الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 40، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرحًا لآيات القدر ومشيئة الله، حيث خلق الله أهل الرحمة وأهل الاختلاف. يُبين أن مشيئة الله لا تنافي أن يكون للعبد مشيئة.
القدر على أربعة مراتب: العلم، المشيئة، الكتابة، والخلق. تشمل الإيمان بعلم الله السابق ومشيئته النافذة وكتابته لمقادير الخلائق وخلقه للخلق وأعمالهم.
يرد على الجبرية ويبين أن الآيات القرآنية تدل على سابق علم الله وقدره. يشرح معنى الآيات التي تتحدث عن الهداية والضلال.
يشير إلى أن ما حدث هو وفق سنة الله الشرعية والكونية. يختتم بعبارة إلى هنا والله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، بكتابه «طريق الهجرتين»: قال سعيد بن جبير عن ابن عباس، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي الله، وحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. قال ابن عباس ومالك وجماعة من السلف، بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قالوا: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف. وهذا كذلك من آيات القدر، والقدر سر الله سبحانه وتعالى. خلق الله عز وجل أهل الرحمة وأهل الاختلاف، وأهل الإيمان وأهل الكفر، أهل الطاعة وأهل المعصية، ولا ينافي ذلك ما أمرهم ربنا سبحانه وتعالى من الاستقامة على دينه وشرعه، بالإيمان والطاعة والرحمة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، أي نصيبهم مما كتب لهم. فهذه الآيات كذلك من آيات القدر، فالله سبحانه وتعالى شاء أن يكون في الناس مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وأن لا يكون الجميع أهل إيمان وطاعة، لحكم منه سبحانه وتعالى، فإنه امتحنهم بطريق الخير من طريق الشر، وطريق الإيمان من طريق الكفر، وطريق الطاعة من طريق المعصية. فما خلق الله عز وجل عليه الخلق، وما شاءه لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾، قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب. وهذا كذلك في أن هذه الآية من آيات القدر، فآيات القدر كثيرة في كتاب الله عز وجل. والقدر على أربعة مراتب، ما هي مراتب القدر الأربعة؟ العلم، المشيئة، الكتابة، والخلق. فالقدرة تدخل في المشيئة النافذة، فهذه مراتب القدر لا يتم الإيمان بالقدر حتى يتم الإيمان بهذه المراتب الأربعة: الإيمان بعلم الله عز وجل السابق، أن الله علم بكل شيء قبل خلقي، كيف يكون ويوم يكون. والمشيئة: أن الله شاء وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن ما شاءه لا ينافي مشيئة العباد، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فلله مشيئة وللعباد مشيئة، ولا منافاة بين مشيئة الله ومشيئة العباد. والكتابة: أن الله عز وجل كتب كل شيء وقدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق كل شيء، وهو على كل شيء قدير. والخلق: أي أن الله خلق الخلق وخلق أعمالهم، والله خلقكم وما تعملون. ولا منافاة بين هذه المراتب الأربعة وبين أن يكون للعبد اختيار، وأن يكون له كذلك مشيئة. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، قال محمد بن كعب القرظي: رقم الله عز وجل كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قد رقم في ذلك الكتاب، أي كتب ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب. وهذه الكتابة لا تنافي اختيار العباد ومشيئتهم، فالله عز وجل كتب كتاب الفجار في سجين، فهم فجار لهم أعمال تنسب إليهم، هم الذين فعلوها، والله عز وجل كتبها قبل ذلك، لكن لا أحد أرغمهم على أن يفعلوها، وإنما لأنه الرب العظيم الذي وسع كل علمه كل شيء، علم قبل أن يعملوا ماذا سيعملون يوم أن يعملوا، وهذا من سعة علمه سبحانه وتعالى. قال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، قال: بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ. وهكذا، ولكن هل هذا معناه أن أبا لهب كان مجبورًا على فعله؟ الجواب: لا، فالجبرية حين فهموا من هذه الآيات الجبر أخطأوا، لأن هذه الآيات وغيرها لا تدل على الجبر، بل تدل على سابق علم الله عز وجل في قدره ومراتب القدر كما تقدم أربعة، ومنها الكتابة. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال: عن الحق. وفي قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾، قال: كالجعبة فيها السهام. والمعنى أن أهل الخير قلوبهم امتلأت بأثر الخير، وأهل السوء والشر والكفر والنفاق قلوبهم امتلأت بما كان من ذاك الكفر والنفاق وغيره، فلذلك تعمى القلوب، فإذا عمية القلوب عمية الأبصار، فلا تبصر ما كانت تبصر. كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما كانت تبصر من قبل. كيف تغير البصر؟ تغير البصر بما كان في القلب. ويضرب لهذا المثال ولله فيما خلق وفيما فعل سبحانه المثل الأعلى: إنسان بصره حديد، يرى ما شاء الله كما يرى الصقر من بعيد، يرى كل شيء الصغير والكبير. شرب شيء من المخدرات والكحول، هل سيرى نفس الرؤية الأولى؟ لا، سيفقد رؤيته. العجوز سيرى أفضل منه، وسيصير يبصر بصره كأنه عجوز في الثمانين أو التسعين، بينما هو شاب كان يرى مثل ما يرى الصقر. الله عز وجل كتب على هذا الإنسان أنه سيضر بنفسه، هل هذه الكتابة السابقة أو هذا العلم السابق ألزم هذا الإنسان أن يفعل هذا؟ الجواب: لا. هذا في العيوب الحسية في الجسد، فكذلك العيوب المعنوية في الأعمال والطاعات. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَظْلَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾، قال: أظلهم الله على علم. وقال في قوله حكاية عن عدوه إبليس: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، قال: أظللتني. وهذه كذلك من آيات القدر، وكلها فيها المعنى المتقدم السابق. فالله عز وجل لا يضل المهتدين، وإنما يضل المعتدين، من اعتدى أظله الله باعتدائه وبما كان من غوايته. ولهذا كان إبليس هو الذي غوى، وجنود إبليس هم الذين ضلوا. وأما أهل الإيمان والطاعة، فالله يزيدهم فوق الهدى. ماذا هدى؟ والذين اهتدوا ماذا زادهم؟ هدى. هذه سنة الله الشرعية وسنته الكونية. إلى هنا والله تعالى أعلم.