الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 101، الدرس الأول بعد المائة:من( باب ما جاء في اللو ... فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد لأنها سوء ظن بالله ونفي لكماله وتكذيب لخبره وشك في وعده والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش استخدام 'لو' ومواضع النهي عنها في الإسلام، حيث تُعتبر منافية للتوحيد إذا استخدمت في الاعتراض على قدر الله. يُشير إلى أن الحديث النبوي يحث على الحرص على ما ينفع والاستعانة بالله دون عجز.
يشرح المقطع معنى استخدام 'لو' و'لولا' في الإسلام، ويبين أن استخدامها يختلف باختلاف السياق. إذا استخدمت للتحسر على فوات الخير أو لتحفيز العمل الصالح كانت محمودة، وإذا استخدمت للسخط على القضاء والقدر كانت مذمومة.
يناقش النهي عن سب الريح لما فيه من سوء أدب مع الله وتسخط على قضائه، ويشير إلى أهمية حسن الظن بالله وعدم التخرص بالظنون الكاذبة التي تنافي التوحيد.
يتناول حكم جعل السلام عليكم كالتنبيه في الجوال، حيث أنه يحتاج إلى جواب، وتركه أولى. السلام عبادة تتطلب إجابة، ووضعها كتنبيه قد يوقع في إشكال عند الرد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتاب التوحيد، باب ما جاء في اللو، وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية. وبالصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». قال فيه مسائل: الأولى تفسير الآيتين في آل عمران، الثاني النهي الصفة الصريح عن قول لو إذا أصابك شيء، الثالثة تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان، الرابع الإرشاد إلى الكلام الحسن، الخامس الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله، السادس النهي عن ضد ذلك وهو العجز. أورد رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره للمسائل التي تنافي التوحيد، ومن ذلك قول المسلم في اللو. والأصل أن لو حرف، والحرف لا يعرف. ولكن قال العلماء أنها تدخل على الحروف إذا أريد بها الحكاية وقصد بها معنى، فعرفت لأجل ما فيها من حكم. وهكذا بمعنى لو، لو لا، فهي تنافي التوحيد في مواضع لأجل ما فيها من تشبه بالكفار والمنافقين، ومواضع النهي عن لو كثيرة، ويمكن إجمالها بثلاثة معاني. المعنى الأول: أن ترد على وجه الاعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى، وتحته صور وكيفيات. من هذه الصور أن يكون على وجه سوء الظن بالله، وهذا يكون كثيرا في الأمر الغيبي المستقبلي. والوصف الثاني مما يكون فيه الاعتراض على قدر الله في أمر قد وقع، فإنه كذلك فيه معنى من معاني الاعتراض على قدر الله إذا أورد في الأمر الذي قد مضى ووقع، فصاحبه غير مسلم بقضاء الله وقدره. مع ما فيه كذلك من معنى فاسد آخر، وهو كونه يكون عنده شيء من معاني عقيدة بعض أهل البدع الذين يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه، فيزعمون أنه لا تأثير لفعل الله على أفعال العباد. والله جل وعلا خلق العباد وأعمالهم، والله خلقكم وما تعملون. ومن ذلك كذلك الندم على الأمر الدنيوي، فإنه منافي لكمال التوحيد في الرضا بقضاء الله وقدره. مثل أن يفوت شيء من الدنيا مال أو تجارة، فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، لو أني لم أفعل كذا لما خسرت كذا وكذا. فمثل هذا اعتراض على قضاء الله وقدره، وسوء ظن بالله جل وعلا، فهو منافي للتوحيد. والمعنى الثاني من معاني النهي: أن يكون فيه قطع بالغيب وحتم من غير ذكر مشيئة لله عز وجل. وهذا كذلك إيراد لو ولولا فيها بهذا السياق من المعاني المنهي عنها، كأن يقول مثلا: لو كان معه كذا لحصل له كذا، لو أنه فعل كذا لكان له كذا. فكونه يقطع بالغيب ويجزم به من غير ذكر مشيئة الله وعلمه، فهذا صار معتمد على الأسباب، معرض عن الله عز وجل، وهو كذلك ينافي الأدب مع الله. والمعنى الثالث الذي يدن فيه إيراد لو: أن يكون على وجه العجز