الدرس السادس:(18-نتقيد في فهمنا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بفهم سلف الأمة ...23-نرى تقديم الأهم فالأهم فالواجب على المسلمين أن يهتموا بإصلاح العقيدة..).
يتناول التحذير من الجماعات التي تنتسب إلى السلفية ولكنها تتبنى أفكارا منحرفة، مثل جماعة عبد الرحمن عبد الخالق ومحمد سرور. كما يشير إلى أن السلفية الحقيقية بريئة من هذه الجماعات.
يتناول مفهوم السياسة في الإسلام ويوضح أن الإسلام دين شامل يتناول جميع جوانب الحياة. يحذر من فصل السياسة عن الدين أو الانحراف في ممارستها.
يُناقش أهمية العلم النافع والعمل الصالح في إصلاح المجتمعات، ويُشير إلى أن الدعوة والتعليم والتربية هي السبيل لإصلاح المجتمعات ونشر الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فاتتماما لما سبق، قال شيخنا -رحمه الله تعالى- في سياق ذكره لوصول هذه الدعوة المباركة: قال -رحمه الله تعالى-: «نتقيد في فهمنا لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بفهم سلف الأمة من المحدثين، غير مقلدين لأفرادهم، بل نأخذ الحق ممن جاء به. ونحن نعلم أن هناك من يدعي السلفية، والسلفية بريئة منه، إذ قد أصبح يجاري المجتمع في تحليل ما حرم الله، كأصحاب عبد الرحمن عبد الخالق ومحمد سرور. لما ذكر -رحمه الله- جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ، ناسب أن يذكر جماعة أخرى تنتسب إلى السلفية، والسلفية منها براء، وهي الجماعات التي هي بمعنى الحزبيات المغلفة، تتسمى بمسميات كجمعيات خيرية وغيرها. وحقيقة هذه أنها عبارة عن جماعات تتحمل مناهج وأفكار هي من المناهج والأفكار المنحرفة، البعيدة كل البعد عن طريقة أهل السنة والجماعة. وهي التي كان يسميها شيخنا -رحمه الله- بالحزبيات المغلفة؛ لأنها تظهر اسم الجمعيات الخيرية، وتبطن الولاء والبراء الضيق الذي تنادي به الجماعات الحزبية. فعندهم ولاء وبراء ضيق لأفراد تلك الجماعة، ولهم منهج يسيرون عليه. وحقيقة أهل هذا الفكر أنهم أرادوا أن يجمعوا بين طريقة الإخوان المسلمين وطريقة أهل السنة السلفيين، أرادوا أن يجمعوا بين العلم والسياسة. وقد بيَّن علماؤنا ومشائخنا أنه لا يجتمع العلم والسياسة. ولما سلكوا هذا المسلك، قادهم ذلك إلى الانحراف الفكري والعقدي، فتبنوا -من حيث شعروا أو لم يشعروا- عقائد منحرفة وأفكارا ضالة. وصاروا يوالون ويعادون على ذلك. فمن ذلك إصرارهم على التنظيم الحزبي البدعي، ثم بعد ذلك يكذبون على الناس ويقولون: «إنما نريد بذلك التنظيم الشرعي»، كأنهم يقولون: «نحن نريد الترتيب، وماذا في هذا من عيب؟». وحقيقة الأمر ليس كذلك، حقيقة الأمر أنهم يدعون إلى ولاء وبراء ضيق، وإلى فكر يهدف إلى مقاصد وأغراض سياسية. ومن ذلك أنهم ابتلوا بلوثة التكفير، فصاروا ينهجون منهج الإخوان المسلمين -من حيث شعروا أو لم يشعروا- فيوالون ويعادون على فكر سيد قطب، ويحصل من العداء أو الحب والبغض بحسب ما يكون من حب هذا الرجل أو بغضه وارتضاء فكره أو مخالفته. وقد بيَّن العلماء أن سيد قطب مفكر من المفكرين، ومثقف من المثقفين، جاهل بحقيقة الإسلام. ومن جهله أنه خاض في مسائل شرعية لا علم له بها، فوقع في ضلالات كثيرة عقدية وغيرها. وأثمر ذلك فكرا تكفيريا منحرفا أضل