القول السديد في مقاصد التوحيد  16

القول السديد في مقاصد التوحيد 16

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 16، الدرس السادس عشر:من( باب من الشرك:لبس الحلقة والخيط ونحوهما ... المصلحة للأحوال كلها دينيها ودنيويها والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الأسباب وضوابطها

يشرح الشيخ أحكام الأسباب وضوابط التعامل معها كما ذكرها العلامة السعدي. يجب على العبد أن يعرف ثلاثة أمور في الأسباب: أن لا يجعل سببًا إلا ما ثبت شرعًا أو قدرًا، وأن لا يعتمد عليها بل يعتمد على مسببها، وأن يعلم أنها مرتبطة بقضاء الله وقدره.

حكم تعليق الأسباب كالتمائم

يشرح المقطع حكم تعليق الأسباب كالتمائم والخيط، ويبين أن تعليقها شرك أكبر إذا اعتقد أنها تنفع بذاتها، وشرك أصغر إذا اعتقد أنها سبب لنفع الله. هذه الأفعال ليست من الأسباب الشرعية ولا القدرية.

ضوابط الاستشفاء بالقرآن

يُناقش المقطع التعلق بالأسباب الشرعية والقدرية في الاستشفاء، ويحذر من التعلق بالخرافات. كما يبين أن الاستشفاء بالقرآن له ضوابط شرعية، فلا يجوز التوسع فيه بدون دليل.