والكسل. ومنه هذا الحديث، فالمطلوب العمل بالأسباب لا الاعتماد على الأسباب. فلابد من العمل بالأسباب لا العجز ولا الكسل، ولكن لا نعتمد على الأسباب. قال رحمه الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. والشاهد أن هذا قول المنافقين، فلو ها هنا اعتراض على قضاء الله وقدره. ولهذا كان الجواب من الله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. والله سبحانه يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. فهذه حكم من الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الإنسان إذا آمن بالقضاء والقدر، علم أن الخير فيما اختاره الله له. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية، كذلك اعتراض على قضاء الله وقدره، وذلك بقولهم: لو أطاعونا ما قتلوا. وفي الحقيقة كما قال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فلو ها هنا من المعنى المذموم الذي لا يجوز استعمالها بهذه الصيغة والكيفية. وقد تناول معنى لو ها هنا معنى العجز والكسل، ولهذا قال قبله: «وَلَا تَعْجَزْ». وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، لأنه خرج مخرج العجز والكسل، كما أن فيه كذلك سوء أدب مع الله، واعتراض على قضاء الله وقدره. ولهذا لم يجوز خروجه على هذا الوصف. والحديث الصحيح: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ». وفيه كذلك أن يحرص المسلم على ما ينفعه من أمور الدين والدنيا، وأن يستعين بالله جل وعلا. وفيه كذلك أن العمل بالأسباب يحتاج معه كذلك الاستعانة بالله. وكذلك أن من الاستعانة بالله العمل بالأسباب. ولهذا قال: «وَلَا تَعْجَزْ»، جمع بين الاستعانة والأخذ بالأسباب. وفي قوله: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ». في رواية: «قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ». فإن لو تفتح عمل الشيطان. أكثر روايات بالتخفيف، وذكر بعض أهل العلم أنها بالتشديد، يعني كذلك رويت. ومعنى أن قول القائل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، هذا مناف للتسليم لقدر الله. ولكن الواجب التسليم لما جاء في قدر الله، فتقول: قدر الله وما شاء فعل. قال: «فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». وعمل الشيطان: برد القضاء وعدم الرضا به، وبما يكون كذلك من العجز، وسوء الظن بالله، وسوء الأدب مع الله. وكل هذا من عمل الشيطان الذي يحبه ويفرح به. وقوله: فيه مسائل: الأولى تفسير الآيتين، فآل عمران يعني وما تضمنت من معاني لو المنهي عنها، لما فيها من اعتراض على قضاء الله وقدره، وأن ذلك من صفات المنافقين. وقول الثاني: النهي الصريح عن قول لو إذا أصابك شيء، معناه: إذا أصابك شيء فلا تقل لو، ولكن قل: قدر الله، أو قدر الله ما شاء فعل. فإن في ذلك تسليم لقضاء الله جل وعلا وقدره، وحسن ظن بالله، وكذلك حسن توكل وتفويض له جل وعلا، مع ما فيه من الصبر على قضاء الله وقدره. وكل هذا من حسن عبودية العبد مع الرب جل وعلا. وقوله: الثالث تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان، يعني من سوء الظن، ورد القضاء، وعدم الصبر، وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه. وقوله: الرابع الإرشاد إلى الكلام الحسن، يعني مما ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وهو أن يسلم لقضاء الله وقدره، وأن يقول: ما قدروا الله، أو قدروا الله وما شاء فعل. وهو يتضمن كذلك أن لو إذا خرجت مخرج الكلام الحسن فهي مما تجوز. وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابا، فقال: باب ما يجوز من اللو، وقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَلِمَةً﴾، وهي على قول لوط عليه الصلاة والسلام. ثم أورد عددا من الأحاديث، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ». وفيه قصة لما قال عمر: «نَامَ النِّسَاءُ وَالصِبْيَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ». وهكذا كذلك أورد حديث عبد الله بن عباس: «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ». والحديث ومر معنا قريبا في درس السياسة الشرعية. والشاهد أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ». وهنا قال: «لَوْلَا». وهكذا كذلك حديث أبي هريرة: «لَوْلَا أَنْ نُشَقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ». وحديث: «لَوْ مَدَّ بِي الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ». وغيرها من الأحاديث. فهذه تدل أن هناك لو ولولا تجوز. وجمع العلماء بينها بأن ما كان من لو ولولا للمستقبل فهو مما يجوز، حتى لو كان فيه تحسر لفوات مطلوب، فهو حسن إذا كان لأجل أمر ديني من أعمال الخير والبر. أما إذا كان لأمر دنيوي فهو مذموم. فالدنيوي كما مر معنا: لو أني فعلت كذا لكان كذا. أما الأمر الديني فهو تحسر على باب من أبواب الخير والبر، لا يقصد به رد القضاء، ولكن يقصد به حتى الغير والنفس على تداركه. كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». فقوله: «لَوْ» ها هنا على أمر مستقبل، فيه تحسر لفوات مطلوب ديني، ليس المقصود منه رد القضاء، ولكن المقصود منه استدراك ما قد فات، وحتى الغير عليه فيعلم بهذا أن لو إذا وردت مورد الكلام الحسن فهو مما يجوز فيها. وهكذا لولا، وإذا وردت مورد الكلام السيء مما سبقت الإشارة إلى بعض معانيه فهو مما ينهى عنه. وقوله: الخامس الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله، كما تقدم، يعني أن يجمع بين الأخذ بالأسباب والاستعانة بالله عز وجل. وبه يتم التوكل، فالتوكل لا يتم إلا كما مر معنا وتكرر بأمور، ومنها أن يجمع بين العمل بالأسباب والاستعانة والاعتماد على مسبب الأسباب. وقوله: السادس النهي عن ضد ذلك وهو العجز، لأن العجز معناه عدم العمل بالأسباب والتقاعص عنها. فهو مع ما فيه من منافاته للمطلوب الشرعي، فيه أضرار كثيرة. ومن تلك الأضرار: سوء الظن بالله، ورد القضاء، وغير ذلك مما يوقعه هذا الفعل. قال الشارح رحمه الله: باب ما جاء في اللو. قال: اعلم أن استعمال العبد للفظة لو على قسمين: مدموم ومحمود. أما المدموم فكأن يقع منه أو عليه أمر لا يحبه، فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا. فهذا من عمل الشيطان، لأنه فيه محذورين: أحدهما أنه يفتح عليه باب الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له إغلاقه. وليس فيها نفع، يعني كونه يحزن ويندم ويسخط، ماذا سيرد له مما مضى؟ لن يرد له شيئا. وهو كذلك فيه عدم الصبر لهذا البلاء الذي ابتلاه الله به. وهو يتضمن كذلك عدم الرضا بالقضاء، وسوء أدب مع الله. قال الثاني: أن في ذلك سوء أدب على الله وعلى قدره. فإن الأمور كلها والحوادث دقيقها وجليلها بقضاء الله وقدره. وما وقع من الأمور فلابد من وقوعه، ولا يمكن رده. فكأن في قوله: لو كان كذا، أو لو فعلت كذا كان كذا، نوع اعتراض، ونوع ضعف إيمان بقضاء الله وقدره. ولهذا فإنه وصف به المنافقون كثيرا. فالمنافقون عندهم سوء ظن بالله، وعدم رضا بالقضاء. فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم. قال: ولا ريب أن هذين الأمرين المحذورين لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد إلا بتركهما، لأنهما من لوازم التوحيد كما تقدم. قال: وأما المحمود من ذلك فأن يقول العبد تمنيا للخير، أو تعليما للعلم والخير، فهذا جائز. وكثيرا ما يكون في الأمور المستقبلية. قال: كقوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». ومعنى أن لو ها هنا وردت في معنى من معاني المدح والمعاني المحمودة، وذلك لأنه قالها عليه الصلاة والسلام على وجه التحسر على طاعة من الطاعات، يحث غيره على فعلها. قال: وقوله في الرجل المتمني للخير: لو أن لي مثل ما لفلان، لا عملت فيه مثل عمل فلان. فهذا في الخير حسن، وفي الشر سيء، لأنه أي ورد الحديث