الكثير من شباب المسلمين. وهذا الفكر التكفيري الحماسي اغتر به بعض الدعاة بسبب جهلهم بحقيقة الدعوة السلفية وطريقة الكتاب والسنة بحق، فصاروا بهذا من أتباع هذا الفكر المنحرف. وطبعا لا تنحصر القضية عند سيد قطب وإنما هذا من أبرز كتابهم، فهناك كتاب ومؤلفون كتبوا عن الإسلام وهم يجهلون هذا الإسلام، إنما بالعقل والفكر كما يقولون. وعند ذلك نشأ هذا المنهج المنحرف، وكان ثمرة ذلك جماعات كثيرة في الساحة تنتسب تارة إلى جمعيات، وتارة إلى مؤسسات، وتارة إلى أشخاص، وتزعم أنها تخالف الدعوات السياسية التي يدعو إليها الإخوان المسلمون. وفي الحقيقة هم لا يبتعدون ولا يختلفون عنهم كثيرا. ولكن الفرق بين هؤلاء وهؤلاء أن هؤلاء يعملون بالعمل المكشوف، بالانتخابات والسياسات، وهؤلاء يعملون بالعمل السري المخفي. وفي نهاية الأمر اجتمع هؤلاء وهؤلاء. ولا أدل على ذلك تصديقا ما وقع في مصر وفي غيرها من بلاد المسلمين فيما يسمى بالربيع العربي، كيف أتلف أهل هذا الفكر بعضهم بعضا. فمثلا ما يسمى بحزب النور، كيف أتلف مع حزب الإخوان المسلمين، وحصل ما لا يخفى على العارفين، مما يدل على أنها ليست مؤسسة علمية خيرية محضة، بل هي تحمل في طياتها فكرا سياسيا ومقاصد وأفكارا هي حقيقة ما حذر منه علماؤنا ومشائخنا. وبهذا ننتبه إلى أن لعلمائنا من المعرفة والدراية والخبرة بالفتن وأهلها ما ينبغي معه الوقوف عند نصائحهم. وكما يروى عن ابن المبارك وغيره، وروي عن بعض الصحابة: «أن الفتنة إذا أقبلت لم يعرفها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل الناس، إذا أدبرت عرفها كل الناس، وأما وهي مقبلة فلا يعرفها إلا العلماء». من متى حذر العلماء من عبد الرحمن عبد الخالق ومحمد سرور، وزين العابدين، ومن سار بسيرهم ونهج منهجهم، كعدنان عرعور، ومن تبعهم على ذلك، على هذا المنهج، كأبي إسحاق الحبيني ومحمد حسان وغيرهم ممن سلك هذا المسلك، من سنوات قديمة. لكن الناس اليوم عرفوا صدق ما أخبر به العلماء بالأمس، وأن ما ذكره العلماء لم يكن عن أغراض شخصية، ولا كذلك مجازفات في القول، بل هي عن دراية وخبرة ومعرفة. وننتبه كذلك لشبهة قد يلبس بها بعض الناس، فيقول: «نحن على طريقة المشايخ الكبار: ابن باز، ابن عثيمين». ولم يكن هؤلاء ينكرون على هذه الجماعات، ولا على هؤلاء الأشخاص. فيقال: «هذا كذب على هؤلاء العلماء». فلشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- تحذير من عبد الرحمن عبد الخالق. ولشيخنا الشيخ محمد بن صالح -رحمه الله- تحذير من منهج عبد الرحمن عبد الخالق. وهكذا من عدد من أرباب هذا الفكر المنحرف الذي يدعو إلى هذه السلفية الملوثة، البريئة تمام البراءة من هؤلاء. وننبه هنا إلى خطأ يعبر به بعض الناس بجهل أو بعلم، وبحسن نية أو بسوء نية، فيقولون: «هناك سلفية علمية، وسلفية سياسية، وسلفية جهادية». فيقال: «هذا تقسيم خاطئ وباطل». السلفية الحقيقية هي التي تسير بسير السلف الصالح، ليس فيها هذا الفكر الجهادي المنحرف الذي ينتسب إليه من ينتسب إلى السلفية، ويريد أن يصدقه بعض أعداء الدين. ولا كذلك هذا الفكر المنحرف الذي يدعو إليه بعض هؤلاء السياسيين، فينسبون أنفسهم إلى السلفية، والسلفية منهم بريئة، كما ذكر شيخنا -رحمه الله- هنا. فالسلفية الحقيقية سلفية بريئة من ذاك الفكر الجهادي المنحرف، والجهاد من دين الله، لكن له ضوابط وشروط. وكذلك السلفية الحقيقية بريئة من أهل السياسة المغلفة، والسياسة من الدين، لكن بضوابطها الشرعية، كما سيأتي -إن شاء الله-. ولهذا أتبع شيخنا -رحمه الله- فقال: «قال: نعتقد أن السياسة جزء من الدين، والذين يحاولون فصل الدين عن السياسة إنما يحاولون هدم الدين وانتشار الفوضى. وكذا ما شاع في بعض البلاد الإسلامية: «الدين لله والوطن للجميع»، دعوة جاهلية. بل الكل لله، والناس في هذا الباب طرفان ووسط: أناس أهل لوثة فكرية، هم ممن لهم تبعية لأعداء الدين، فصابوا بلوثة علمانية، ولوثة كذلك ربما ماسونية، فصاروا يحاربون كل شيء ينتسب ويلصق بالدين، وحاولوا أن يفصلوا السياسة عن الدين، ويريدون بذلك أن يسلكوا مسلك أعداء الدين في قولهم: «دعوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر»، كما كان عليه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما عليه حال الكنائس في القرون الوسطى. وهذا باطل في الإسلام. بل الإسلام دين شامل يتناول جميع جوانب الحياة. قل: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين». فالراعي والرعية، والحاكم والمحكوم، والشعب ومن يحكم الشعب، كلهم مأمورون أن يحتكموا بدين الإسلام، في العقائد، في العبادات، في المعاملات، في الأخلاق، في السلوك، في السياسة، في كل صغيرة وكبيرة. وقد ألف علماء الإسلام من قديم الزمان مباحث ومؤلفات في السياسة الشرعية، سياسة مأخوذة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن تدابير الخلفاء الراشدين، ومن تبعهم من أئمة الدين. وبهذا يصلح حال الشعوب الإسلامية أن يحتكموا إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. ولذلك -كما قال شيخنا -رحمه الله-: «نعتقد أن السياسة جزء من الدين، فلا يجوز فصل السياسة عن الدين، حتى لا يقال: يجوز للمسلمين أن يجعلوا قانونا فرنسيا أو غير ذلك من القوانين، مع بقاء أهل الصلاة في مساجدهم، وأهل الكتاتيب في كتاتيبهم ومدارسهم». فيقال: «ليس هذا هو الإسلام». فلا يفصل المسجد عن المجتمع، بل الإسلام يتناول المسجد ويتناول كل جوانب الحياة؛ لأن الجميع مسلم، يجب أن يستسلم لله -سبحانه وتعالى-. ودين الإسلام دين الشمولية. وفي مقابل هؤلاء الذين قابلوا هذه السياسة بالخوض فيها على ما فيها من باطل، لما صار بعض الناس يخوض في السياسة بهذا المعنى الباطل، صار معنى السياسة في كثير من المجتمعات هو الكذب والغش والخداع واللف والدوران والتلون وبيع الذمم وغير ذلك. فعند ذلك دعا علماء أهل السنة والجماعة المسلمين جميعا، حاكما ومحكوما، أن يلتزموا شريعة الله في جميع جوانب الحياة، ومن ذلك حتى في باب السياسة، نصيحة لله ولرسوله ولأمة المسلمين وعامتهم. وفي نفس الوقت لم يسمحوا لأنفسهم أن يلوثوا دينهم وإيمانهم وأعمالهم وأخلاقهم بالخوض مع أهل هذا الانحراف، أدوا ما عليهم من نصيحة، وتركوا الأمر لله -سبحانه وتعالى-. بينما طرف آخر، وهم من الإسلاميين وغيرهم، زعموا أنهم يريدون أن يصلحوا السياسة، فدخلوا في السياسة بطريق السياسة الباطلة المنحرفة. وما أحسن ما كان يكرره شيخنا -رحمه الله تعالى- من أبيات ورباعيات