حكم الصلاة خلف إمام مشرك

إذا أفتى عالم بأن إمام مسجد مشرك، فلا تجوز الصلاة خلفه، ويمكن الصلاة في البيت إذا لم يكن هناك مسجد آخر.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه «القول السديد في مقاصد التوحيد»: قال: «باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه». قال: «وهذا الباب يتوقف فهمه على معرفة أحكام الأسباب وتفصيل القول فيها، أنه يجب على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور». وتفصيل القول على وجه الاختصار؛ لأنه قد شار في أول الكتاب أنه سيشرح شرحًا مختصرًا. قال: «أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور: أحدها: أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا. ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها، مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها. ثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت، فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، لا خروج لها عنه، والله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء». إن شاء أبقى سببيتها جارية على مقتضى حكمته؛ ليقوم بها العباد، ويعرف بذلك تمام حكمته، حيث ربط المسببات بأسبابها، والمعلولات بعللها. وإن شاء غيرها كيف يشاء؛ لئلا يعتمد عليها العباد، وليعلموا كمال قدرته، وأن التصرف المطلق والإرادة المطلقة لله وحده. فهذا هو الواجب على العبد في نظره وعمله بجميع الأسباب، هذه ثلاثة أمور، وهي تنبيهات بالنسبة للأسباب وأحكامها. أولها: كما قال: «أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا»، يعني سببًا للنفع أو لدفع الضر. فلا يعد الشيء سببًا حتى يثبت أنه سبب بالشرع أو بالقدر. أما بالشرع: بالنص من الكتاب أو من السنة. وأما بالقدر: بالتجارب والخبرة والحس والمشاهدة. فإذا وقع كذلك فهو سبب كوني. ومعنى كوني: أي أن الله عز وجل شاء أن يكون كذلك، وكان مما قدره الله. أحيانًا يقولون: «أن يكون سببًا شرعًا وقدرًا»، أو يقولون: «شرعًا وكونًا»، وكله بمعنى واحد. أو «شرعًا وعادة»، أو «وتجربة»، وكل هذه معاني تدخل في هذا المعنى الذي ذكره رحمه الله. فمثال السبب الشرعي: مثلًا سبب شرعي معنوي، مثل قراءة ﴿آية الكرسي﴾ أو ﴿سورة الفاتحة﴾ أو ﴿المعوذات﴾ في الرقية، فهذا ثبت دليله في الشرع. ثبت دليله في الشرع الرقية بمثل هذه الآيات. ومثال السبب الحسي الذي دل عليه الشرع: اغتسال المعيون بفضلات العائن، فهذا سبب حسي دل عليه الشرع. فلا يجوز اختلاق سبب للشفاء، سواء للشر قبل وقوعه أو بعد وقوعه، بدفعه أو رفعه، إلا بما دل عليه الشرع، كما سمعنا في المثالين. أو الثاني: أن يكون ذلك بالقدر، وكونه قد شاءه الله عز وجل فكان كونًا. مثال الثاني: مثلًا أسباب حسية، كشجرة السنا، مثلًا مسهلة للبطن، تعرفون السنا التي تسمى شربة السنا، هذا سبب كوني، وقدري، جربه الناس وعرفوه. وقد يكون الشيء كونيًا وشرعيًا في نفس الوقت، مثل الكي، الكي جرب الناس العلاج به، ومثل الحجامة جرب الناس العلاج بها، ومثل شرب العسل جرب الناس العلاج بها، فهذا سبب كوني، وفي نفس الوقت سبب شرعي، دل الشرع على أنه سبب للعلاج والشفاء. ومثال ما ليس بسبب لا شرعي ولا كوني: مثلًا كالدرس الذي نحن فيه، تعليق الخيط، سواء لدفع الداء أو رفعه، فتعليق الخيوط والودع وغيرها ليس بسبب لا شرعي ولا كوني، فلذلك صار من الشرك، ثم هو على ما تقدم قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر. وقوله رحمه الله: «ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها، مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها»، معناه أنه بعد علمه أن هذا سبب، سواء سبب شرعي أو سبب قدري، فإنه يعمل بها، ويعتمد على الله سبحانه وتعالى، لا يعتمد على السبب، حتى ولو كان هذا الشرعي من الشرع، مثل الرقية. فإن الرقية إنما تشرع بشروط، وهي أربعة: الشرط الأول: أن يكون بما دل عليه دليل الكتاب والسنة. والشرط الثاني: أن يكون باللسان العربي. والشرط الثالث: أن لا يعتمد على هذه الرقية، وإنما يعتمد على الله سبحانه وتعالى، ولا يعتمد على الراقي، ولكن يعتمد على الله سبحانه وتعالى، أي المسبب لا على السبب. والشرط الرابع: أن تكون بالكيفية الشرعية. مثلًا شروط الثلاثة الأولى: لو أتى بها برقية ليست من الكتاب والسنة، مثل بعض الصوفية يخترعون رقى يخترعون رقى لم يدل عليها دليل الكتاب ولا دليل السنة. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اعرضوا علي رقاكم». وأن يكون باللسان العربي؛ لأنه لو كان باللسان الأعجمي غير العربي ربما حصل له تحريف. وأن يكون معتمدًا على السبب ظاهرًا. والرابع في الكيفية: لو أنه اخترع كيفية معينة، مثل بعض الناس يرقي البيت من العين، كيف يقرأ على الماء ويرش على جدران البيت؟ يقول: «أنا قرأت ﴿آية الكرسي﴾ و﴿سورة البقرة﴾ والمعوذات»، إذن الشرط الأول توفر، الشرط الثاني ماذا؟ باللسان العربي، قرأه باللسان العربي، الشرط الثالث: يقول: «أنا اعتمد على الله ما اعتمد على أحد»، ولكن هل هذه الكيفية التي فعلتها كيفية صحيحة؟ الجواب: لا، ليست كيفية صحيحة، وهذا الباب توقيفي، هذا الباب توقيفي. فإذن لا يعتمد على السبب، بل يعتمد على الله سبحانه وتعالى. وثالثها: قال: «أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت، فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، لا خروج لها عنه، والله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء» إلى آخر ما ذكر. وخلاصته: أن يستيقن أن هذه الأسباب هي مرتبطة بأمر الله سبحانه وتعالى، فإن شاء أمضاها، وإن شاء عطلها سبحانه وتعالى، وغير أمرها ووصفها، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء. إن أمضاها أمضاها سبحانه وتعالى بمقتضى حكمته وعدله وفضله، وإن لم يمضها جل وعلا فهو كذلك لحكمة أخرى منه سبحانه وتعالى. من هذه الحكم: «لئلا يعتمد عليها العباد»، لئلا يعتمد عليها العباد. فأنت ترى كم من إنسان يستعمل السبب الشرعي والسبب كذلك القدر المجرب عند الناس أنه نافع، ولكنه بالنسبة لهذا الإنسان من الناس لا ينفعه، لماذا؟ حكمة من الله سبحانه وتعالى؛ حتى لا تلتفت القلوب من الله عز وجل المسبب الأسباب إلى عين الأسباب. لو صار الإنسان يرى أن كل سبب يباشره يثمر، تعلق قلبه بالسبب، ولم يتعلق بالله سبحانه وتعالى، صار حرصه على السبب أعظم من حرصه أن يكون ذلك من الله سبحانه وتعالى، فلا يعتمد على الله. فحكمة منه سبحانه وتعالى جعل الله عز وجل هذه الأسباب أحيانًا تنضي بمقتضى ما دل عليها الشرع كونها سببًا، وما كان في العرف والكون كونه سببًا على قانونه الذي قضاه الله جل وعلا. وأحيانًا لا يمضيه سبحانه وتعالى، وهذا لأجل أن تتعلق القلوب بمسبب الأسباب لا بالأسباب. وهذا شيء مهم ينبغي أن يكون في قلب الموحد: أن الأسباب مهما عظمت وجربت، فهو يعتمد على الله جل وعلا لا عليها. وفي هذا فائدتان: الفائدة الأولى: ما ذكره المؤلف رحمه الله: حتى لا يعتمد العبد على السبب، بل يعتمد على الله. والفائدة الثانية: أنه يزيد توكل العبد بربه جل وعلا، ويقينه به. فمهما أقبلت الأسباب وأدبرت، ما دام أنه بذل الأسباب الشرعية، فإن الله عز وجل كافيه وناصره. وانظر إلى مواقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هم أئمة الموحدين. إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أراد قومه أن يلقوه في النار، قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، يقين بربه جل وعلا، فجعل الله النار بردا وسلامًا. وموسى عليه الصلاة والسلام لما وقف أمام الماء والعدو من خلفه، قال له قومه: «إن مدركون»، قال بكلمة اليقين: «كلا إن معي ربي سيهدين»، فجعل الله عز وجل البحر كالطود العظيم، فرقًا كالطود العظيم. وهكذا كذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال ابن عباس: «لما قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل»، فكفاه الله عز وجل شر اجتماع الناس، أي يوم الأحزاب. قال رحمه الله: «إذا علم ذلك، إذا علم ذلك، فمن لبس الحلقة أو الخيط ونحوهما قاصدًا بذلك رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه يعني قبل نزوله، أو دفعه قبل نزوله، فقد أشرك؛ لأنه إن اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة، فهذا الشرك الأكبر؛ لأنه لا يدفع ولا يرفع الضر إلا الله سبحانه وتعالى وحده». قال: «وهو شرك في الربوبية؛ حيث اعتقد شريكًا مع الله في الخلق والتدبير». وهل هذا يوجد؟ الجواب: نعم يوجد. يوجد من الناس من يظن في بعض المعلقات أنها تنفع بذاتها. قال: «وشرك في العبودية؛ حيث تألها لذلك وعلق به قلبه طمعًا ورجاء لنفعه». قلبه صار متعلقًا بذلك الخيط أعظم من تعلقه بالله، ولذلك فهو يطمع فيه أعظم مما يطمع في الله، ويخاف من ضياعه أعظم من غضب الله عليه. قال: «وإن اعتقد أن الله والنافع الرافع وحده، ولكن اعتقدها سببًا يستدفع بها البلاء، فقد جعل ما ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرم، وكذب على الشرع وعلى القدر، وهو في نفس الوقت شرك أصغر؛ لأنه ذريع للشرك الأكبر». وكما مر معنا قبل: أنه على القول الصحيح كل ما كان ذريعًا للشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر. قال: «أما الشرع فإنه ينهى عن ذلك أشد النهي، وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة، وليس هذا فحسب، بل سماه الشرع شركًا، كما مرت معنا في الأحاديث: من تعلق تميمة فقد أشرك». وكما مر معنا: أنه بين الشرك الأكبر والأصغر لا يخرج من أحدهما. قال: «أما الشرع فإنه ينهى عن ذلك أشد النهي، وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة». وأما القدر: فليس هذا من الأسباب المعهودة، ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود، ولا من الأدوية المباحة النافعة، يعني مما جرب. وكذلك هو من جملة وسائل الشرك؛ فإنه لا بد أن يتعلق قلب متعلقها بها، وذلك نوع شرك، وسيل إليه. مثل: مثلًا أخذ التراب من حفنة أو من جهة قبر من القبور، والاستشفاء بذلك، فهذا ليس بسبب شرعي ولا سبب قدري كوني. فمثل ذلك شرك، وصاحبه بين الشرك الأكبر أو الشرك الأأصغر بحسب حاله وعمله. قال: «فإذا كانت هذه الأمور ليست من الأسباب الشرعية التي شرعها على لسان نبيه، التي يتوسل بها إلى رضاء الله وثوابه، ولا من الأسباب القدرية التي قد علم أو جرب نفعها، مثل الأدوية المباحة، كان المتعلق بها متعلق قلبه بها راجيًا لنفعها». والأدوية المباحة: ليس كل ما قيل أنه دواء فهو مباح، بل لا بد أن يثىت أنه نافع شرعًا أو نافع قدرًا وكونًا. فمثلًا شجرة لم يعلم أنه يستشفى بها، لكنها لأنها نبتت بجانب قبر الولي الفلاني، صاروا يستشفون بها، ويقولوا: «نحن نستشفى بشجرة»، فيقال: «هل تستشفون بالشجرة لكون هذه الشجرة مجربة عند الناس أنها تنفع لجنسها؟ أم لكونها عند الولي؟». فإن قالوا: «الأول»، وأثبتوا ذلك، كان مباحًا. وإن قالوا: «الثاني»، كان هو الشرك بعينه واضحًا. وكم من أشجار يستشفى بها في بلاد المسلمين، وربما التبس على بعض الجهال، وقالوا: «إنما نستشفي بالشجرة وهذا مباح». والجواب: ما سمعتم. قال رحمه الله تعالى: «مثل الأدوية المباحة، كان المتعلق بها متعلق قلبه بها راجيًا لنفعها، فيتعين على المؤمن تركها؛ ليتم إيمانه وتوحيده؛ فإنه لو تم توحيده لم يتعلق قلبه بما ينافيه». وذلك أيضًا نقص في العقل؛ حيث تعلق بغير متعلق، يعني: بما لا يجوز التعلق به، ولا نافع بوجه من الوجوه، بل هو ضرر محض. ووجه الضرر: أنه أولًا إضاعة للمال، وإضاعة للوقت، فضلًا عما قد يلحقه من تناول ما لا ينفع، من أكل التراب مثلًا، واستشفى به. هل هو من الناحية العرفية: فعل النافع أو فعل الضار؟ الجواب: فعل الضار؛ لأنه بدل مالًا فأفسده وأتلفه وأضاع وقتًا في الحصول على هذا الشيء، وهو ضرر عليه ليس فيه نفع. فكيف إذا انضاف إلى ذلك: أن هذا التراب الذي هو ليس بمجرب أنه نافع، بل على العكس، استعماله قد يضر، ليس بسبب لا شرعي ولا قدري. فعلم بذلك ضرره. فإذا انضاف إلى ذلك عقيدة فهو أشد أشد. وهكذا قل في كل ما تعلق به الناس مما ظنوه سببًا وليس بسبب. قال رحمه الله: «والشرع مبنى على تكميل أديان الخلق بنبذ الوثنيات والتعلق بالمخلوقين». وليس الوثنيات محصورة بالسجود لوثن أو الذبح لوثن، أن يكون من حجر أو يكون من شجر، ولكن كل توجه لغير الله عز وجل هو من الوثنيات؛ إذ لا فرق بين شجر وحجر وبقر وقبر أو غير ذلك. فكل من تعلق بغير الله فعنده وثنية، ولو كان هذا المتعلق به ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا، أو صالحًا من الصالحين. قال: «على تكميل عقولهم بنبذ الخرافات والخزعبلات». ومن الخرافات والخزعبلات: التعلق بما لا يصح التعلق به شرعًا وقدرًا، كتعلق الناس بالخيوط والخرق والتربة، وبعض الأشجار التي لم يثبت لا في الشرع ولا في كذلك التجربة والعرف أنها نافع. قال: «والجد في الأمور النافعة المرقية للعقول، المزكية للنفوس، المصلحة للأحوال كلها دينيها ودنيويها، والله أعلم». يعني: جاء الشرع لطلب ذلك، طلب الجد في الأمور النافعة. ومن الجد: التوجه لعبادة الله عز وجل وحده، والأخذ بالأسباب الصحيحة شرعًا وقدرًا، مما ينتفع به، سواء في دين أو في دنيا. وهذا هو قوله: «المصلحة للأحوال كلها دينيها ودنيويها». وترقية للعقول ظاهرة، وتزكية للنفوس ظاهرة. فإن التعلق بالخرافة والخزعبلات: في الحقيقة إغلاق للعقول، وإظلام للنفوس. طيب لهنا والله تعالى أعلم. يقول بعض الشيخات: يعصبون خيوط سوداء يقال لها الشعف على مكان الألم في الركبة أو اليد، فما حكم هذا الفعل؟ الصحيح: أن هذه الخيوط ليست بسبب شرعي ولا قدري للشفاء، ليست بسبب شرعي ولا قدري للشفاء. ولذلك لا يجوز عصبها. وأكثر هؤلاء إنما عندهم أمور نفسية، أمور نفسية، إذا وجدوه معلقًا ظن أن الألم يذهب منه. ما أن الألم ما يذهبه، ولو عصب ما عصب، ما دام كبر بالسن، فهذا الشيء ملازم للكبير. ولكن إذا استعمل أسباب أخرى، مثل بعض الدهون أو الكريمات أو غيرها المخففة للآلام أو المسكنة، فهذا مباح. أو تناول بعض الأدوية التي يشربها من الأدوية المركبة أو الأدوية غير المركبة كالأعشاب، فهذا من الأسباب المشروعة. وأما مثل هذا الخيط الذي لا يعلم له سبب ظاهر، ولم يعرف بالتجربة أنه ينفع، فهو مما يمنع. يقول: هل من سبب من السبب الشرعي قراءة ﴿الفاتحة﴾ في الماء ثم شربه للشفاء؟ بعض أهل العلم توسع في هذا الباب، وبعضهم أغلقه مطلقًا. والصحيح في هذا: الوسط. فبعض أهل العلم يرى أنه لا يستشفى بالقرآن من الأمراض العضوية والحسية، ولهم في هذا كلام، ومنهم الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى، وهذا مبالغ منهم في الرد على المتصوفة والقبورية التوسع في هذا الباب توسعًا غير مشروع. وفي الطرف الآخر: أناس توسعوا في هذا الباب حتى جعلوا القرآن في كل شيء، حتى في رد الضائعات. إذا ضع عليهم شيء، قال: «اقرأ ﴿سورة الفاتحة﴾، رتب ﴿الفاتحة﴾، وإن شاء الله سترجع الشاة». ورتب ﴿الفاتحة﴾، وإن شاء الله سيرجع لك ما لك الذي سرق. وهكذا كل شيء: «اقرأ القرآن، ورتب ﴿الفاتحة﴾»، وهذا من التوسع المذموم. والوسط في ذلك: أنه يستعمل في مدة عليه الدليل الشرعي. فدل الدليل الشرعي أنه يستشفى به من اللدغ، ودل الدليل الشرعي أنه يقرأ به على المصروع. فما كان بمعنى هذا فهو جائز. فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وأما التوسع الذي توسع به بعض الناس، مثل رقية البيوت، ورقية السيارات، ورقية الأحواش والبساتين، بقراءة على الماء ورشه في أطراف مثل هذه الأماكن، هذا ليس من المشروع؛ لأنه لم يثبت أصله في الشرع. طيب يقول: هل يجوز الصلاة خلف مشرك، وإن لم يكن مسجد في البلد إلا هذا المسجد؟ هل وصل للفرائض والجمعة في البيت مع أسرتي؟ لابد أن يثبت عندك أنه مشرك، بسؤال أهل العلم عن عين هذا الإنسان. فإن أفتاك أحد أهل العلم بأنه مشرك، لا تجوز الصلاة خلفه. وليس هناك مسجد إلا هو، فعند ذلك صلي في بيتك. طيب لهنا والله تعالى أعلم.