تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 6

تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 6

الدرس في تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الأمر بالصبر وعدم التسرع

يبدأ المقطع الأول بالأمر بالصبر وعدم التسرع في مواجهة الأذى، ويشرح الآيات الأخيرة من سورة القلم. يأمر الله نبيه بالصبر على حكم الله.

قصة يونس عليه السلام ودلالات ابتلائه

يتناول المقطع الثاني قصة يونس عليه السلام وابتلاءه ببلع الحوت له، مشيرًا إلى أن هذا البلاء كان لحكمة إلهية. يبين أن البلاء قد يكون نعمة ورحمة من الله.

تأثير القرآن والعين والحسد

المقطع الثالث يتناول تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بنبي الله يونس وتأثير العين والحسد. يشير إلى أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين ويؤثر على الإنسان والجمادات.

ختام السورة وتكرار ذكر القرآن

المقطع الأخير يبرز عظمة القرآن من خلال تكرار ذكره في بداية ونهاية السورة. يشير إلى أن هذا التكرار دليل على فصاحة وبلاغة القرآن ويختتم بالتسبيح والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ۝ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ۝ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ۝ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. قال المفسر رحمه الله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فِيهِمْ بِمَا يَشَاءُ﴾، ولا تكن كصاحب الحوت في الضجر والعجلة، وهو يونس عليه السلام، إذ نادى، دعا ربه، وهو مكظوم، مملوء غمًا في بطن الحوت. ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، لكنه رحم، فنبذ غير مذموم. ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ بالنبوة، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الأتقياء. ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ برم الياء، وفتحها، ﴿بِأَبْصَارِهِمْ﴾، ينظرون إليك نظرًا شديدًا يكاد أن يصرعك، ويسقطك من مكانك، ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، القرآن، ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ بسبب القرآن الذي جاء به، ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾، موعظة، ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾، الجن والإنس، لا يحدث بسببه جنون. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه خاتمة هذه السورة العظيمة، سورة «والقلم»، ختم الله عز وجل بها بخاتمة فيها من الفصاحة والبيان بحسن الختام ما يدل على عظمة هذا القرآن العظيم المنزل من رب العالمين. بعد أن ذكر في هذه السورة من أولها إلى هذا الموضع ما كان عليه المشركون والكافرون من أذية النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، بمواضع عدة وحوارات مختلفة، وضربت فيه الأمثال، وجعلت فيه العظات والعبر، وذكر حال المؤمنين، وقبله حال الكافرين، وما يكون، وما توعد الله عز وجل به أهل الكفر والشرك في الدنيا والآخرة، وما وعد الله عز وجل به أهل الإيمان والتقوى من عظيم فضله وعطائه في الدنيا والآخرة، ناسب أن تختم هذه السورة بالأمر بالصبر، بقوله سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. قال رحمه الله: «فيهم بما يشاء»، والظاهر، والله أعلم، ليس المراد تخصيص حكم الله عز وجل بهؤلاء الكافرين المشركين، ولكن حكم الله عام من ذلك، فكل ما سبق ذكره هو من حكم الله عز وجل الشرعي والقدري. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ اللَّهِ﴾ الشرعي الذي يأمر أهل الإيمان بالصبر عند البلاء، والقدري الذي جعل النصر مرتبطًا بالبلاء، ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما النصر مع الصبر»، فلا يأتي نصر من دون بلاء يكون معه صبر. كما ذكر غير واحد من أهل العلم باستقراء الأدلة: فإن حسن النهايات محفوف بشدة البدايات، فلابد لكل شيء حسن من شدة ومشقة تقتضي معه الصبر. فهذه الشجرة المثمرة لم تثمر ثمرتها إلا بعد تعب وعناء، ولولا التعب والعناء ما كانت هذه الثمرة. وهكذا كذلك الأمور المعنوية، لا يصل طالب العلم إلى ما يحب من العلم إلا بعد حياة مليئة بالجد والمثابرة والصبر حتى يصل إلى الثمرة التي يرجوها. وهكذا كذلك حال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، جعل الله عز وجل في قصصهم وأخبارهم من العظات والعبر، ومن أعظمها حكم الله عز وجل الحق بأنهم يمرون بأنواع من الابتلاء والشدة، فيكون صبرهم، فتكون النتيجة ماذا؟ نصرهم وظفرهم وحسن عاقبتهم. تأمل أخبار الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من لدن آدم وإدريس، ومن بعده من الأنبياء والرسل، ثم نوح وموسى وعيسى، وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم، مرورًا بعدد لا يحصيهم إلا الله من الأنبياء والرسل، ما كانت حياة واحد منهم في دعوته فيها الرخاء، ولكن كان فيها الشدة والبلاء، فصبروا، فكان نصر الله عز وجل. فهذا حكم الله سبحانه وتعالى: أن النصر لا يأتي إلا مع الصبر الذي يسبقه من البلاء والشدة، ما لا يخفى على كل من عرف دين الله عز وجل. فالمقصود: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ اللَّهِ﴾، أي الشرعي والقدري الذي يكون بعده، بإذن الله، حسن العاقبة. ثم سأل ربنا سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، والخطاب له ولأمته، بقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، وصاحب الحوت هو يونس بن متى عليه الصلاة والسلام، تأذى من قومه، فتضجر، وذهب معجلًا كما أخبر الله عز وجل عنه، فابتلاه الله عز وجل فوق البلاء الذي سبقه من أذية قومه، بأن التقمه الحوت، فذهب به في ظلمات البحار بعيدًا. فعندها تذكر ربه سبحانه وتعالى، واستغفره، وسبحه، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ۝ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون المؤمن، رجعًا، وأن يكون صبارًا لما يبتل به. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، هذا من الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز لمؤمن أن يفضل نفسه على يونس بن متى، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بمجاب الصادقين، من حديث أبي هريرة، وفي البخاري وغيره، من حديث ابن عباس، من حديث عبد الله بن مسعود، بمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقل أحد أنا أفضل من يونس بن متى». فيونس عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله عز وجل بهذا البلاء، وكان هذا الحدث لحكمة، ورب ضارة نافعة، ازداد علمًا ويقينًا بعظمة الله سبحانه وتعالى، حين أكله هذا الحوت، ابتلعه هذا الحوت الضخم، وذهب به في أعماق البحار، ثم أنجاه الله عز وجل، ورمي في الفضاء، وهذا كله فيه من العظات والعبر الشيء الكثير. وعظم البلاء محفوف بعظم الجزاء، كما أن الرفعة تكون كذلك معها محنة، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». فليس وقوع البلاء معناه النقص، بل وقوع البلاء قد تكون رفعة، يرفع الله عز وجل بها من يشاء من عباده إلى أعلى الدرجات. فإن من البلاء ما يكون عقوبة، ومن البلاء ما يكون ثوابًا في صورة ابتلاء، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى. وفي حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد وغيره، بسند صحيح: «أن الله عز وجل يرفع العبد الدرجة لا يصلها بعمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه». فليس كل الناس يستطيعون الأعمال الصالحة العظيمة، فيصلون إلى أعلى الدرجات، فيكرم الله عز وجل من يشاء من عباده، فيرفعهم إلى أعلى الدرجات، بما يكون من الابتلاء، حتى يتمنى يوم القيامة أن يبتلى ويبتلى ويبتلى ليرتقي إلى أعلى الدرجات. فإذا جمع الله عز وجل لعبد من عباده بين الأعمال الصالحة العظيمة مع البلاء، فهذا معناه أنه سيرتفع ويرتقي إلى أعلى الدرجات. والشاهد: أن الله عز وجل يذكر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأهمية الصبر وعدم