الإمام البيقاني -رحمه الله رحمة واسعة- إذ يصف هذه السياسة بوصف بديع، ويذكر حال أهلها وتلون أصحابها، فقال -رحمه الله تعالى-: يدور مع الزجاجة حيث دارت ويلبس للسياسة ألف لبس فعند المسلمين يعد منهم ويطلب سهمه من كل خمس وعند الملحدين يعد منهم وعن ماركس يحفظ كل درس ومثل الإنجليز إذا رآهم وفي باريس محسوب فرنسي هذا حال أهل السياسة، يتلونون مع السياسة. ولهذا كان أئمتنا وعلماؤنا يحذرون من هذه السياسة. فكان شيخنا وشيخ مشائخنا الشيخ الألباني -رحمه الله- يقول: «من السياسة ترك السياسة، من السياسة ترك السياسة؛ لأن السياسة فيها من الانحراف ما يضر بالدين، وليست هي الطريق الشرعي الصحيح لإصلاح المجتمع. بل إصلاح المجتمع -كما تقدم- بالعلم النافع والعمل الصالح. وقد سمعت شيخنا مقبلا -رحمه الله- يقول: «السياسة قذرة، ولا يرضى بها إلا من هو مثلها، لا يرضى بها لنفسه إلا من هو مثلها». وقل من يخوض في السياسة ويسلم من قذارتها. فكم تسفك من دماء، وكم تنتهب من أموال، وكم تنتهك من أعراض، لأجل هذه السياسة القذرة، ولأجل الكراسي والوصول إليها. ولذلك حذر علماء المسلمين من هذه المسالك التي فيها تبعية مقيتة لأعداء الدين. بل يطلبون المسلمين جميعا أن يجتمعوا حول ولي أمرهم، وأن يأخذوا أيديهم بيده، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يحتكموا جميعا لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. فإن لم يستجب الناس والمجتمع، فكما قال الله -عز وجل-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، والأمر كما قال الله -عز وجل-: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، والأمر كما قال الله -عز وجل-: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾. فأنحن نسلك مسلك الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- نبلغ ما علمنا من دين الله، ونسير في دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من الحرص على العلم النافع والعمل الصالح، وإصلاح أنفسنا وذرياتنا وأبنائنا وأهلينا ومجتمعاتنا بقدر ما نستطيع، بقدر ما نستطيع. ولا ننزع يداً من طاعة، ونأمر الناس بطاعة أولي الأمر من المسلمين، كما تقدم. ونحرص الناس على الاجتماع، ونحذرهم من الفرقة، ونحذرهم من كل باطل، حتى من هذا الباطل، وهو خوض الجميع في هذه السياسة التي دمرت شعوب المسلمين، أرهقت كواهل المسلمين بالدماء والأموال والأعمار والأوقات التي تبدل بغير طائل. قال -رحمه الله تعالى-: «وكذا ما شاع في بعض البلاد الإسلامية: الدين لله والوطن للجميع، دعوة جاهلية». يعني: «الدين لله والوطن لله، الدين لله والوطن لله». فالكل لله -سبحانه وتعالى-. قل: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين». فحب الوطن من الدين، لكن ليس على حساب الدين. ننتبه لهذا؛ فكوننا نقول: «من الدين»؛ لأن الدين يأمر به. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لولا أن قومك أخرجوك منك ما خرجت». وهو شيء فضر الله -عز وجل- عليه الناس، لكن ليس على حساب الدين. ولذلك المسلم الحقيقي وطنه حيث يعبد الله -سبحانه وتعالى-. النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك مكة، ويحب البقاء إلى الله؛ لأنها كانت بلاد كفر، وانتقل إلى غيرها مما هو دونها في الفضل. وهكذا المسلم يفر بدينه حيث يعبد ربه -سبحانه وتعالى-. وهكذا لا تكون الوطنية على حساب دين الله -سبحانه وتعالى-، لا، بل الأولوية لدين الله -سبحانه وتعالى-. وهذه المفاهيم خاطئة دخلت على المسلمين من أعداء الدين، الذين ليس عندهم دين، وليس عندهم كذلك إيمان ولا إسلام. قال -رحمه الله تعالى-: «نعتقد أن لا عز ولا نصر للمسلمين حتى يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-». كذلك فمن دعوة أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح، أهل الحديث والأثر، أنهم يعتقدون أن لا عز ولا نصر للمسلمين حتى يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، كما صحت به الأحاديث والأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. قال نبينا -عليه الصلاة والسلام-: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدا: كتاب الله وسنة». رواه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، ومعناه من حديث ابن هريرة -رضي الله عنهما-. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. قال -رحمه الله-: «نضغض الأحزاب المعاصرة: الحزب الشيوعي الملحد، والحزب البعثي الملحد، والحزب الناصري الملحد، والحزب الاشتراكي الملحد، والحزب الرافضي الملحد». ونرى أن الناس ينقسمون إلى حزبين: حزب الرحمن، وهم الذين تنطبق عليهم أركان الإسلام وأركان الإيمان، غير رادين دين شيئا من شرع الله. وحزب الشيطان، وهم المحاربون لشرع الله. كما تقدم معنى التفرق والتحزب مدموم في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يشدد في التفرق، حتى في جلوسهم واجتماعهم على طعامهم. رأى أصحابه مرة متفرقين تحت ظل الأشجار، فقال: «مالي أراكم عزين؟» -يعني: متفرقين- وأمرهم أن يجتمعوا، حتى اجتمعوا على حصير. فقال الراوي: «لو اجتمعنا على حصير -يعني: صغير مثل هذا- لاجتمعوا عليه، من شدة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم بالاجتماع». وكان يقول -عليه الصلاة والسلام-: «اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه». وغير ذلك من الأدلة الكثيرة الحاثة على الاجتماع، والتحذير من التفرق. فكيف بالتفرق على حساب الدين؟ فهو أشد. وقد تقدمت معنا بعض الأدلة في هذا الباب. والناس -كما ذكر الشيخ -رحمه الله- على حزبين: حزب الرحمن، وحزب الشيطان. وضابط حزب الرحمن -كما وصفه الله في كتابه- في قوله -سبحانه-: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. من كان ولاؤه وبراؤه لله، ولرسوله، ولدين الله، فهذا من حزب الله. ومن كان ولاؤه وبراؤه لمعاني ضيقة، فهذا من حزب الشيطان. فولاء وبراء هذه الأحزاب الموجودة في المجتمع، تنتسب للإسلام أو تنتسب لغير الإسلام، كلها من الولاء والبراء الضيق الذي يفرق المسلمين، والذي حذرت منه أدلة الكتاب والسنة. فهؤلاء من حزب الشيطان، وليسوا من حزب الرحمن. وقد وصف الله -عز وجل- حزب الشيطان بقوله -سبحانه-: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فمن استحوذ عليهم الشيطان بأي معنى من المعاني، ومنه الولاء والبراء الضيق على حساب ثوابت الدين، فهؤلاء من حزب الشيطان، وليسوا من حزب الرحمن. ولذلك لو سألت أفراد هذه الأحزاب: «أنت توالي وتعادي على ماذا؟ هل على الإسلام وثوابته؟». قال: «لا، إنما على ثوابت الحزب، وبنود الحزب». الشيوعي مع الشيوعيين، والاشتراكي مع الاشتراكيين، والبعثي مع البعثيين، والناصري مع الناصريين، والرافضي مع الرافضيين. وهكذا كذلك الإخواني مع الإخوانيين، وغير ذلك من أهل الأحزاب الذين فرقوا دين الله، وتشبهوا بالمشركين. وقد قال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. فالإسلام بريء من الحزبية، والحزبية من أعظم أسباب تفرق المسلمين، وحصول الضر بهم، حتى صاروا جماعات متناحرة متعادية بسبب هذا الولاء والبراء الضيق. وللأسف فأهل السنة والجماعة يدعون جميع المسلمين أن يكونوا من حزب الله، يجتمعون جميعا على كتاب الله، وعلى سنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويحرصوا على تطبيق أركان الإسلام وأركان الإيمان، وخصال شرع الله ودين الله -سبحانه وتعالى-. قال -رحمه الله-: «ننكر على الذين يقسمون الدين إلى قشور ولباب، ونعلم أن هذه دعوة هدامة». هذه مقولة قالها بعض العقلانيين، وتبعهم على ذلك بعض جهلة المسلمين، ممن اغتر بمثل هذه العبارات. فكلما دعاهم أهل الإسلام إلى شيء من دين الله، قالوا: «هذه قشور، نريد اللب». ما هو اللب؟! وصل بهم الأمر أن يتركوا كل شرائع الدين. كان الأمر في المظاهر، جعلوا اللحية قشورا، وجعلوا المظهر الإسلامي قشورا. وارتقوا قليلا، فجعلوا فرائض الإسلام قشورا. حتى قال قائلهم: «الإيمان في القلب». وهذا كذب؛ إذ لو وجد الإيمان في القلب لبرهنه وصدقته الجوارح؛ لأن الإيمان -في نصوص الكتاب والسنة- قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وهي في الحقيقة دعوة جاءت من أهل البدع والأهواء من المرجئة، وتبناها بعض الملحدين وأعداء الدين؛ لأجل أن يسلخوا الناس من الإسلام، فيصير أهل الإسلام كما قيل: «أشبح بلا أرواح، مسلم لا يعرف من الإسلام إلا رسمه، إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مسلم بالإسم فقط». لماذا؟ لأنه قيل له: «كل هذا قشور، عليك باللب». ما هو اللب؟ «أن تحب الله فقط، أنت تحب الله، أنت مؤمن، يكفي أنك تحب الله -سبحانه وتعالى-». هذا هو اللب. وهذه في الحقيقة دعوة علمانية إلحادية، نادى بها أهل الماسونية والحداثة، وتبعهم على ذلك -وللأسف- بعض من ينتسب للإسلام بمعان أخرى. فصار بعض الناس يقول: «اللحية قشور، وتقصير الثياب قشور». وكذلك المحافظة على المظهر الإسلامي قشور. وقس على ذلك. وربما تدرج بعضهم، فوصل بهم الأمر أن يقول: «ما شئت أن تعمل من دين الله اعمل، وما لم تعمل لا تعمل». وهذا في الحقيقة هو قول هؤلاء الذين سبق ذكرهم. ولو تأملنا هذا، علمنا أنه يقول لهذا الباطل، وهذا الفكر المنحرف الخطير الذي نهايته الانسلاخ من الدين، ومبدأه خطأ، ومنهجه وفكره خطأ. لو قيل: «أن هذا المعنى صحيح»، لقيل: «اللب لا يحفظ إلا بقشره». هل رأيتم لب يحفظ بدون قشر؟ ما يحفظ اللب إلا بقشره. تعرفون الفصفص -أو من سميه الحنظل- إذا نزعت الحنظل من قشره، هل يبقى الحنظل؟ يخرب على طول، لكن ابقه بقشره يبقى الحنظل محفوظا. فالقشر يحافظ على اللب. فلو صح أن نسمي هذه القشور: «قشور»، نقول: «هذه القشور تحافظ على هذا اللب». ولهذا حرص الإسلام على هذه المظاهر التي تحافظ على إسلام المسلم، أمرنا بهذا المظهر الإسلامي الذي يعيننا على الحفاظ على ديننا. أنت انظر لو أن إنسانا حالق لحيته، تشبه بالكفار في لبسته، هل يتجرأ أن يدخل خمارة؟ يتجرأ ما يبالي. لكن إنسانا عفى لحيته، وعليه المظهر الإسلامي، هل يستطيع أن يدخل الخمارة؟ ما يتجاسر يدخل. هذا القشر الذي سماه هؤلاء «قشر» حماه، ومنعه من دخول مثل هذا المكان السيء. أنت إذا حافظت على مظهرك الإسلامي، تستحي أن تقول الكلمة السيئة، يردعك هذا المظهر أن تقول الكلمة السيئة، بخلاف إذا سلخت من مظهرك الإسلامي -فضلاً عن ثوابت الدين- وما آل إليه هذا القول من الانسلاخ من الدين -كما تقدم معنا-. قال -رحمه الله تعالى-: «ننكر على من يزهد في علم السنة، ويقول: ليس هذا وقته». وكذا من يزهد في العمل بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهذه مقولة أخرى من مقولة بعض أعداء الدين، وتبعهم -وللأسف- بعض جهلة المسلمين. ومن هؤلاء أهل السياسات، مزهدين في الانشغال بالسنة وعلم السنة، فيقولون: «ليس هذا وقت الانشغال بعلم السنة، نحن الآن في صراعات مع الطواغيت، أنتم تخذلوننا في هذا الصراع العظيم». يهولون الأمور بهذه العواطف، وهم في الحقيقة في حق، أم في باطل؟ في باطل؛ لأن الإسلام لا يرضى بهذا الصراع. من الذي قال لكم أن الإسلام يرضى بمثل هذا الصراع؟ أهلكتم شباب المسلمين في صراعات لم يأذن بها دين الله -سبحانه وتعالى-، سواء في هذه المظاهرات، وهذه الانقلابات، وهذه السياسات التي أنهكت المسلمين، كما أنهكت من دمائهم وأموالهم وأوقاتهم، فكانت سببا في حصول الخسار على الإسلام والمسلمين. أولئك الذين سلكوا مسلك الفكر المنحرف، فكر التكفير والتفجير، وهم يزعمون أنهم في مواجهة الطواغيت -كما يزعمون-. وهل الإسلام يرضى بمثل هذا؟ أو هذا يسمى جهادا في سبيل الله؟ بل هذا عين ما حذرت منه النصوص الشرعية الكثيرة. وبهذا يعلم أن تلك العبارات صدرت من جهل بدين الله -سبحانه وتعالى-. وحقيقة ما ينفع المجتمع المسلم هو الانشغال بالعلم النافع والعمل الصالح، ودعوة الخلق إلى هذا الدين. وكثيرا ما كان يقول شيخنا -رحمه الله رحمة واسعة- مقبل بن هادي الوادعي: «والله إن أعداء الإسلام ما يخشون من رشاشات ومدافع المسلمين، ولكنهم يخشون من هذا العلم النافع الذي يؤثر فيهم ما لا يؤثره هذا الرشاشة والمدفع». وصدق -رحمه الله-. وكان يقول: «عندهم من الأسلحة ما أعظم مما عندنا، لكن ليس عندهم من الحجج والبرهان والعلم ما عند أهل الإسلام». ولهذا هم يخافون من هذا أكثر. وانظروا ما هو الذي أثر في هؤلاء؟ إنه سلاح الحجج والبرهان. هذا الذي أثر في أعداء الدين، وأضرب لكم مثلا يسيرا بهذه المدرسة المباركة العظيمة، مدرسة شيخنا مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله تعالى-. في سنوات قليلة أخرجت -بغير مبالغة- آلاف الدعاة إلى الله، والمعلمين، والأئمة، والحفاظ، والقراء، والمدرسين، في أنحاء العالم، في أنحاء العالم. كم من بلاد الدنيا الواسعة من فيها من طلاب الشيخ؟! وهي مدرسة واحدة، أثمرت مدارس في الدنيا، حتى انتشر الإسلام بقوة عظيمة، ليس فقط في بلاد المسلمين، بل وفي بلاد الكافرين. كم من طلاب شيخنا، ومن طلاب