الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 134، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم الفتنة في القرآن الكريم والفرق بين الفتنة كامتحان من الله والفتنة كظلم بين المخلوقين. يستشهد بآيات قرآنية وأقوال العلماء.
يناقش المقطع كيف ينسب الأنبياء الذنوب إلى أنفسهم وليس إلى الله، مع أن هذه الذنوب تقع بمشيئة الله، ويوضح خصوصية تكليف الأنبياء.
يفصل المقطع معنى سيد الاستغفار ويبين دلالاته، مشيرًا إلى مشهدي القدرة والعزة والتقصير، والالتزام بالشرع والاعتراف بالعبودية.
يبرز المقطع أهمية الدعاء والاستغفار في التعبير عن الافتقار إلى الله وإكمال توحيده، ويشدد على ضرورة الاعتراف بالتقصير والاستغفار المستمر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: وهذا هو مشهد موسى إذ يقول في خطابه لربه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾، أي: إن ذلك إلا امتحانك واختبارك، كما يقال: فتنت الذهب إذا امتحنته واختبرته، وليس من الفتنة التي هي الفعل السيء، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وكما في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فإن تلك فتنة المخلوق، وفتنة المخلوق أكثرها سوء والاختبار والامتحان فيها قليل. وأما بالنسبة للرب سبحانه وتعالى فهي كمال، بل هذا هو مقام الرب جل وعلا، مثل الكبرياء، الكبرياء لله عز وجل كمال، وفي المخلوق نقص، وفي مواضع خاصة يستثنى، كان يكون في موضع القتال ونحوه، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الشيء يضغضها الله إلا في هذا الموضع». وقريب من هذا الفتنة، فالفتنة بين المخلوقين ظلم واعتداء، وأما من الله سبحانه وتعالى امتحان واختبار. والمراد أن موسى عليه الصلاة والسلام أراد الامتحان والاختبار، قال رحمه الله تعالى: وموسى أعلم بالله تعالى أن يضيف إليه هذه الفتنة، أي الفتنة السيئة، فالشر لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وإنما هيك الفتنة في قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، أي ابتليناك واختبرناك، وصرفناك في الأحوال التي قصها الله سبحانه وتعالى علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له، وإنزاله عليه كتابه. ولهذا جاء التعبير به من موسى عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل أخبره بذلك، وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام أخبر عن ربه. وفي هذا دليل على أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما يصفون الله بما وصف به نفسه، وما علمهم إياه، وهكذا من باب أولى باقي الخلق، فإذا كان مقام الأنبياء وهم أنبياء الله ورسل الله عليهم الصلاة والسلام لا يتكلمون إلا بوحي، فكذلك ينبغي في باب الأسماء والصفات أن يتوقف الناس إلا بما جاء به الوحي. قال: والمقصود أن موسى صلى الله عليه وسلم شهد توحيد الرب وانفراده بالخلق والحكم، وفعل السفهاء ومباشرتهم الشرك، فتضرع إليه بعزته وسلطانه، وأضاف الذنب إلى فاعله وجانيه. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي»، قال تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. والمعنى أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لم ينسبوا الذنوب إلى الله، ونسبوها إلى فاعليها، ولم ينسبوا الظلم والتقصير إلا إلى فاعليها، وإن كانت وقعت بقدر الله، وكذلك بمشيئة الله، ولا منافاة بين المشيئة والإرادة الكونية التي يقع فيها ما يحبه الله وما لا يحبه، ومما لا يحبه الظلم والمعصية ونحو ذلك. ولكن من ناحية الشرع، فلم يأمر سبحانه وتعالى إلا بطاعته. وقد تقدم معنى الكلام على الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية، وعلاقة ذلك بالقدر. قالوا: هذا مشهد ذي النون إذ يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فوحد ربه تعالى، ونزهه عن كل عيب، وأضاف الظلم إلى نفسه. والظلم المقصود والتقصير من الأنبياء عليه الصلاة والسلام ليس كتقصير وذنوب باقي الخلق، بل لأن مقام الأنبياء عظيم، فكما قال بعض أهل العلم: «كمالات الخلق تقصير الأنبياء»، ولهذا أوجب الله على الأنبياء ما لا يوجبه على غيرهم، فزيادة التشريف تقتضي زيادة التكليف. أيام الليل كان على نبينا عليه الصلاة والسلام خاصة واجبًا، ثم نسخ هذا الوجوب، ومع ذلك لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ما بل كان يقوم حتى تتفطر قدماه، أي تتورم. وكما في صحيح مسلم الحديث لعائشة، وعند النساء بإسناد حسن أو صحيح: «حتى تتشقق»، وفي رواية: «حتى تدمي قدمه»، يعني يطيل القيام عليه الصلاة والسلام، فتقول له عائشة رضي الله عنها وأرضاها رأفة به ورحمة: «أتصنع هذا بنفسك يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» فجعل هذا من شكر الله سبحانه وتعالى