الدرس في تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطعان الأول والثاني تفسير آية 'يوم يكشف عن ساق' من سورة القلم، حيث يشرح المفسرون معنى الكشف عن ساق يوم القيامة وارتباطه بشدة الحساب أو بساق الله عز وجل، ويستشهدون بالأحاديث النبوية وآراء السلف في تفسير هذه الآية.
يشرح المقطع الثالث الآيات التي تتحدث عن استدراج الله للمشركين وتأخير عقابهم، مع تفسير معاني الكلمات والتعابير الواردة في الآيات، ويبين أن استدراج الله للمشركين هو حكمة إلهية لزيادة عقابهم في الآخرة.
يتناول المقطع الرابع تكذيب المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ويبين سبب كراهية الله لمن خالف دينه، حيث قالوا أشياء كثيرة فيها كذب وافتراء على الله ودينه.
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ، ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ. قَالَ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ. يُقَالُ: كَشَبَتِ الْحَرْبُ عَنْ سَاقٍ إِذَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ فِيهَا. وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ امْتِحَانًا لِإِيمَانِهِمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، تَصِيرُ ظُهُورُهُمْ طَبَقًا وَاحِدًا. خَاشِعَةً: حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يُدْعَوْنَ، أَيْ ذَلِيلَةً أَبْصَارُهُمْ، لَا يَرْفَعُونَهَا. تَرْهَقُهُمْ: تُغَشِّيهِمْ ذِلَّةٌ. وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ فِي الدُّنْيَا إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ، فَلَا يَأْتُونَ بِهِ، بِأَنْ لَا يُصَلُّوا. فَذَرْنِي: دَعْنِي. وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ: الْقُرْآنَ. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ: نَأْخُذُهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ: أَمْهِلُهُمْ. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ: شَدِيدٌ، لَا يُطَاقُ. أَمْ تَسْأَلُهُمْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَجْرًا، فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مِمَّا يُعْطَوْنَكَ مُثْقَلُونَ، فَلَا يُؤْمِنُونَ لِذَلِكَ. أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ: الْلَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ الْغَيْبُ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ مِنْهُ مَا يَقُولُونَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، الصَّادِقِ الْأَمِينِ. أَمَّا بَعْدُ، مَا زِلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَاتِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: سُورَةِ الْقَلَمِ. وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَ الْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَأَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَهُ حَالَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلِذَلِكَ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. رُوِيَتْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ تَفْسِيرَانِ اثْنَانِ مَشْهُورَانِ، رُوِيَا عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. رُوِيَ أَنَّهَا تَكْشِفُ عَنْ شِدَّةٍ مَا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَمْرِ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ. وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ. وَرِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاقِ سَاقُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. وَيُثْبِتُ إِثْبَاتَ وُجُودٍ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «يُكْشَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ سَاقٍ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ». فَيُرِيدُ الْمُشْرِكُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، يَجْعَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ظُهُورَهُمْ طَبَقًا وَاحِدًا. وَقَدْ بَيَّنَ أَهْلُ الْعِلْمِ، كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَلَا فِي مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَطْ. وَأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّاقَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ تُضَفْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وَلَمْ يَقُلْ: سَاقِ اللَّهِ. فَسَّرَهَا مَنْ فَسَّرَهَا مِنْهُمْ بِالشِّدَةِ. وَلَا يُنَافِي مَنْ فَسَّرَهَا بِالشِّدَةِ إِثْبَاتَ وُجُودِ السَّاقِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، لِأَنَّ هَذَا ثَبَتَ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى مِنْ أَدِلَّةِ السُّنَّةِ. فَقَدْ أَثْبَتَتْ أَدِلَّةُ السُّنَّةِ السَّاقَ وَالْقَدَمَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّفَاتِ. نُمَرِّرُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَعَظَمَتِهِ. وَإِذَا تَأَمَّلْنَا الْآيَةَ، وَجَدْنَا أَنَّ الْآيَةَ تُوَافِقُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْآيَةَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّهَا تُفَسَّرُ بِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. وَسَلَكَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَسْلَكَيْنِ اثْنَيْنِ: الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنْهُمْ قَالُوا: مَا سَمِعْنَا فُسِّرَتِ الْآيَةُ بِتَفْسِيرَيْنِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ السَّلَفِ. فَفُسِّرَتْ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الشِّدَةِ الَّتِي تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشِدَّةِ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَنَحْوِهِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِثْبَاتَ وُجُودِ السَّاقِ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى مِنَ السُّنَّةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ. وَلَوْ لَمْ تُضَفِ السَّاقُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ الْآيَةَ تُوَافِقُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي إِثْبَاتِ السَّاقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَهَذَانِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تُثْبِتُ السَّاقَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ يُرَجِّحُونَ أَنَّ الْآيَةَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَيُضْعِفُونَ الرِّوَايَاتِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى الشِّدَةُ الْمُصَاحِبَةُ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ. وَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا تَعَارُضَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الثَّانِي أَرْجَحَ لِتَأْيِيدِ الْحَدِيثِ لَهُ. وَيُسَاعِدُ ذَلِكَ أَنَّ السَّاقَ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ تُضَفْ إِلَى اللَّهِ. وَلِهَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾، قَالَ: امْتِحَانًا لِإِيمَانِهِمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ. قَالَ: تَصِيرُ ظُهُورُهُمْ طَبَقًا وَاحِدًا. وَهَذَا قَدْ جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ، كَمَا تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. لَمَّا اسْتَكْبَرُوا عَنْ السُّجُودِ فِي الدُّنْيَا، عُوقِبُوا بِأَنْ حُرِمُوا السُّجُودَ فِي يَوْمِ الْآخِرَةِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، يَجْعَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ظُهُورَهُمْ طَبَقًا وَاحِدًا، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، قَالَ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يُدْعَوْنَ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مِنْ شِدَّةِ مَا يُصَابُونَ بِهِ، تَثْبُتُ أَبْصَارُهُمْ مِنْ الرَّهْبَةِ وَالْخَوْفِ وَالذُّعْرِ الَّذِي يُصِيبُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَلِهَذَا قَالَ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، قَالَ: تُغَشِّيهِمْ. وَكَمَا مَرَّ مَعَنَا وَتَكَرَّرَ: أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى. فَتَرْهَقُهُمْ: أَيْ تَكْسُوهُمْ صِفَةَ التَّعَبِ وَالْإِرْهَاقِ وَالْغَشَاوَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا عَلَامَاتُ ذَاكَ الذُّعْرِ الشَّدِيدِ. ذِلَّةٌ: هَذِهِ الذِّلَّةُ ذِلَّةُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا كِبْرًا وَعِتُوًّا وَعِنَادًا وَسُخْرِيَةً وَاسْتِهْزَاءً. يُعَاقِبُونَ بِالضِّدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا أَنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالذَرِّ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا الْكِبْرُ، فَكَذَلِكَ الذُلُّ الَّذِي كَانُوا فِي تَعَالِي فِيُذِلُّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذِهِ الْآيَاتُ لَوْ نَتَأَمَّلُ فِيهَا بَعْضَ الْوَعِيدِ الَّذِي وَعَظَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وَأَوْسَطِهَا، مِمَّا كَانَ مِنْ عِنَادِهِمْ وَكِبْرِهِمْ وَسُخْرِيَتِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَتَعَالِيهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. فَيُذِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْوَاعِ الذُّلِّ. وَمِنْ ذَلِكَ الْخَوْفُ وَالذُّعْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي يُصِيبُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا فِي غَايَةِ الذُّلِّ. قَالَ: وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ فِي الدُّنْيَا إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ، فَلَا يَأْتُونَ بِهِ، بِأَنْ لَا يُصَلُّوا. وَالْمَعْنَى: امْتَنَعُوا فِي الدُّنْيَا، فَعُوقِبُوا بِالْمِثْلِ فِي الْآخِرَةِ. قَالَ: فَذَرْنِي: دَعْنِي. وَهَذَا كَذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِبَعْضِ الْمَعْنَى، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ التَّرْكِ لِشِدَّةِ مَا يُصِيبُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، هِيَ الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُمُ التَّكْذِيبُ. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ: نَأْخُذُهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا. وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي الدُّنْيَا. فِي الدُّنْيَا هُمْ الْيَوْمَ أَمَامَكُمْ فِي هَذَا الْعُتُوِّ وَالِاسْتِكْبَارِ وَالسُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَصْفِهِمْ. فَهَذِهِ السُّورَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ السُّوَرِ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَدْرِجُهُمْ. فَإِذَا أَخَذَهُمْ أَخَذَهُمْ أَخْذُ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، كَمَا قَالَ اللَّحُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَدْرِجُهُمْ اسْتِدْرَاجًا. وَمَا يُعْطِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ مِنَ الْاسْتِدْرَاجِ، لِتَكُونَ لَهُمُ الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ. قَالَ: مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ: أَمْهِلُهُمْ. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ. وَأُمْلِي: أَبْلَغُ مِنَ الْإِمْهَالِ. وَالْمَعْنَى: أَتْرُكُهُمْ. فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْاسْتِدْرَاجِ الَّذِي يُسْتَدْرَجُونَ بِهِ. وَهَذِهِ حِكْمَةٌ مِنَ اللَّهِ. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ: شَدِيدٌ. وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِبَعْضِ الْمَعْنَى. فَالْمَتِينُ: أَبْلَغُ مِنْ شَدِيدٍ، أَيْ غَايَةٌ فِي الشِّدَةِ. وَلِهَذَا قَالَ: لَا يُطَاقُ. وَكَذَلِكَ: أَمْ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا أَنَّهَا بِمَعْنَى بَلْ. وَهِيَ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ. وَلَا يَزَالُ الْكَلَامُ بِهَا فِي لُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَهِيَ مِنْ لُغَةِ حِمْيَرٍ. قَالَ: تَسْأَلُهُمْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَجْرًا. وَهَذَا كَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْاسْتِدْرَاجِ. فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ: مِمَّا يُعْطَوْنَكَ. مُثْقَلُونَ: أَيْ فَلَا يُؤْمِنُونَ لِذَلِكَ. وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لِأَجْلِ كِبْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ كَانُوا عَلَى هَذَا. أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ؟ قَالَ: الْلَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ الْغَيْبُ. وَهَذَا مِنْ التَّفْسِيرِ بِبَعْضِ الْمَعْنَى. فَالْغَيْبُ يَشْمَلُ الْلَّوْحَ الْمَحْفُوظَ وَالْوَحْيَ الْمُنَزَّلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْغَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ هَؤُلَاءِ. فَهُمْ يَكْتُبُونَ مِنْهُ مَا يَقُولُونَ. لِأَنَّهُمْ قَالُوا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِيهَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى دِينِهِ وَشَرْعِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَعْنَى مِنْ أَمْرِ تَكْذِيبِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ.