القول السديد في مقاصد التوحيد  96

القول السديد في مقاصد التوحيد 96

الدرس السادس والتسعون:من( باب التسمي بقاضي القضاة وباب احترام أسماء الله تعالى ... القادح بالله وبدينه ورسوله أغلظ كفراً وأعظم فساداً والهازل بشيء منها من هذا النوع ).

الاستهزاء بالدين وأحكامه وحدوده

يتناول المقطع مسألة الاستهزاء بالدين وأحكامه، موضحًا أن من يستهزئ بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول فهو كافر. يستدل بآية التوبة وقصة الرجل الذي استهزأ بأصحاب رسول الله في غزوة تبوك.

حكم الاستهزاء بالله ورسوله والقرآن

الاستهزاء بالله أو آياته أو رسوله أو حملة العلم يعتبر كفرًا مخرجًا من الملة، حتى لو لم يعلم الفاعل أنه كفر. يجب على المسلم أن يحذر من هذا الفعل ويتوب إذا فعله.

الفرق بين النميمة والنصيحة وتفاوت الكفر

يشرح الفرق بين النميمة والنصيحة، ويبين أن الكفر نوعان: معرض ومعارض، ويوضح تفاوت درجات الكفر وتصنيف المستهزئين إلى المعارضين الذين يمثلون النوع الأشد.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: باب التسمي بقاضي القضاء ونحوه، وباب احترام أسماء الله وتغيير الإسم لذلك. قال: وهاتان ترجمتان من فروع الباب السابق، وهو أنه يجب أن لا يجعل لله ندا في النيات والأقوال والأفعال، فلا يسمى أحد بإسم فيه نوع مشارك لله في أسمائه وصفاته، كقاضي القضاء وملك الملوك ونحوها، وحاكم الحكام، أو بأبي الحكم ونحوه. وكل هذا حفظ للتوحيد ولأسماء الله وصفاته، ودفع لوسائل الشرك حتى في الألفاظ التي يخشى أن يتدرج منها إلى أن يظن مشاركة أحد لله في شيء من خصائصه وحقوقه. وهذا معنى واضح، وقد تقدمت أكثر المسائل في هذا. قال رحمه الله تعالى: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول. وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، قال عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة: دخل حديث بعضهم في بعض، أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولأكذب ألسنا، ولأجبن عند اللقاء -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء- فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. وجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه -أو تنكب عن رجليه- تنكب رجليه. قال: ويقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، ما يلتفت إليه وما يزيده عليه. قال: فيه مسائل: الأولى وهي العظيمة أن من هزل بهذا فإنه كافر، الثانية أن هذا وتفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان، الثالثة الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله، الرابعة الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله، الخامسة أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل. أورد رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره للأبواب التي تنافي التوحيد، أي المسائل التي تنافي التوحيد، ومنها ما يصل إلى نقضه فيكون كفرا وشركا أكبر، ومنها ما ينقصه. وهنا باب من هزل بشيء فيه ذكر الله والقرآن والرسول، هذا من الاستهزاء، الهزل من الاستهزاء، والاستهزاء بالدين أو بالله أو بالرسول والقرآن من نواقض الإسلام. وقد ذكره الشيخ رحمه الله في نواقض الإسلام، وفي هذا الباب كما ذكر في الآية وسبب نزولها، وهو حديث صحيح كما ذكره ابن جرير الطبري، وقد ذكره شيخنا في الصحيح المسند من أسباب النزول -أي شيخنا الوادعي يرحمه الله- صححه الألباني في مواضع من كتبه. فهذا الحديث يدل أن الاستهزاء الذي قد يفضي إلى الكفر لا ينحصر بالقرآن وبالله والرسول، بل حتى بحملة الشريعة. ولهذا نص العلماء في أبواب الردة وأحكامها أن من استهزأ بحامل القرآن أو حامل العلم لأجل العلم أو القرآن فإنه كافر، فإنه كافر مرتد إذا استهزأ به لأجل