له. فمقامات الأنبياء فيها من التشريف ما جعل معه من التكليف ما يوازي ذاك التشريف، ولذلك كان قصورهم في تلك الكمالات يعدوه ذنبًا، وهو بالنسبة لغيرهم كمالات. قال رحمه الله تعالى: وهذا مشهد صاحب سيد الاستغفار حين يقول في دعائه: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». والشاهد أضاف الذنب إلى نفسه، فعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء الذي هو كما جاء وصفه في الحديث «سيد الاستغفار»، والعبد فيه يعترف بذنبه لنفسه، فينسب الذنب لنفسه، ولا ينافي ذلك كونه وقع بقدر الله، وبمشيئة الله سبحانه وتعالى وإرادتها الكونية. قال رحمه الله: فأقر بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق، وعموم المشيئة ونفوذها، وهذا يقتضي دخول الخير والشر فيها، هذا هو مقتضى عموم مشيئة الله سبحانه وتعالى. قال: وتوحيد الإلهية المتضمن لمحبته وعبادته وحده لا شريك له، والاعتراف بالعبودية المتضمن للافتقار من جميع الوجوه إليه سبحانه، وهذا من معاني الألوهية إفراده سبحانه وتعالى بمعاني عبوديته ومحبته. قال: ثم قال: «وأنا على عهدك ووعدك»، فتضمن ذلك التزام شرعه وأمره ودينه، وهو العهد الذي عهده إلى عباده، وتصديق وعده، وهو جزاؤه وثوابه، فتضمن التزام الأمر والتصديق بالموعود، وهو الإيمان والاحتساب. ومعناه كذلك مع هذا التصديق والتأكيد لهذا العهد، أن ما وقع من تقصير لا ينافي هذا العهد العام، وهذا كذلك الاعتراف بالعبودية العام، وإن كان الذنب والاعتراف به من المنافاة من المنافاة البعضية لهذه العبودية. فكمال العبودية بكمال الطاعة، ولكن لأن الإنسان محل تقصير وتفريط وخطأ وذنب بالتوبة والاستغفار، ولهذا أتي بهذا الدعاء «سيد الاستغفار». قال رحمه الله تعالى: ثم لما علم أن العبد لا يوفي هذا المقام حقه الذي يصلح له تعالى، علق ذلك باستطاعته وقدرته التي لا يتعداها، فقال: «ما استطعت»، أي ملتزم ذلك بحسب استطاعتي وقدرته. والذنب منهما يقع بتعدي، ومنهما يقع بكذلك شيء من الامتحان والابتلاء، فيضعف العبد، وكلاهما يحتاج لتوبة واستغفار. قال: ثم شهد المشهدين المذكورين، وهما مشهد القدرة والعزة، ومشهد التقصير من نفسه، فقال: «أعوذ بك من شر ما صنعت»، فهذه الكلمة تضمنت المشهدين معًا، يعني مشهد القدرة والعزة والقوة لله عز وجل، فاعتراف العبد بالعوذ به سبحانه وتعالى، اعتراف بكمال قدرة الله وعزته وقوته. قال: ثم أضاف النعم كلها إلى وليها وأهلها والمبتدئ بها، والذنب إلى نفسه وعمله، فقال: «أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي»، فأنت المحمود المشكور الذي له الثناء كله والإحسان كله، ومنه النعم كلها، فلك الحمد كله، ولك الثناء كله، ولك الفضل كله، وأنا المذنب المسيء المعترف بذنبه المقر بخطأه. كما قال بعض العارفين: «العارف يسير بين مشاهدة المنة من الله، ومطالعة عيب النفس والعمل». والمراد بالعارفين أي بالعارفين بالله والسير إليه، وهو الهروي صاحب «منازل السائرين»، كما أشار في التعليق. والمقصود أن كمال عبودية الرب بهذين المشهدين، مشهد الاعتراف بكمال الرب وعظمته وعظيم منته، ومشهد الاعتراف بافتقار العبد إلى ربه وخالقه وتقصيره في عمله. قال: فشهود المنه توجب له المحبة لربه سبحانه وحمده، ولهذا كمال العبودية بكمال المحبة التي تتضمن كمال الخضوع والذل لله، كما قال القائل: «وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ». قال: ومطالعة عيب النفس والعمل يوجب استغفاره ودوام توبته وتضرعه واستكانته لربه سبحانه، وهذا التقصير سواء في الكمالات أو كذلك في الواجبات، والوقوع في المحرمات، فكلاهما تقصير يستوجب لمن عرف عظمة الرب دوام التوبة والاستغفار. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء مداومون وكثيروا التوبة والاستغفار، كما أخبر الله عز وجل عنهم في آيات كثيرة، وعن نبينا عليه الصلاة والسلام خاصة، وفي الأحاديث الكثيرة ما يدل على ذلك، كما تقدم معنا، فكان يحصل النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد، وفي اليوم الواحد أكثر من سبعين، وفي رواية مئة استغفار. قال: ثم لما قام هذا بقلب الداعي وتوسل إليه بهذه الوسائل، قال: «فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، يعني دعاء الاستغفار يحكي بلسان المقال ما هو حال هذا الإنسان، فلسان المقال يعبر عن لسان الحال، كأنه يقول: هذا هو حقيقة ما في قلبي، وما أنا عليه، وها أنا بين يديك أدعو بهذا الدعاء. وإذا تأمل الإنسان هذه المعاني العظيمة الجليلة كمل توحيده لله عز وجل، وكملت عبوديته لربه وخالقه، وكمل افتقاره وخضوعه وذله لربه العظيم الكريم الرحيم، الذي يستحقه من المحامد والثناء ما يجب دوام الاستغفار والتوبة والاعتراف بالتقصير. صلى الله وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.