القول السديد في مقاصد التوحيد  68

القول السديد في مقاصد التوحيد 68

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 68، الدرس الثامن والستون:من( فيه مسائل-الأولى:تفسير آية البقرة ... الحادية عشرة:أن من اتخذ نداً تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسائل المحبة في الإيمان وتأثيرها

يشرح هذا الفصل مسائل المحبة في الإيمان ووجوب تقديم محبة الله ورسوله على النفس والأهل والمال، ويبين أن للإيمان حلاوة تتفاوت بين الناس. كما يوضح أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.

أثر المحبة في الطاعة والمعصية وكسب حب الله

يناقش هذا الفصل كيف أن المحبة لله ورسوله تؤثر على الطاعة والمعصية، ويشرح أن كسب حب الله ورسوله يتم عبر العلم والعمل بالطاعات واجتناب المعاصي. يبين أن من يحب الله يجد حلاوة في الطاعات ويستثقل المعاصي.

تحذير من تفضيل محبة المخلوقات والشرك

يحذر هذا الفصل من تفضيل محبة الأهل والمال والمناصب على محبة الله ورسوله، ويشرح خطورة الوقوع في الشرك بسبب هذه المحبة الزائدة. يبين أن الشرك قد يكون أكبر أو أصغر وأن محبة غير الله مع الله قد تكون سببًا في الشرك.