العلم الذي يحمله -الدين- مثل بعض أهل البدع يستهزئ بأهل الحق، تارة يستهزئ باللحية، وتارة يستهزئ بتقصير الثوب، وتارة يستهزئ بالعلم -سواء قرآن أو حديث أو خطبة- فأمثال هؤلاء إن حملهم على ذلك استهزاؤهم للعلم الذي يحملونه -هؤلاء العلماء أو الدعاة- فهو الكفر وردة والعياذ بالله. وليس من شرطه أن يعرف أنه يفضي ويوصل إلى الكفر، لأن هؤلاء علموا أنه حرام ولا يجوز، لكنهم ما ظنوا أنه يوصل إلى الكفر. فالله عز وجل أخبر أنه كفر، فلا يلزم أن يعلم من فعل ما هو محرم أن يعلم أن المحرم يفضي به إلى الكفر، يكفي أن يعرف أنه حرام لا يجوز. فإذا فعله مع العلم به وكان كفرا أفضي به إلى الكفر. فلا يقول قائل: أنا ما علمت أن الاستهزاء بالله أو بالرسول أو بالقرآن أو بحامل العلم لأجل العلم يعد كفرا. فيقال: علمت أنه معصية وأنه حرام ولا يجوز. قال: نعم. يقال: يكفي هذا، فإذا تاب واستغفر وتشهد ودخل في دين الإسلام؛ لأنك قد ارتدت عن دين الإسلام، مادام يعلم أنه حرام. ولكن لا بد من التفريق بين الاستهزاء بحامل العلم لأجل العلم، وبين الاستهزاء به لأغراض شخصية وأمور أخرى. فإن كان لذلك فهذا قد يكون معصية أو غير ذلك. أما إذا كان لأجل العلم فهو معصية أو هي معصية تفضي إلى الكفر والعياذ بالله. والآية وسبب نزولها في هذا الحديث -حديث بن عمر- يدل على ذلك، فإن هؤلاء تنقصوا القراء، قالوا: ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء... والقراء هم بمثابة العلماء والدعاة حفظة القرآن الذين عندهم علم. قال: أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. وفي رواية: أكبر بطونا، يستهزئ كون بطون بعضهم كبيرة. فنزل فيهم ما نزل من القرآن: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فقوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، في دليل أنهم لم يكونوا جميعا من المنافقين، وهذا هو الصحيح. فقول من قال: أنهم من المنافقين ليس بالصحيح، بل فيهم من المنافقين وفيهم من هو ليس من المنافقين. فإن تاب تاب الله عز وجل عليه. فهذه الآيات ونزولها وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل أن هذا الفعل كفر. فهم فعلوا معصية عظيمة أوصلتهم إلى الكفر، حتى سمى ربنا جل وعلا فاعل ذلك مجرما، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾، فهؤلاء الذين استهزئوا بالمؤمنين سماهم الله مجرمين، فهم فعلوا جريمة عظيمة أوصلتهم إلى أن وقعوا في الكفر. فلا يجوز الهزل بشيء من ذكر الله أو القرآن أو الرسول أو حتى بحملة العلم، فهو يفضي إلى الكفر. وفيه أن هذا من الكفر الأكبر. وقد يكون إذا كان تنقص ليس صريح قد يكون من الكفر الأصغر -كفر دون كفر- كأن يكون تعريضا أو نحو ذلك. فالواجب على المسلم أن يحذر من هذا. ثم ذكر رحمه الله: قال فيه مسائل: الأولى وهي العظيمة أن من هزل بهذا فإنه كافر -يعني على هذا الوصف- هزل بالله أو آياته أو رسوله، أو كذلك حملة العلم لأجل العلم فهو كافر -أي كفر أكبر مخرج من دين الإسلام- لأن فعله ذلك ردة. قال الله عز وجل: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فدل أنه كفر أكبر. وقوله الثاني: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان -يعني إذا كان هذا نزل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيمن عد من الصحابة، ومن ينسب إلى الصحابة يتفاوتون، فمن دونهم من باب أولى، من دونهم من باب أولى. والثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ورسوله، معناه أن تبليغ عوف بن مالك ليس من النميمة بل من النصيحة لله ورسوله. فلذلك نفرق بين نقل الكلام على وجه الإصلاح فهو ليس نميمة، ونقل الكلام على وجه الإفساد فهو نميمة. فإذا رأيت ابن جارك أو صديقك يفعل شيئا يستحق أن يكلم الأب، فلا تقول: أنا ما سأبلغ؛ لأن هذا نميمة. لا، بل إذا ما بلغت أن تغاش وخائن للأخوة والمجورة التي بينكما، فيجب عليك أن تبلغ. الدين النصيحة لله ورسوله ولأمة المسلمين وعامتهم، لله ولكتابه ولرسوله ولأمة المسلمين وعامتهم. فمن النصيحة أن تبلغه وتقول: رأيت ولدك يفعل كذا وكذا. ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أنا ما رضيت هذا لو كان ولدي ما أرضى. فالباعث صدق النصح بصدق، ليس التشفي ولا التنقص ولا الفتنة، ولكن النصح. إن كان النصح فهو ليس بحرام. حتى لا يلتبس. وكثيرا ما يلتبس هذا الباب. فإن من الناس من يبالغ في الحذر من النميمة، فربما يحذر من النصيحة. ومن الناس يتساهل فيسمي كل نقل للكلام نصيحة ولو كان على وجه الإفساد كالنميمة المحرمة. والوسط هو المطلوب، ليس كل ما تسمعه تنقله. لا، انقل ما في نقله إصلاح، ولا تنقل ما في نقله إفساد. ولهذا أذن الإسلام وشرع أن يكذب الإنسان للإصلاح بين المتخاصمين؛ لماذا؟ لأن هذا الكذب -خصوصا إذا لم يكن صريحا- هو من التعريض الذي يكون به الإصلاح، فهو محبوب إلى الله. والصدق الذي فيه إفساد لا يجوز نقله، بل نقله نميمة. صدق أنت سمعت الكلام حقيقة. بعض الناس يقول: إيش أفعل؟ أنا سمعت... سمعت صدق. نعم سمعت صدق، لكن من قال لك أن نقل الصدق دائما يكون حلال؟ فنقل الصدق أحيانا يكون حرام، بل من أعظم ما يدخل النار؛ لأنك فعلت فعل النمامين. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قتات»، أي نمام. فينبغي التفريق بين الأمرين. قال: الرابعة الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله، يعني وضع العفو في محله محمود، ووضعه في غير محله مذموم. وليس من محله العفو عن أعداء الله، ومن أعداء الله من يستهزئ بالله وبآياته وبرسوله وبدينه وبالمؤمنين، فهؤلاء من أعداء الله، وليس من من يحب الله. وقول: الخامس أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل، يعني مثل هذه القصة قالوا: كنا نخوض ونتحدث ونقطع به عناء الطريق، فهذا ليس بعدر، فلم يقبل منهم. وكذلك يقال في نظائره إذا اعتذر الإنسان بما ليس بعدر، وإنما الذي يقبل العذر الصحيح. قال الشارح رحمه الله: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، أي فإن هذا مناف للإيمان بالكلية ومخرج من الدين؛ لأن أصل الدين الإيمان بالله وكتبه ورسله، ومن الإيمان تعظيم ذلك. ومن المعلوم أن الاستهزاء والهزل بشيء من هذا -من هذه- أشد من الكفر المجرد؛ لأن هذا كفر وزيادة احتقار وازدراء. وجه الزيادة كونه كان على وجه التنقص والهزل. قال: فإن الكفر نوعان، أو فإن الكفار نوعان: معرضون ومعارضون. فالمعارض المحارب لله ورسوله، القادح بالله وبدينه ورسوله أغلظ كفرا وأعظم فسادا. والهازل بشيء من هذا -من هذا النوع- إذا علمنا أن الكفار معرضون ومعارضون، فالمعارض المحارب لله ورسوله، المعرض الذي يعرض ولا تأتي منه معارضة ولا محاربة، لكنه لم يدخل في دين الإسلام، فهذا كافر. فهذا كافر، ومن هؤلاء الكفار من هو معارض لم يدخل في دين الإسلام ويعادي أهل الإسلام ويحاربهم ويتكلم فيهم، مثل أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من ماذا؟ من المعارضين. وأما المعرضون فمثاله عم النبي صلى الله عليه وسلم من؟ أبو طالب، أبو طالب معارض أو معرض؟ معرض، أبو طالب معرض وليس معارض، لم يعارض النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان يؤيده وينصره ويحفظه، ولكن ما دخل في دينه، معرض فهو كافر وهو في النار. والمعارض أشد كفرا، ولهذا نزلت آيات خاصة بأبي لهب، والعكس عم النبي عليه الصلاة والسلام أبو طالب خفف عنه من العذاب إلا أنه في النار، إلا أنه في النار. إذن الكفر يتفاوت، فتوصل الشيخ رحمه الله بهذا إلى أن المستهزئ والهازل هو من النوع الثاني، أي من المعارض الذي هو أشد وأغلب. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.