العجلة. ﴿إِذْ نَادَى﴾، قال: دعا ربه، ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، قال: مملوء غمًا في بطن الحوت، وهذا من التفسير ببعض المعنى، فالكظم هو ما يحصل للإنسان من ضيق النفس من أثر ما يضره حسًا أو معنى. فما أصابه من الكظم بسبب أمور حسية، وهو كونه في بطن الحوت، وكون كذلك يونس عليه السلام ذهب به الحوت في أعماق البحار، ولا شك أن الإنسان لا يتحمل ضغط أعماق البحار، ولكن حفظه الله بكونه في بطن الحوت، ومع ذلك لا شك أنه سيجد من الكظم الحس ما لا يعلمه إلا الله، مع ما يكون من الهم والغم والخوف الذي يصيب الإنسان بمقتضى بشريته وضعفه ونقصه. فهو مهما بلغ في الخير والكمال لا يزال بشرًا ناقصًا، فكل هذا من موجبات الكظم. وفيه كذلك علم من أعلام نبوته، وموعظة من مواضع صدق رسالته: أن الأمراض التي تصيب الناس والأدواء قد تكون بأسباب حسية، وقد تكون بأسباب معنوية، فكلها يقع بسببها ما يكون به العلة لجسد هذا الإنسان. فليست العلة بسبب الأمور الحسية فقط، بل كذلك بسبب الأمور المعنوية، ومن ذلك الهموم والغموم. ولذلك يقول الأطباء والعقلاء: أن نصف الداء الهم والغم، والنصف الآخر ما يكون من الأمور الحسية. وهناك أمور معنوية ينبغي أن تعالج، وهناك أمور حسية كذلك ينبغي أن تعالج مع المريض، فلا يضاف هذا لهذا، فيعالج الأمران: معنويًا. وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ﴾، قال: أدركه، وتدارك صيغة تدل على التدرج في وقوع هذا الفعل، وكذلك «أدرك» زيادة فيه. ومعنى أن عناية الله سبحانه وتعالى ورحمته ونعمته كانت محفوفة بنبيه عليه الصلاة والسلام، فهو لم يبتليه إلا ليرفعه، ولم يجعل الحوت يلتقمه إلا ليخرجه في مكان الظلمات، وهذا كله من تدارك الله عز وجل ونعمة الله. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ﴾، والنعمة ضد النقمة، وهو الذي هو فيه بلاء، لأجل أن يعلم أن هذا البلاء ليس بنقمة، بل هو ماذا؟ نعمة. وتفسيره بقوله: «رحمة»، هذا من التفسير ببعض المعنى، فالله عز وجل أنعم على يونس بما ابتلاه الله عز وجل به، بعده بما هو أعظم من رحمته وغفرانه، لما كان منه، بأن جعل له العاقبة الحسنة والمكان الحسن، وكذلك الثمرة الحسنة. قال: ﴿مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، والواقع ليس كذلك، أي أن الله عز وجل رحمه وأنعم عليه، فنجاه من بطن الحوت، وألقاه الحوت في الفضاء، بالعراء، يعني: مكان عاري، أي خالي من الناس، وخالي من معنى الحياة. وكذلك يونس عليه السلام هو نفسه، بسبب ما كان من دخوله بطن الحوت، خرج عاريًا: حسًا، ومعنى. حسًا: بما أنجاه الله عز وجل، ولا شك أن في دخوله وخروجه مضرة عليه في جسده ولباسه وغير ذلك. ومعنى: بما يكون من التوبة عليه وإصلاح قلبه وحاله، فإن الشدة تعقب في الإنسان قوة. ولذلك لا يكون الرجل شجاعًا إلا ومر بأسباب أوصلته إلى هذه الشجاعة، ولا يكون الرجل ذكيًا إلا أو كذلك الإنسان عمومًا إلا ومر بأسباب أوصلته إلى هذه المرتبة. وهكذا فكذلك يونس عليه السلام أنعم الله عز وجل عليه بما كان تحويل البلاء إلى نعمة، وهو مذموم، أي: ليس كذلك، بل خرج وهو مكرم بنعمة من الله، سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾، قال: «بالنبوة»، والصحيح: أن هذا من التفسير ببعض المعنى، بل اجتباه الله عز وجل بكل معاني الاجتباء، بأن جعله نبيًا صابرًا، وكذلك مكرمًا، وبأن جعل له هذا البلاء العظيم، بما يكون به الرفعة والنعمة، وأن جعل له هذه الآية العظيمة التي صارت آية لقوم يونس، فهو علم من أعلام نبوته وصدق رسالته. فإن الناس علموا بهذا: أنه نبي مرسل، حفظه الله، فأخرجه من بطن الحوت، وجعل له من الإكرام ما زاد في نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك فجعله من الصالحين، أي: من أنبياء الله الصالحين، فهو نبي من أنبياء الله. وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾، وقرئ: كما قال، بالضم، ولياء قراءتان سبعيتان مشهورتان، فقرأ بالفتح: نافع وأبو جعفر، وقرأ الباقون