جاء من حديث ابن عباس وغيره، جاء في رجلين: أحدهما تمنى أن يفعل مثل فلان في الخير، وآخر تمنى ينفع مثل فلان في الشر. فلو في حق الأول محمودة، وفي حق الثاني مذمومة، لأنه في الخير في حق الأول فمعناه حسن، وفي الشر في حق الثاني فمعناه سيء. قال: ولو صبر أخي موسى ليقص الله علينا من نبإهما. يعني قال: أي بقصته مع الخضر. فهنا كذلك لأجل فوات الخير من أمور الطاعات وأبواب البر، فهو محمود. فلو هنا من الباب المحمود. قال: وكما أن لو إذا قالها متمنيا للخير فهو محمود، فإذا قالها متمنيا للشر فهو مذموم. فاستعمال لو تكون بحسب الحال الحامل عليها. إن حمل عليها الضجر والحزن، وضعف الإيمان بالقضاء والقدر، أو تمني الشر، كان مذموما. وإن حمل عليها الرغبة في الخير والإرشاد والتعليم، كان محمودا. ولهذا جعل المصنف الترجمة محتملة للأمرين، يعني قال: باب ما جاء في اللو، ولم يذكر جوابا للترجمة، اكتفى بإيراد الأدلة والمسائل. وهو يشير بهذا إلى أن الأصل فيها المنع بهذه المعاني الواردة في الأدلة. وما جاء من جواز فهو بحسب ما وجهه العلماء. قال رحمه الله: باب النهي عن سب الريح. قال عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ». صححه الترمذي. قال فيه مسائل: الأولى النهي عن سب الريح، الثاني الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره، الثالث الإرشاد إلى أنها مأمورة، الرابعة أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر. قوله: باب النهي عن سب الريح، أي هذا مدخل لمعرفة حكم النهي أو ما ورد من النهي عن سب الريح. وذلك لأن هذا مما ينافي التوحيد، لأنه سوء أدب مع الله. فالريح من خلق الله الذي وجهها الله بحكمته سبحانه وتعالى. فلا تأثير لها إلا بأمر الله. فالساب لها أولا معترض على أمر الله وقضائه. وثانيا متسخط لما وقع من القضاء. والواجب الصبر. قال: كما أن لها حكم، فالريح التي قد تؤذي بعض الناس لها عليهم فوائد ومنافع من الله عليهم بها بهذه الريح. فهي تخفف عليهم الحر، وتزيل عنهم الروائح الكريهة، وتنقي لهم أجواءهم من الأمراض والأسقام، وتبعد عنهم الآفات والحشرات الضارة، وغير ذلك من حكم الله فيها. بل هي جند من جند الله يعين بها من يشاء، ويصلطها على من يشاء. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدُّبُورِ». والصباء الريح الشرقية، والدبور الريح الغربية. نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور. ثم أورد حديث أبي بن كعب، والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه أو نهى فيه عن سب الريح، قال: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ». وذلك لما تقدم، لما فيه من سوء الأدب مع الله، لأنه لا تأثير لها بذاتها، إنما هي تسير بأمر الله. ولأن فيه كذلك تسخط على القضاء وعدم الصبر. ولهذا قال: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا». وتناول هذا معنيين: عن معنى الأول أن لها حكم، فقد ما يراه مكروها فيه الخير له. فهي تجلب السحاب الذي تكون به الأمطار، وتجري المياه والسفن التي يكون لهم فيها منافع، وغير ذلك. كذلك تناولت معنى آخر وهو الصبر على ما قد يبتلى به العبد من غير ذلك الخير الذي قد يقع. ولهذا فهو يدعو الله أن يجنبه شر هذه الريح. ولهذا قال: «وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ». كأنه قال: إن أردت بها عذابا فاجنبنا ذلك العذاب يا ربنا. والحديث كما ترون حديث صحيح، قد صححه غير واحد. وأشار في التعليق إلى الصحيح العلام الألباني رحمه الله له. وقوله: فيه مسائل: الأولى النهي عن سب الريح، يعني للحديث وللمعنى الذي سمعنا. وقوله: الثاني الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره، يعني في حكم الريح وما كان بمعناه مما هو كله من مخلوقات الله ومن جند الله: المطر، الريح، الحر، البرد، كل ما يكون في هذه الدنيا فهو من أمر الله. لا تأثير له بذاته، إنما بأمر الله جل وعلا. ولهذا من اعتقد أنها تؤثر بذاتها فهو بلسان الحال أو بلسان المقال يصدر منه ما يدل على ذلك. وهذا نقص في التوحيد. قال الشارح رحمه الله: باب النهي عن سب الريح. وهذا نظير ما سبق في سب الدهر، إلا أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر، وهذا خاص بالريح. وبه يعلم أن المقصود ليس الريح في حسبه، بل كل خاص من حوادث الدهر: الريح أو المطر أو الحر أو البرد أو غير ذلك. قال: ومع تحريمه فإنه حمق وضعف في العقل والرأي. فإن الريح مصرفة مدبرة بتدبير الله وتسخيره. فالساب لها يقع سبه على من صرفها. ولولا أن المتكلم بسب الريح لا يخطر هذا المعنى في قلبه غالبا لكان الأمر أفضع من ذلك. لماذا؟ لأنه قد يكفر، إذ أنه يسب الله المدبر. قال: ولكن لا يكاد يخطر بقلب مسلم، إنما يجري كثيرا على ألسنة الناس دون تأمل وتفكر وتدبر. ولهذا كان هذا مما ينافي التوحيد. قال رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الآية. وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية. قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل. وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته. ففسر بإنكار الحكم وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره الله على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح وسورة الأحزاب، وهي في سورة الأحزاب أكثر. قال: وإنما كان هذا ظن السوء لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده وعده الصادق. فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة. فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم. ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده. قال: فليعتني اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء. ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنت على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا. فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإن تنجو منها تنجو من ذي عظيمة، وإلا فإني لا أخالك ناجيا. قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية آل عمران، الثاني تفسير آية الفتح، الثالث الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر، الرابعة أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه. قوله: باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ إلى آخره، فيه إشارة إلى أنه كذلك مما ينافي التوحيد عدم حسن الظن بالله. فسوء الظن بالله مما ينافي التوحيد. ومنه التخرص بالظنون الكاذبة التي هي ضد اليقين. ولما كان ذلك مما ينافي التوحيد لم يكن هذا من خلق المؤمنين، وإنما كان من خلق المنافقين. ثم ذكر تفسير الآيات، وأشار إلى كلام ابن القيم رحمه الله. والشاهد منه أنه خلص ذلك بأن هذا كان من خلق المنافقين، إذ أنهم هم الذين كان عندهم سوء ظن بالله: ألا ينصر الله عز وجل رسوله، وأن دينه سيضمحل. مع أن الله جل وعلا قد قال وقد وعد، ووعده الحق: بأنه سينصر رسوله، وسيكون الدين كله لله. والله متم نوره ولو كره الكافرون. قال الشارح رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. قال: وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر الله به من أسمائه وصفاته وكماله، وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه يفعله، وما وعد به من نصر الدين وإحقاق الحق وإبطال الباطل. فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان. وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد، لأنها سوء ظن بالله، ونفي لكماله، وتكذيب لخبره، وشك في وعده. والله أعلم. هذا سائل يسأل يقول: هل يجوز أن يجعل قول السلام عليكم كالتنبيه في الجوال كما يفعل بعض الإخوة؟ لو تركها كان أحسن، لأنها عبادة وهي كذلك تحتاج إلى جواب. فماذا ستجاوب الجوال؟ ستقول: عليكم السلام.