انتقاد إيقاف الأموال على غير مستحقيها والنية الفاسدة

ينتقد هذا الفصل بعض الأشخاص الذين يوقفون أموالهم على غير مستحقيها مثل الأولياء بدلاً من الفقراء والمحتاجين، مما يدل على نية غير سليمة. يلاحظ أن هؤلاء الأشخاص غالبًا ما يبررون أفعالهم بحجج واهية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فيه مسائل؛ الأولى: تفسير آية البقرة، الثاني: تفسير آية براءة، الثالث: وجوب تقديم محبته صلى الله عليه وسلم على النفس والأهل والمال، الرابعة: أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام، الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها، السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها، السابعة: فهم الصحابي للواقع أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا، الثامنة: تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبًا شديدًا، العاشرة: الوعيد على من كان الثماني أحب إليه من دينه، الحادي عشر: أن من اتخذ ندًا تساوي محبته محبة الله وهو الشرك الأكبر. وهذه المسائل كما رأينا، ومر معنا، نظائرها مأخوذة من أدلة هذا الباب المذكور قبله. فقوله: تفسير آية البقرة، يعني: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. وعلمنا فيما سبق أن المقصود بيان أن من المحبة ما يصل إلى الشرك، على ما سبق التنبيه عليه من التفريق بين الحب الاختياري الذي يستطيع أن يتصرف فيه المرء ويضبطه بالضوابط الشرعية، وبين ما ليس كذلك مما يوجب منافاة للشرع. فالحب الاختياري هو المقصود ها هنا. أما الحب الفطري فليس الكلام عليه، ولكن المبالغة في الحب الفطري تنقله إلى معنى الاختياري. والمقصود هنا المحبة التي يكون فيها معنى العبودية، فيكون بذلك الشرك الأكبر أو الأصغر. وقوله: الثاني تفسير آية براءة، يعني: ما تقدم من قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. فالشاهد: أن هذه الآية فيها بيان معنى المحبة التي ينبغي أن يكون عليها العبد، وهي أن يحب الله سبحانه وتعالى، ويحب لله. فكل ما في الدنيا إن أحببته فاحتسب حبه لله، حتى يأجرك الله سبحانه وتعالى، وحتى تضبطه بما علمك هذا الدين، فتكون بذلك بإذن الله من الفائزين؛ لأن الحب إذا لم يضبط بالضابط الشرعي ربما كان سببًا للهلاك. وقوله: الثالثة وجوب تقديم محبتي صلى الله عليه وسلم على النفس والأهل والمال، كما تقدم في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولدي ووالدي والناس أجمعين»، الحديث، أنس في الصحيحين، وسبق الكلام عليه. وقوله: الرابع أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام، يعني: للحديث «لا يؤمن أحدكم» ليس معناه أنه كافر، لكن معناه لا يكمل إيمان أحدكم. وإلا فمن الناس من يقع عنده ما ينافي هذا الحديث، فيكون مع ذلك مسلمًا، هو مسلم لكن ناقص في الإيمان. وهل يتصور أن يكون هذا النفي نفيًا لأصل الإيمان؟ الجواب: نعم، وهذا يكون ويتصور في حق المنافق؛ المنافق ليس عنده حب أصلا لله ولا لرسوله عليه الصلاة والسلام، ولا لدين الله، بل حبه لولده ووالده وما يملك من الدنيا أحب إليه. فمثل هذا ينتفي عنه أصل الإيمان؛ لأن أصل الحب غير موجود. أما المسلم فلا شك أنه لم يدخل في دين الإسلام ولم يستمر على هذا الدين إلا وفي قلبه حب لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ولشرع الله. ولهذا فهو لا يزال مسلمًا. أما المنافق فربما ظهرت عليه علامات الإسلام لغرض من أغراض الدنيا. والنفاق لم ينقطع، بل لا يزال النفاق والمنافقون إلى يومنا هذا؛ لأن أغراض النفاق كثيرة. ربما إنسان كافر يأتي إلى بلاد المسلمين يريد عملًا، ويعرف أن المسلمين يحبون المسلم، فيظهر الإسلام وهو ليس بمسلم، وربما صلى مع المصلين، وصام مع الصائمين، وحج مع الحجاج، وفي قلبه هو كافر، وهو ناقم على المسلمين. فمثل هذا ليس عنده أصل الإيمان؛ لأن المحبة أصلا غير موجودة. وقوله: الخامس أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها. وهذه الحلاوة بتفاوت الناس في هذا الحب. وهل الحلاوة حسية أو معنوية؟ أشار ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه إلى هذا الخلاف، وبيّن رحمه الله تعالى في بعض كتبه أن القول بأنها حلاوة حسية ليس ببعيد، وإن كان الأصل أنها حلاوة معنوية؛ يعني: الذي يحب الله عز وجل ويحب شرع الله ويحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد حلاوة الإيمان بالتلذذ بالطاعات، وكذلك كراهية الذنوب والمعاصي والسيئات. وهذه حلاوة؛ لذلك تجد الذي يكمل في قلبه الحب يكون عنده رغبة في الطاعات وميل إليها، وهي عليه خفيفة. والذي ليس في قلبه كمال في الحب تثقل عليه الطاعات، ويجد نفسه فيها ثقيلا. قد يقول قائل: هل هذا نفاق؟ الجواب: لا، لا يلزم أن يكون نفاقًا اعتقاديًا، ولكن قد يكون من النفاق العملي؛ كما أن الكاذب أو الكذاب منافق، ونفاقه نفاق عملي، ومن يخلف الوعد منافق، ونفاقه نفاق عملي. فكذلك من نقص حبه فإنه يكون عنده معنى النفاق العملي. ولهذا تثقل عليهم الطاعات، فيكون فيه مشابه من المنافقين «وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى». فمثلًا من عشق الدشوش وما كان بمعناها من ذنوب ومعاصي، افتتن بها الكثير من الناس، ربما يثمر ذلك في قلبه لسبب تعلقه وحبه لمثل هذا المعنى، أورث في قلبه ثقلا في الطاعات. فربما إذا نودي إلى الصلاة يستثقل ذلك جدًا، بينما إذا نودي إلى مباراة أو نودي إلى تمثيلية أو فيلم أو كذا، يجد رغبة وشوق ونشاط. والفرق كان بسبب هذه المحبة. وبه نعرف أن المحبة تأتي بماذا؟ بالطاعة. قد يقول قائل: كيف نكسب حب الله وحب رسوله؟ يكسب حب الله وحب رسوله وحب شرعه ودينه بأمور كثيرة، من أهمها ثلاثة أشياء: أولها العلم؛ لأن العلم يبصر الإنسان بمواضع المحبة فيتبعها، ومواضع البغض فيجتنبها. وثانيها: العمل بالطاعات؛ فكلما ازددت طاعة خفت عليك الطاعات، وازددت لله حبًا، وله حبًا. وانظر إلى حال الصائمين في شهر رمضان، هذا مثال عملي لبيان كيف أن المحبة تزيد وتنقص، وكيف أن الطاعات تخف وتثقل بزيادة ونقصان هذه المحبة. ففي هذا الشهر لما تعود الناس فعل الطاعات من الصيام، ما شاء الله، ومن كذلك اجتناب ما استطاعوا من المخالفات حتى لا ينقدح صيامهم، ومن المواظبة على الصلوات الفريضة والنوافل، ومنها قيام الليل، تزكو نفوسهم، النفوس تزكو، فيجدون نشاطًا. حتى أن الواحد لو تأمل يتعجب كيف كان يستطيع يواضب على قيام الليل في شهر رمضان، فلما ذهب شهر رمضان صار قيام الليل من كما يقال أصعب المستحيلات، ليس من المستحيلات بل من أصعب المستحيلات. ما هو السبب؟ السبب ما تقدم. والأمر الثالث: اجتناب المعاصي؛ فاجتناب المعاصي كذلك من أسباب إيجاد المحبة لله ولرسوله ولشرعه ودينه. والعكس إذا انغمس الإنسان في المعاصي أحبها وخالط حبها قلبه، فلم يكن مكانًا لحب الله وحب رسوله وحب دينه وشرعه، زاحم الحب فزاحم الحب؛ فالقلب وعاء، إما أن يملأ بالخير وإما أن يملأ بغيره. ومنافذ هذا الوعاء: العين والأذن واللسان والجوارح، كأنه عندك وعاء له أربعة منافذ. فكلما أدخلت فيه شيئًا طيبًا صلح هذا الوعاء، فأثمر أعمالا وأقوالا طيبة، والعكس بالعكس. قال: السادسة أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها. ومعناه المذكور في الحديث بقوله: حين أشار الأسباب التي يكون بها أو تنال بها ولاية الله سبحانه وتعالى، كما ذكر ابن عباس، وهو الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. فالحب في الله والبغض في الله أمران: إثبات ونفي، والموالاة والمعاداة في الله كذلك أمران: إثبات ونفي. فإذا تحقق أمر هذه الخصال الأربع صار العبد وليًا من أولياء الله. وهذا هو معنى الإيمان والتقوى «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ». آمنوا من لوازم الإيمان الحب في الله، ومن لوازم الإيمان الموالاة في الله، وكانوا يتقون من لوازم التقوى البغض في الله والمعاداة في الله. وقوله: السابع فهم الصحابي للواقع، يعني: حين قال: صار عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا. ومعنى: كثر في الناس الجهل، وعم فيهم قلة العلم، والعمل بالعلم إلا من رحم الله، فصارت خلطة الناس إما لتجارة وإما لمصاهرة أو لغير ذلك. ولا يعني ذلك أن مثل هذه الموالاة تمنع، لا، ما كان حقًا يبقى، لكن يحتسب الإنسان فيها الأجر من الله. فمثلًا أنت توالي قرابتك، والهم لله ثم للقرابة، ليس للقرابة. ولهذا فأنت مستعد أن تقطع أي قريب ولو كان أقرب قريب إذا خالف وعاد ما يحبه الله. ومثل هذا له شواهد؛ انظروا ماذا قال الله عز وجل في عم النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام. واليوم في هذا الزمان ربما تجد الإنسان ما يستطيع أن يفعل مثل هذا، ولا عشر عشره. فصارت علاقة الناس لها مثل هذه الاحتسابات. هذا من قبيلة، وهذا من عشيرة، ولو كان من أعدى الناس لأهل هذا الدين. وهذا خطأ؛ بل أحب الناس إليك ينبغي أن يكون أحب لله، وليس أقرب في النسب. وهكذا الأمور الأخرى. وقوله: الثامنة تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، يعني: ما جاء في كلام ابن عباس، وتفسير هذه الآية: أي تقطعت المودة على ما سبقت الإشارة إليه. وقوله: التاسع أن من المشركين من يحب الله حبًا شديدًا، يعني: ومع ذلك ما نفعته هذه المحبة؛ لماذا؟ لأنه أحب مع الله غيره. فالشرك ينقسم إلى قسمين: من الشرك عبادة غير الله والكفر بالله، ومن الشرك عبادة الله وعبادة غير الله معه، وحب الله وحب غير الله معه حبًا يزاحم حب الله. فهذا من الشرك. وكما أن الشرك الأكبر يكون كذلك، أي منه ما يكون صاحبه قد جمع بين العبادتين والمحبتين؛ مثلًا عباد الأصنام يعبدون الله ويعبدون أصنامهم. ولهذا كانوا يحجون وكانوا كذلك يصومون ويتصدقون، كما أخبر الله عز وجل عنهم في آيات كثيرة، وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام معناه. وهم مع ذلك أهل شرك، وعملهم مردود؛ لماذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟، فصار شركهم بسبب حب متابعة الآباء. وهكذا كذلك الأبناء؛ فإنهم قد يكونوا هم الفتنة «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ» ونحو ذلك. وهكذا كذلك الأموال والتجارات والمساكن. وقوله: العاشر الوعيد على من كان الثماني أحب إليه من دينه، يعني: الثماني المذكورة في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. فهذه الثمانية ليس المقصود منها الحصر على ما تقدم من مفهوم العدد؛ فمفهوم العدد على القول الصحيح لا يفيد الحصر، ولكنه ينبه على الأهم والغالب. فهذه الثمانية لا ينبغي أن تزاحم حب الله. وفيه لفتة إلى ما ينبغي الانتباه له من الفتنة في هذه الثمانية. كم من الناس من يفتن بأبنائه، فيكون أبناؤه سببًا لتقصيره في محبة الله وطاعته؟ والعكس كم من الناس من يفتن بآبائه؟ وهكذا كذلك الإخوة والأزواج والعشيرة. حتى جعل أصول هذه الخصلة الثمان من مسائل الجاهلية؛ يعني: مما يقع فيه بعض ما وقع فيه أهل الجاهلية، كما قال الله عز وجل عن بعض المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. فهنا صار شركهم بسبب حب متابعة الآباء. وهكذا كذلك الأبناء؛ فإنهم قد يكونوا هم الفتنة «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ» ونحو ذلك. وهكذا كذلك الأموال والتجارات والمساكن. وقوله: الحادي عشر أن من اتخذ ندًا تساوي محبته محبة الله، والشرك الأكبر. المراد بالندية ها هنا بكل معانيها: سواء الندية في معنى الربوبية، ولو في خصلة من خصال الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات. وقد يقول قائل: أنا ما اتخذت ندًا، لكن حبه وميله يدل على هذه الندية. مثل عباد القبور اليوم، هم ينفون بألسنتهم وربما بمؤلفاتهم أن يكونوا قد اتخذوا هذه القبور أندادًا مع الله أو من دون الله، هم يقولون هذا ويكتبون وينفون. لكن هل الواقع كذلك؟ الجواب: لا. ولهذه المحبة شواهد؛ من ذلك تجد الواحد منهم يحلف بالله كاذبًا، ولا يستطيع أن يحلف بالولي كاذبًا. حتى وجد في هذه البلاد في فترة ليست ببعيدة في بعض المحاكم التحليف ببعض هؤلاء المعبودين من دون الله، فيحلف بالله وبالنبي وبالولي. ربما بعضهم يقول: بالله وبالنبي ويقف عند الولي، ما يستطيع، يخاف عقوبة الولي. هذا معنى من معاني الندية. مع أن الحلف لا يجوز إلا بالله سبحانه وتعالى وحده. لكن انظر إلى أين وصل الشرك؟ وهذا من معاني الشرك. وهكذا كذلك بالميل والرغبة. ربما بعضهم إذا قيل: تصدق على فقير أو مسكين، بخيل. لكن تعال انظر في الزيارات الشركية كم من نفقات تنفق، أموال طائلة تنفق على هذه القبور وعلى أيام الزيارة وعلى النذور لتلك الأوثان التي تعبد من دون الله. هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن محبة هؤلاء صارت أعظم من محبة ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا أحد الثمانية المتقدمة، أي: في المال. وهكذا كذلك ربما بعضهم يقف بيته للولي الفلاني. ولو قيل: أوقف هذا المال لأيتام، لمساكين، لأرامل، يقول: والله نحن محتاجون، والأولاد كثير. لكن مع هذه المعبودات التي تعبد من دون الله ما يصير الأولاد كثير، بل نعرف فقراء، والله فقراء. أوقفوا بيوتًا ومزارع، وهم فقراء، هم أحوج بهذه المزارع والبيوت. وهذا إن دل على شيء دل على معاني هذه الندية التي حذرنا منها. طيب نقف إلى هنا والله تعالى أعلم.