بالضم. ومعنى: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾، أي: ليصيبونك بالأذى، مثل ما تقول: أرض زلقة، أي: خطيرة، قد تكون سببًا في انزلاق الإنسان، وهذا يقع فجأة. وكذلك سمي العين زلقًا؛ لأنه يكون سببًا في حصول الضرر المفاجئ، وهو يكون بسبب الحسد ونحوه. ولهذا قال: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾، قال: ينظرون إليك نظرًا شديدًا يكاد أن يصرعك، ويسقطك من مكانك، والإسقاط نوع من الزلق، وهذا من ثمرة العين، ففسر الشيء بثمرته. فالغالب أن المعيون إذا أصيب بالعين يسرع ويسقط، وهذا من أثر هذا الإبصار الشديد الذي فيه من الحقد والحسد ما أضر بهذا المعيون. وفيه كذلك تأكيد: أن العين حق، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أذعن له دليل القرآن. وقوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، قال: أي القرآن، والمعنى: وما احتف معه من فضل الله سبحانه وتعالى، فأصاب الحنق والحسد والغيظ، بما كان منهم هذا المعنى. ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: فيما جاء به من القرآن والوحي المنزل من الرحمن سبحانه وتعالى. وفيه كذلك: أن العين تقع من شرار الخلق، وتقع من شرار الأفعال، وهي حق، وينبغي أن تعالج بالذكر، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في رقي الحسن والحسين، في حديث ابن عباس وغيره. وهكذا كذلك ما جاء في حديث أبي سعيد وغيره من الأحاديث في الرقى التي تقال في دفع العين. وقوله: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾، أي: القرآن، والذكر، قال: «موعظة»، وهذا من التفسير ببعض المعنى، فهو موعظة، وهو كذلك رقية، وهو علم، وغير ذلك من معاني هذا القرآن العظيم الذي هو ذكر لله عز وجل، يحيي الله عز وجل به، ويصلح القلوب والأجساد للعالمين. قال: «الجن والإنس»، والعالم هو كل ما سوى الله سبحانه وتعالى، فليس الإنس والجن فقط، بل كل ما سوى الله يؤثر فيه هذا القرآن، وهذا الذكر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. فكل ما سوى الله يؤثر فيه هذا الذكر، فإذا كان يؤثر في الجمادات، فإنه من باب أولى أن يؤثر في الإنسان. ولذلك كان شفاء ورحمة وموعظة، فهو شفاء معنويًا، بما يكون من إصلاح هذا الإنسان في نفسه وقلبه وأعماله، وارتقاء به في سلم الإسلام ودرجات الإيمان. وهو شفاء حسيًا، بما يكون في دفع أنواع الأمراض والأسقام، وهذا من عظيم فضل الله ونعمة الله في هذا القرآن. ولذلك تجد: إذا قرئ القرآن على الممسوس، وعلى المعيون، يشفيه الله عز وجل: حسًا ومعنى. معنى: بما يكون من صلاح هذا الإنسان في عمله وقلبه، وحسًا: بما يكون من شفائه من سقامه ومرضه. وكذلك حتى بعض الأمراض الحسية ينفع فيها هذا القرآن، فقد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقرأ بالمعوذات، ويقرأها على غيره. وهكذا فعل معه عليه الصلاة والسلام، ولما سحر، أرسل الله عز وجل له ملائكة ترقيه؛ لأجل أن يشفى مما ابتلي به عليه الصلاة والسلام. ولما مرض، رقته عائشة رضي الله عنها وارضاها بالقراءة عليه، ومسح على جسده بكفيه عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وجرب الصحابة، ومن أنواع العلاج ما يكون بالتجربة: أن القرآن إذا قرئ على الماء أو على غيره، فإنه يؤثر على الإنسان. ولهذا صاروا يرقون على ورق السدر والماء ونحوه مما هو مجرب، فيكون به الشفاء. وأثبت العلم الحديث بالتجربة والفحوصات الحسية المخبرية وغيرها: أن الجمادات تتأثر بهذا القرآن، فالماء المقروء تتغير جزئياته، فيكون على غير الماء غير المقروء. ولهذا يؤثر هذا الماء على المعيون والممسوس ونحو ذلك، وهذا من أثر القرآن على الجمادات، فكيف لا يؤثر على الإنسان؟ وهذا كله يدل على عظمة هذا القرآن العظيم. وكذلك هذه مناسبة: أن السورة استفتحت بما كان من ذكر القرآن في أوله، ومن ذكر القرآن في آخره، وهذا من فصاحتي وبلاغتي وبياني هذا القرآن، وما في هذه السورة خاصة. وبهذا نكتفي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.