز بين الصواب من الخطأ، ولا باب الهدى من باب الظلال. لكن إذا حرصت على العلم النافع كان العلم النافع مرشدا لك، يأخذ بيدك إلى طريق السلامة والنجاة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم وغيره-: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». وليس من شرط العلم أن تترك العمل، أن تستطيع أن تطلب العلم بالحضور في مجالس العلم، ولو في وقت الفراغ -بين الأذان والإقامة- وهكذا كذلك بسماع الأشرطة النافعة، وقراءة الكتب المفيدة، بسؤال أهل العلم واستنصاحهم، والاستفادة من فتاويهم، وغير ذلك من الوسائل الكثيرة. فإذا فعلت ذلك صح فيك قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. بالله عليكم، هل يستوي من حرص على ما سبق من أمر العلم، مع من ترك نفسه كالبهيمة، لا يعرف العلم ولا أهله، ولا طريقته ولا بابه؟ هل يستوي هؤلاء وهؤلاء؟ لا شك أنه سيكون هناك فرق. فمن حرص على العلم فالعلم سيهذبه، والعلم سيؤدبه، والعلم سيحجزه -سيحجزه مما تهواه نفسه- مما فيه الضرر عليه، والفضيحة في الدنيا قبل الآخرة. وأما من ترك نفسه في جهلها، فإنه لا يميز بين نافع وضار، وهدى وضلال، فضلا عما تشتهيه نفسه الأمارة بالسوء، فإنه سيتابعها، وسيضعف في مقاومتها. وأما من وفقه الله عز وجل لطريق العلم، فإنه سيوفق لما فيه سلامته وصلاحه وكماله كما سبق. وهكذا كذلك من هذه الخصال والأمور التي يكون بها استقامة الفرد والمجتمع وسلامته من طريق الجرائم والفواحش والذنوب والمعاصي: أن يحرص على خصال الإيمان، وذلك باستيفاء الطاعات ما استطاع إلى ذلك سبيلا، واجتناب الذنوب والمعاصي؛ لأنه بهذا يقوى إيمانه. وهذا هو الفرق بين المجتمع المؤمن والمجتمع الكافر، الكافر لا يحجزه دين، ولا يراقب رب العالمين، فلذلك فهو لا يبالي بما يفعل وما يترك؛ لأنه لا ينضبط بأي ضوابط. ولهذا أنتم ترون ما في المجتمعات المؤمنة من خير ديني، وحتى خير دنيوي. المجتمعات المؤمنة المسلمة تحظى بنعم عظيمة دينية، وهكذا كذلك دنيوية. ومن أعظم الدنيوية: الأمن الذي يعيشونه، مع أن وسائل حفظ الأمن ضعيفة، ومع ذلك فالأمن -بفضل الله- في بلاد وديار المسلمين شيء عظيم. تأملوا إلى حال الكفار، وسائل حفظ الأمن -كما يقال- كثيرة ومتطورة وحديثة، ربما في بعض تلك المدن -وقد رأيناها في بلاد الكفر- شاشات المراقبة في كل الشوارع، وفي كل المحلات، والحراسة منتشرة، ومع ذلك تجد نسبة الجريمة في تلك البلاد تتضاعف كثيرا عن بلاد المسلمين. لماذا؟ لماذا؟ لأن بلاد الإسلام الوازع الإيماني والديني يردعهم، حتى إذا وعفت الرقابة، فعندهم من الإيمان ما يمنعهم من الوقوع في تلك الجرائم. وأما أولئك ليس عندهم مراقبة، وليس عندهم خوف من الله، ولا إيمان، وإنما هو أمر المراقبة الحسية، فإن وجدت كف الكثير، فإن غفلت وقعوا في أنواع الذنوب والمعاصي والجرائم. وبمثل هذا كذلك يقال في المجتمع المسلم، فالمجتمع الذي كمل في إيمانه وطاعته واستجابته لربه، فإنه مجتمع يمن الله عز وجل عليه بأنواع الرخاء والأمن والراحة والحياة الطيبة. والمجتمع الذي يقل فيه الإيمان، ويقل فيه كذلك خصال الخير والطاعة، فإنه مجتمع يبتلى أصحابه بشؤم أهل الذنوب والمعاصي. وكما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ما أصاب الناس من بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة». وصدق رضي الله عنه. ما يصيب الناس من بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة. والأمر كما قال سبحانه: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾. فمثلا لو أن الناس شكوا كثر فينا السرق، كثر فينا اللصوص، كثر فينا قطاع الطريق، كذروا. يأتي سؤال: من أين أتى هؤلاء اللصوص والسرق وقطاع الطريق؟ هل أتى هؤلاء من أناس كانوا يحافظون على الصلوات، كانوا يحافظون على فرائض الله، كانوا يحرصون على الخير ويتركون الشر؟ أبدا. لكن لما صار المجتمع لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ويضيق على أهل الصلاح، ويوسع لأهل الفساد، كثرة تاركو الصلاة، كثرة المتعاملون بالمحرمات والأمور المحظورة، هذا يبيع المخدرات والحشيش والحبوب، فيترك ويهمل، وهذا يبيع القات، وذاك ربما يبيع بالسر الخمر، وآخر يتعامل بالفواحش ويقع في الزنا، وذاك يقع في اللواط، وهكذا تسري الذنوب والمعاصي في المجتمع، ويقل الآمرون بالمعروف والنهون عن المنكر. ماذا تظن أن ذاك الذي وقع في تلك الذنوب سيقف عمله عند ذلك الذنب؟ أبدا. فهذا الذي فعل هذا الذنب غدا سيفعل ما هو أعظم، هذا الذي اليوم صار يشتري مثلا القات أو الحبوب بماله، غدا إذا قل ماله -ليس عنده دين، ليس عنده إيمان، ليس عنده مراقبة لرب العالمين- فإنه سينظر إلى الأموال القريبة من حوله وسينتهكها، وسيعتدي عليها. ربما أخذ من أموال الصيادين، أو أخذ من أموال الفلاحين، أو أخذ كذلك من أموال الضعفاء، إن كانت له سلطة أو كان له منصب فسيستغل السلطة والمنصب في أكل أموال الناس بالباطل. وإن كان صاحب بحر اعتدى في البحر وأفسد، وإن كان في البر اعتدى في البر وأفسد، وربما يعتدي على جيرانه أو بني عمه، بل ربما يعتدي حتى على أبيه وأمه. وهذا هو الواقع، ربما يشكي بعض الآباء أن ابنه قد سرق ماله -سرق ماله الذي في بيته- وغير ذلك كثير. عباد الله، تأملوا مثل هذه المعاني، واعلموا أن ما أصابنا هو بذنوبنا ومعاصينا، أن ما أصابنا هو بذنوبنا ومعاصينا. فاحذروا عباد الله، احذروا أن يبتلينا الله عز وجل في مجتمعاتنا بسبب تفريطنا في أنفسنا وفي إخواننا. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخصلة الثالثة من الخصال التي يكون بها صلاح المجتمعات. ولهذا كان الأمر به حتى جعله بعض أهل العلم -لكثرة ما ورد فيه من أوامر- أنه الركن السادس من أركان الإسلام. بل ربنا جل وعلا جعل خيرية هذه الأمة في هذا الواجب العظيم، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾، قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لعظم أمرها وشأنها. فليضرح المجتمع من وجود المحافظين على الصلوات، ومن حلق العلم والقرآن، ومن انتشار اللحى، ومن كذلك ومن انتشار الأثواب التي تدل على انتشار الفضيلة، وعلى انتشار أهل الصلاح الذين يصلح الله عز وجل بهم المجتمعات. ولنحذر في المقابل من انتشار مظاهر السوء والفساد؛ لأن ذلك لن يقف عند أخطائهم، بل إنه ستتعدى تلك الأخطاء إلى مجتمعنا. هذا اليوم الذي هو مخزن وقاعد في ركن من الأركان هو شؤوم على هذا المجتمع؛ لأنه اليوم يأكل من ماله، وغدا إذا قل ماله فإنه سيعتدي عليك، ربما يقف عليك في الطريق ويأخذ مالك -شئت برضى أو بغير الرضى- وهكذا يفعل أنواع الأفاعيل ليستمر فيما قد ابتلاه الله عز وجل به. تأملوا هذا، وبه تعرفون أن الذنوب والمعاصي لا تنحصر -لا ينحصر شؤومها على أصحابها- بل والله ثم والله ثم والله شؤومها ينتقل إلى كل المجتمع. فكل المجتمع تضرر من آثار هذه الذنوب والمعاصي، أصحاب الفواحش من عرفتموهم في المجتمع يفعلون ويقارفون تلك القاذورات، لا تسكتوا، بل أمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وانصحوا لإخوانكم المسلمين في المجتمع؛ لأن السكوت عن أمثال هؤلاء سبب لاستشراء شرهم. اليوم هو واحد، وغدا سيكون له اتباع وأصحاب ورفقاء، فيزيد الشر في المجتمع، ربما يبتل المجتمع حتى يكون ولدك وولد أخيك وولد جارك وولد ابن عمك كلهم من أهل هذه الرفقة السيئة. وبه نصل كذلك إلى أن من هذه الأمور التي يكون بها صلاح المجتمع: الحرص على الرفقة الصالحة، والحذر من الرفقة السيئة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال -كما في السنن من حديث أبي هريرة