طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 38

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 38

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 38، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الاحتجاج بالقدر وعدم صحته

يناقش مفهوم الاحتجاج بالقدر على المعاصي ويشير إلى عدم جواز ذلك. يُوضح أن العبد مخير وله إرادة ومشيئة.

عقوبة الاستدلال بالقدر على المعاصي

الاستدلال بالقدر على المعاصي لا يصح ويستحق صاحبه العقوبة. القدر سر الله تعالى وعلم الله لا ينافي عمل العباد.

أهمية الثبات على الدين وخطورة تقلب القلب

يشرح أهمية الثبات على الدين وخطورة تقلب القلب. التغير في حال الإنسان له أسباب من العبد نفسه ويمكن تفاديه بالأخذ بأسباب الثبات.

معنى الإيمان بالقدر وعلاقته بالأخذ بالأسباب

الإيمان بالقدر لا يعني التكاسل بل يعني الأخذ بالأسباب والخوف من الله. هذا الفهم يؤدي إلى الحرص على السلامة بفضل الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: «رحيم محمد، الله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». قال الإمام بن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال الاحتجاج بالقدر والنصوص الواردة في إثباته، قال: فإن أصررت على اتهام القدر، وقلت: في السبب الذي أصبت به وأتيت منه، أُديت منه، قد سبق به القدر والحكم، وكان في الكتاب مصدورًا، فلا بد منه على الرغم مني، وكيف لي أن أنفك منه وقد أُودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة، والكتاب الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم، وأنا في ظلمات الأحشاء، حين يُأمر الملك فيكتب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة؟ ولو جريت إلى سعادتي ما جريت، وحتى بقي بيني وبينها شبرًا، لغلب علي الكتاب فأدركتني الشقاوة. فما حيلة من قلبه بيد غيره، يقلب كيف يشاء، ويصرفه كيف أراد؟ إن شاء أن يقيمه أقامه، إن شاء أن يزيغه أزاغه. وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وهو الذي يثبت قلب العبد إذا شاء، ويزلزله إذا شاء. فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه، لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته». يشير هنا رحمه الله إلى ما قد يزينه الشيطان لبعض الناس، ويلبس به من الاحتجاج بالقدر على المعاصي. فلا يجوز الاحتجاج بالقدر؛ القدر سر الله سبحانه وتعالى. فقوله: «وكان قد سبق به القدر والحكم، وكان بالكتاب المسطور» إلى أن قال: «وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة»، يشير إلى نصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث عبد الله بن عمر: «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام». والكتاب الثاني يريد به الكتابة الثانية، فإنه بعد أن ينفخ الروح يأتي الملك، ثم يؤمر بأربع كلمات: كتب رزقه وأجله وإلى أن قال: «وشقي أو سعيد». ولكن هذه الكتابة لا تنافي عمل العاملين؛ فالله عز وجل أثبت للعاملين عملًا ومشيئة، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، فالعبد مخير. قال الله عز وجل: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي الطريقين الواضحين، فهو يختار إما طريق الهداية وإما طريق الغواية. ولكن هذه المشيئة التي للعبد تتبع مشيئة الله، ولا منافاة بينها؛ لأن الله عز وجل الخالق الذي هو بكل شيء عظيم، وعلى كل شيء قدير، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، لا يخفى عليه من أمر عباده شيء. ولذلك علم ما سيعمله العباد قبل أن يعملوا، كيف سيكون عملهم وإلى أي شيء سيؤول؟ فعلم الله السابق لا ينافي كون العبد عنده إرادة ومشيئة وقدرة. ومر معنا أن العلماء ضربوا لهذا أمثلة من باب تقريب المعنى. ومن هذه الأمثلة: إذا كان هناك أب له أبناء، وامتحن هؤلاء الأبناء، فقال هذا الأب: «فلان من أبنائي سينجح في هذا الامتحان، والآخر سيفشل في هذا الامتحان». خبر هذا الأب كان بسبب خبرته ومعرفته بحال أبنائه. فإذا فشل من فشل منهم، هل يصح أن يستدل هذا الذي فشل في خبر الأب السابق؟ إن فعل ذلك استحق العقوبة مرتين: العقوبة الأولى لأجل فشله، والعقوبة الثانية أن يستدل بما لا يصح الاستدلال به؛ لأنه استدل بما لا يصح الاستدلال به استحق العقوبة مرة أخرى. مثال آخر: لو أن إنسانًا صاحب تجارة، عنده عمال، فقال - وقد اختبر عماله -: «فلان سينجح في الامتحان وسيظهر أمانته، وفلان سيفشل في الامتحان وستظهر خيانته». فوقع بمثل ما أخبر هذا الرجل صاحب هذا العمل وهذه التجارة، فهل يصح للخائن أن يقول: «لا تلومني؛ فقد أخبرت بأني سأفشل في الامتحان وسيظهر أنني خائن»؟ إن فعل ذلك استحق العقوبة مرتين: عقوبة الأولى لأجل الخيانة، والعقوبة الثانية لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به. وهكذا كذلك أمر القدر، ولله المثل الأعلى. فالذي يستدل بالقدر على معايبه يستحق العقوبة مرتين: العقوبة الأولى أنه فعل هذه المعايب، والعقوبة الثانية أنه استدل بشيء لا يصح الاستدلال به، فاستحق العقوبة مرتين. فالقدر سر الله سبحانه وتعالى. من علم عظمة الله جل وعلا، وواسع علمه، وهو القائل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وهو القائل: ﴿وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، وهو القائل: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾، وهو بكل شيء عليم. وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَأَخْفَاهُمْ﴾، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على واسع علمه وسعة إحاطته جل وعلا، فلا ينافي عمل العاملين علم الله سبحانه وتعالى بعملهم قبل أن يعملوا. قال رحمه الله تعالى: قال أعلم الخلق بربه، صلوات الله وسلام عليه: «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء يقيم أقامه، وإن شاء يزيغه أزاغه»، ثم قال: «اللهم مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينه». وكانت أكثر يمينه: «لا ومقلب القلوب». ونرى أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بهذا الحديث بأمرين اثنين: الأمر الأول أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء. ومع ذلك، هل معنى هذا لا يعمل أحد؟ لا، بل ندعو الله أن يثبت هذه القلوب، ويوجهها إلى ما فيه الخير، باللسان الحال وباللسان المقال، باللسان المقال بالدعاء والابتهال إلى الله، ولسان الحال بالأعمال الصالحة التي تعين القلب على الثبات. فالقلب إذا فعل الإنسان أسباب الثبات ثبته الله، وإذا فعل أسباب الانحراف والزيغ زاغ، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. إذن لا يقلب الله عز وجل قلب من ثبت قلبه، وإنما يقلب قلب من أزاغ قلبه. فمن أزاغ قلبه، فعلى أسباب الانقلاب من طريق الاستقامة إلى طريق العجاج، من طريق الهداية إلى طريق الغواية. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. لكن الله يهدي من يهدي المؤمنين المهتدين المتقين المحسنين. أقبل على الله ثبت الله عز وجل قلبك، ويعينك على التبات. ولهذا أيضًا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا أذنب ذنبًا نكت بقلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب واستعتب سُقلت تلك النكتة. والمعنى: الإنسان يملك أسباب هداية قلبه أو غوايتها. وأشار قبل هذه الفقرة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس» هكذا جاء في رواية «حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». فقوله عليه الصلاة والسلام: «فيما يبدو للناس» معناه أن هذا التغير ليس فقط بسبب ما كتب، بل هناك سبب من العبد، وهو أنه لم يكن صادقًا في طريق استقامته. ربما كان مستقيمًا في الظاهر، ولكنه في الباطن كانت عنده خيانة في خلواته، فهذه الخيانة في الخلوات سببت له هذا السقوط والانتكاس. «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». وهكذا العكس. وقد يكون كذلك بسبب رفقة سوء. إنسان يعمل بعمل أهل الجنة، فلما لم يكن بينه وبين طريقي الجنة والوصول إليها إلا ذراع ذهب، فصاحب رفقاء السوء، فإذا من الذي فعل أسباب الغواية والانحراف؟ هو، فخالط رفقاء السوء فانحرف، وعند ذلك تغير طريقه من طريق الهداية إلى طريق الغواية. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كثيرًا في سجوده: «اللهم مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك. اللهم مصـرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك». وهذا الذي يدعو بهذا الدعاء بلسان المقال، هل معناه أنه بلسان الحال تكون أعماله خلاف هذا الدعاء؟ الجواب: لا. كما أنك تدعو بلسانك، كذلك لا بد أن تفعل ببنانك ما يعينك على تصديق ما تدعو به بلسانك. فأنت تأخذ بأسباب الثبات وتجتهد عليها، من فعل الطاعات والابتعاد عن المعاصي والسيئات، من الاجتهاد بملازمة الصالحين والبعد عن أهل الفساد والمعاصي وغيرهم. قال رحمه الله تعالى: وقال بعض السلف: «مثل القلب مثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهرًا لبطن». والمعنى أن القلب سريع التقلب، كما أن الريشة في الهواء سريعة التقلب. فاحرص على أن لا تتساهل في أمر قلبك؛ لأنك إذا تساهلت غير الله عز وجل قلبك، كما قال الله سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. أنت لا تدري، ربما معصية واحدة سبب في الانحراف. قال رحمه الله تعالى: «فما حيلة قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، وهو له مشيئة بدون مشيئته؟» كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وروى عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قوله عز وجل -: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. وغلام جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «بلى والله، يا رسول الله، إن عليها أقفالًا، ولا يفتحها إلا الذي أقفلها». فلما ولي عمر بن الخطاب، طلبه ليستعمله، وقال: «لم يقل ذلك إلا من عقل». والمعنى أنه فهم معنى الآية. والحديث فيه ضعف، لكن معناه صحيح. فالإنسان يفتح قلبه بالإقبال على الله، ويغلقه بالإعراض عن الله سبحانه وتعالى. قال: وقال طاووس: «أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: كل شيء بقدر». وقال: «أيها الناس، أدركت الناس وما كلامهم إلا إن قدر». والمعنى أنهم كانوا يعظمون أمر القدر، فيأخذون بأسباب السلامة. الإيمان بالقدر لا يعني أننا نتكل فلا نعمل، ولكن معناه أن نخاف، فنأخذ بأسباب السلامة، حتى يعيننا الله سبحانه وتعالى على أنفسنا الأمارة بالسوء.