مشايخ أهل السنة والجماعة، ومن خريجي هذه المدارس والمعاهد السلفية، من نفع الله به في عموم بلاد الدنيا الواسعة، في أوروبا، في أمريكا، في آسيا وجنوب شرق آسيا، في أفريقيا، في أدغال أفريقيا، وفي أوساط الصين، من الطلاب، ومن الدعاة، ومن الحفاظ، ومن الأئمة، ومن القراء، من نفع الله -عز وجل- بهم العباد والبلاد، حتى أغاظ هذا أعداء الدين. وجدوا أن تأثير الحجج والبرهان، وانتشار العلم والإيمان، أضر بهم أعظم من ضرر السيف والسنان. حتى صارت نسبة الإسلام شيئا لا يصدق. أزور بعض الإخوة في بعض البلاد في أوروبا، والله كل سنة أكثر من السنة الأولى التي قبلها. في بعض المدن، في أحد المراكز السلفية، أخبرني الإخوة أنه في كل شهر يسلم أكثر من خمسمائة رجل وامرأة، في كل شهر يسلم أكثر من خمسمائة رجل وامرأة. في بعض تلك البلاد الكافرة، صارت نسبة المسلمين سبعين في المئة من نسبة الكفار. وهذه حقائق، هذه حقائق ليست مبالغات. حتى أرعبت الكفار، فصاروا يخافون من هذه المدارس أعظم من أهل السياسات، والذين يزعمون أنهم يواجهون ويكافحون الطواغيت، وجهلوا أن حقيقة إصلاح المجتمعات بالعلم النافع والعمل الصالح، ونشر الدين والإيمان، الذي به يحيي الله -عز وجل- العباد والبلاد. بعض المساجد تأتي سنة وهي مكتبة، تأتي السنة الثانية مزحومة غاية الازدحام. يأتي بعض الناس من قبل ليلة؛ لأجل أن يحجزوا مكانا في هذا المسجد. ما يجدون مكانه في أحد المحاضرات. والله -بغير مبالغة- ما استطعنا أن نصلي، أصلي أمام الذي فوق ظهري، والذي أمامي أصلي فوق ظهري، من كثرة الناس. والمسجد ممتلئ، والدور الثاني ممتلئ، والشوارع ممتلئة، ينتظرون خروج الناس، ويصلون بدلهم. وهذا في بلاد الكفار. فهل ما أثر: السياسة؟ أم السيف والسنان؟ أم الحجج والبرهان، والدعوة والتعليم، وتربية المجتمعات على الإيمان؟ هذا والله الذي أثر في المجتمعات. وانظروا إلى بلادنا اليمنية، إلى فترة قريبة، وكان المجتمع اليمني في جنوبه مليئا بالتصوف، وفي شماله مليئا بالرفض. وانظروا اليوم -بفضل الله -سبحانه وتعالى- كيف انتشرت السنة، مساجد السنة، وأهل السنة في كل مكان، وفي كل قرية، وفي كل مدينة، بفضل الله -سبحانه وتعالى- انتشارا عظيما دريعا، يغيظ أعداء الدين. أهي الذي ينفع المجتمع؟ هذا؟ أم مواجهة الطواغيت -كما يقولون-؟ أم يأخذون شباب المسلمين، ويفجرونهم، ويختبئون خلف الكواليس؟ أرباب الفكر المنحرف، فكر التكفير والتفجير، يختفون خلف الكواليس، ويذهبون بأبناء المسلمين الصغار، يفجرون أنفسهم. فهل هذا الذي ينفع الإسلام والمسلمين؟ أم الدعوة والتعليم والتربية التي ينفع الله -عز وجل- بها العباد والبلاد؟ انظروا كم من المساجد نفع الله -عز وجل- بها عموم هذه البلاد اليمنية، وغيرها من بلاد المسلمين. ومن خرج إلى خارج هذه البلاد، رأى -والله- شواهد الحق، وبراهين الصدق. كيف نفع الله -عز وجل- بهذه المدرسة، وغيرها من المدارس الأخرى: الجامعة الإسلامية. كم خرج من طلابها في بلاد الدنيا الواسعة، من نفع الله -عز وجل- بهم العباد والبلاد، في أدغال إفريقيا، في أوساط الأمريكيتين، في أوساط وشمال آسيا؟! نفع الله -عز وجل- بهم نفعا عظيما. الواحد يهدي الله -عز وجل- به أمة. قال الله -عز وجل- عن إبراهيم: «أ