بسند حسن-: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وهؤلاء الذين أفسدوا المجتمع، فصار الكثير من شبابنا من الشباب التائهين الضائعين الساقطين في أنواع القاذورات -إلا من رحم الله- ما كان أولئك إلا بسبب رفقة السوء. نسأل الله السلامة والعافية. بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فتتمة لما سبق: عباد الله، إن مما كذلك تصلح به المجتمعات، ويكون به إعانة الفرد والمجتمع على طريق الاستقامة والسلامة -كما سبق-: الحرص على مراقبة الرفقة. فالرفقة إن كانت صالحة أعانت على الخير، وإن كانت سيئة فإنها سبب للشر والسوء. ولذلك فالمسلم ينبغي أن يحرص على ذلك في نفسه، وفي أولاده وأبنائه، ومن وكله الله عز وجل رعايته، بل حتى الجار مع جاره؛ فإن من تمام النصح له أنه إذا رأى له صلة بأهل السوء حذره -أو بعض أبنائه أو بناته- حذره من ذلك. ولو أن الناس قاموا ببعض هذا الواجب -فضلا عن كله- لو أنهم قاموا به لسلم المجتمع من شرور كثيرة. ولكن سكوت الكثيرين وعدم قيامهم بهذا الواجب أثمر الإخفاق والخلل الذي كان به انحراف الكثير من الناس في المجتمع. وبه ننتقل إلى أمر آخر مما يكون به إصلاح المجتمعات: وهو قيام كل راع بما استوجب الله عز وجل عليه في رعيته، كما جاء معناه في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». ثم ذكر ولي الأمر -أي السلطان أو من ينوبه من أرباب المسؤوليات- فهم رعاة ومسؤولون عن رعيتهم، سيسألون عن هذه الرعية يوم القيامة. فعليهم أن يقوموا بهذه الأمانة، وذكر الرجل أنه راع في بيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، حتى الخادم له مسؤولية ورعاية، وسيسأل عن مسؤوليته ورعايته. تأملوا في هذا عباد الله، في مجتمع -صغيرا كان أو كبيرا- يقوم المسؤول بواجبه، فيعين على إصلاح المجتمع، بيعانة أهل الصلاح والإحسان، والتضييق بقدر المستطاع على أهل السوء والفساد، كيف يكون حال هذا المجتمع؟ والله سيصلح، وسيكون مجتمعا مثاليا. وأما إذا فرط في مثل هذه الرعاية والمسؤولية، بل على العكس ربما بعضهم بجهله يسيء الظن بأهل الصلاح والإصلاح -من المحسنين من طلبة العلم وغيرهم- فيضيق عليهم، ويوسع لأهل الفساد، فعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يكون في المجتمع، حتى لا يسلم منه أحد. وهكذا الأب إذا قام بهذه الرعاية والمسؤولية في نفسه وأولاده، والأم والزوجة في أولادهما وبناتهما، لتحقق الخير الكثير. وأما إذا فرط الأب -كأن مسؤوليته تقف عند الطعام والشراب- الكثير من الآباء يظن أن مسؤولية رب الأسرة تقف عند توفير المأكل والمشرب والملبس. وليست هذه المسؤولية فحسب، بل المسؤولية الأعظم: أن تعتني بأخلاق أبنائك، وبدين أبنائك، وبآداب أبنائك؛ فأنت مسؤول عن ذلك يوم القيامة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يجد رائحة الجنة». فهذا الذي مثلا يدخل الدشوش إلى بيته، أو يترك أبناءه مع رفقة السوء وهو يعرف ويعلم ذلك، أو يراهم يسلكون طريق الانحراف، يتخلفون عن الصلاة، يقعون في بعض الذنوب والمعاصي، هل أدى هذه الأمانة؟ كان شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله يقول ويكرر ذلك كثيرا -مرة بصوته ومرة بكتابه بيده-: «إن من أدخل الدش إلى بيته فإنه يخاف عليه من حديث معقل بن يسار الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: ما من امرئ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت إلا هو غاش لرعيته إلا لم يجد رائحة الجنة». يعني يقول: إن فاعل ذلك يخاف عليه من هذا الحديث العظيم؛ لأن هذه الدشوش إذا دخلت إلى البيوت أفسدتها بما فيها من أنواع ما يعرض -مما لا يعين على الصلاح والإصلاح- الأفلام الهابطة، والمقاطع الماجنة، بل وربما قنوات خليعة، وأغاني كذلك فاسدة، وغير ذلك