الدرس في تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ترد الآيات على ادعاءات المشركين بأنهم سيكونون أفضل من المؤمنين في الآخرة، وتوضح عدم صحة هذا الزعم. كما تنفي الآيات زعمهم بأن معبوداتهم تشفع لهم عند الله.
يستدل المقطع بالعقل والأدلة الشرعية على البعث والنشور وعدل الله، ويبين أن عدم وجود حياة بعد الموت ينافي عدل الله. كما يشير إلى أن هذا الدين يدعو إلى استخدام الأدلة العقلية.
يظهر المقطع صدق نبوءات الله بشأن توعد الكافرين بالعقوبة وإنعام الله على عباده المتقين. كما يختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. قال المفسر رحمه الله: ونزل لما قالوا: «إن بعثنا نعطى أفضل منكم»، ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾، أي: تابعين لهم في العطاء، ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد، ﴿أَمْ﴾ أي: بل، ألكم كتاب منزل فيه تدرسون، أي: تقرؤون، ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون، ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ عهود علينا بالغة واثقة إلى يوم القيامة، متعلق معنا بعلينا، وفي هذا الكلام معنى القسم، أي: أقسمنا لكم، وجوابه ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ به لأنفسكم، ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ﴾ الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين زعيم، كفيل لهم، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾، أي: عندهم شركاء وافقون لهم في هذا القول يكفلون به لهم، فإن كانوا كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ الكافرين لهم به، إن كانوا صادقين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات بهذه السورة، سورة القلم، وما فيها من العبر والعظات في أمر المشركين، وما كان من إيذائهم وكفرهم، وكذلك عنادهم واستهزائهم، وما توعدهم الله عز وجل به، وما ضرب به الأمثال فيما فيه تلك العظات والعبر. وبعد أن ذكر الله عز وجل أمرهم وما توعدهم به وضرب المثل أصحاب الجنة، ذكر أمر المؤمنين، والقرآن مثاني، إذا ذكر أهل الكفر ذكر أهل الإيمان، وإذا ذكر أهل الجنة ذكر أهل النار، وهكذا. وذكر رحمه الله المفسر: وها هنا أن سبب نزول هذه الآيات ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ قول المشركين على وجه السخرية والاستهزاء: «إن كان هناك بعث ونشور فسنبعث وسنكون أفضل منكم»، وهم يكذبون بالبعث والنشور. وهذا السبب لم يرد به سند صحيح مرفوع، ولكنه جاء عن بعض أهل التفسير، وروي، ومعناه المقدر تدل عليه الآيات، أي: هناك مقولة، هذا جوابها، وهذه المقولة ذكرت في آيات أخرى، فيكون أصل المقولة موجود صحيح ثابت بنص الكتاب، وخبر الصحابة الذين حضروا نزول الكتاب، لكنه ليس في عين هذه السورة. والآيات تدل على رد معنى هذه المقولة، وذلك مفسرًا موضحًا بعد قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، أي: لأجل التقوى، وأين التقوى من هؤلاء الكافرين؟ وقوله: ﴿فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ كذلك، أي: لن يكون الجزاء والعطاء لأهل الإسلام لأهل الإجرام ما يكون لأهل الإسلام. وفي هذا كذلك الاستدلال بالدليل العقلي والعمل بالأقيسة، فإن هذا الدين العظيم يدعو الناس بالأدلة الشرعية والأدلة العقلية، وكذلك بالأمثال والأقيسة الصحيحة، لأن الكافر والمشرك الذي كفر بالكتاب وبالرسول وما بعث به تحاج مثل هذا الصنف من الناس بالأقيسة والأمثلة الصحيحة. وبكذلك مثل هذه الأدلة العقلي، أي: كما أنه لا يكون ذلك في الدنيا فكذلك لا يكون في الآخرة وبعد البعث والنشور، وكل منصف يعلم ذلك. ولهذا كان من الاستدلال على البعث والنشور عظيم ما يجب أن يكون من عدل الله، فلو كانت الدنيا واحدة والحياة واحدة وليس بعد هذه الحياة حياة لكان هذا منافيا لعدل الله سبحانه وتعالى. يموت المظلوم وينتهي بذلك الأمر، وليس هذا متوافقًا مع عظيم عدل الله سبحانه وتعالى، بل الله عز وجل له الحكم البالغة، إذا مات المظلوم أنصفه الله عز وجل يوم البعث والنشور، وهكذا إذا مات الظالم على ظلمه انتصف منه بعد البعث والنشور، وهكذا عدل الله سبحانه وتعالى. وكذلك المحسن والمسيء لا يكونان مستويان، والمسلم والكافر والبر والفاجر لا يمكن أن يكون الجميع سواء، وهذا قوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، أي: على وجه التلويث، فإن لم يكن عندكم دين فلا أقل من أن يكون عندكم عقل وعدل وإنصاف. فليس هذا من العدل والإنصاف أن يكون حال المحسن كحال المسيء، بل المسيء أحسن من المحسن كما يزعمون. وقول سبحانه: ﴿أَمْ﴾، أي: بل، وهي لغة عربية ومشهورة في لغة العرب الأعارب، لغة حمير، وهي لغة أهل اليمن، فهم العرب الذين بقيت فيهم هذه اللغة، وإلى يومنا هذا يقال: «بل» لأم. وقوله: ﴿أَلَكُمْ كِتَابٌ﴾، والمعنى: ليس كذلك، فأنتم من أين أتيتم بهذا العلم؟ إذن ما هو إلا استهزاء، وكذلك تكذيب، ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، قال: تختارون، والمعنى أنها تخرصات كاذبة. وقرئ: «لما تخيرون» بإراءتين سبعيتين مشهورتين، وقرئ وصالًا مع المد المشبع حرى بها البزي، وقرأ الباقون بغير مد. وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾، قال المؤلف رحمه الله: عهود، والظاهر أنه على ظاهره، أي: يمين متضمن للعهد، والمعنى: من أين عندكم هذا الخبر حتى تأتوا به على هذا اليقين؟ هل أحد حلف لكم الأيمان وعطاكم العهود؟ واليمين تتضمن العهد، والعهد لا يتضمن اليمين. فمن حلف لك بفعل شيء فهو عاهد وأكد هذا العهد بإيمانه، باليمين، بخلاف الذي عاهد ولم يحلف، فإنه ليس مع هذا العهد، ولا يلزم من العهد اليمين. والمقصود: هل عندكم مؤكدات على ما تزعمون؟ والجواب: لا. وكل هذا من الاستدلال على هؤلاء المشركين بما يظهر به منقصة هؤلاء من كذبهم وفجورهم وعدم كذلك صدقهم في أقوالهم. وقوله سبحانه: ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾، قال: واثقة، والأصل اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، لكن قوله رحمه الله: «واثقة» هو ثمرة ونتيجة هذا البلاغ، أي: هل عندكم أيمان وعهود مؤكدة بلغتكم هذه الثقة؟ الجواب: لا. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، قال: متعلق معنى بعلينا، يعني الجار والمجرور وما بعده، والمقصود أنه ليس هذا موجودًا، أي: هذا الزعم فلن يكون. قال رحمه الله: «بهذا الكلام معنى القسم»، أي: أقسمنا لكم، والآية عامة، يعني: من أين أخذتم هذه اليمين والعهد؟ هل من الله؟ الجواب: لا، هل من أحد يكون له شيء عند الله؟ الجواب: لا. وهؤلاء المشركون من كان منهم يعتقد بالبعث والنشور، ولم يكون جميعًا ينكرون البعث والنشور، فيعتقد عقيدة المشركين الأولين: أن ما يفعلونه من شرك وقرابين عند الأصنام والقبور والأشجار والأحجار أنها ماذا تقربهم عند الله سبحانه وتعالى؟ فهم يزعمون أنها تشفع لهم، من أين أتى هذا الزعم؟ من القياس الفاسد، فزعم أن هذه لا ذنوب لها، أو زعم أن بعضها معظمة عند الله، والأمر ليس كذلك، لا في الأول ولا في الثاني، وأنها تشفع لهم عند الله، وهذا كذلك باطل. ولهذا جاء في آيات كثيرة نفي هذه الشفاعة الشركية التي كان يعتقدها المشركون، وهم في عقيدة بعضهم: أن هذه العبادة الشركية التي يفعلونها تشفع لهم عند الله، لأن هذه المعبودات كما يزعمون معظمة عند الله، وستشفع لهم وتدفع عنهم، ويكون لهم الجزاء الحسن بما كان من تعظيم هذه المعبودات مع الله ومن دون الله سبحانه وتعالى. وهذا كذلك باطل، جاءت أدلة الكتاب والسنة بإبطاله ونفي حقيقته، وهذا هو قوله سبحانه ها هنا: ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾، يعني: قال رحمه الله: «لأنفسكم»، أي: بهذا الزعم الذي تدعونه وتتخرصونه، والأمر ليس كذلك. وقوله سبحانه: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ﴾، قال: «الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخر أفضل من المؤمنين»، وهذا بعض المعنى، وإلا فالآيات عامة في كل ما يدعيه هؤلاء المشركون من الدعاوى الباطلة والأماني الزائفة فيما يكون لهم إن كان هناك بعث ونشور، والأمر على خلاف ذلك. ولهذا قال الله عز وجل بعدها: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾، قال: «الزعيم كفيل لهم»، وسمي هنا الكفيل زعيمًا لأن قولهم عبارة عن تخرص وزعم، أي: الذي زعمتموه أنه يكفل لكم الأمان، بل والثواب بأعظم من ثواب المؤمنين، من هو؟ والجواب: لا وجود له. ولهذا قال بعدها: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾، أي: يوافقونهم على هذا الزعم والتخرص. وهذا قوله رحمه الله: «موافقون لهم في هذا القول يكفلون به لهم»، أي: من هذا الذي يشارككم هذا التخرص ووعدكم به ويوفيكم به؟ فإن كان الأمر ليس كذلك، أي: أنه يوجد، فليأتوا بشركائهم، قال: «الكافرين لهم به»، والجواب: لا وجود له. والنتيجة أنهم غير صادقين، وهذا من إبطال حجج المشركين بالحجج العقلية، وما يكون به إظهار ما عليه من التخرص على دين الله عز وجل، وعلى الله سبحانه وتعالى. وظهر بذلك صدق ما أخبر الله عز وجل به من توعدهم بالعقوبة بالدنيا والآخرة، ومن إنعام الله عز وجل لعباده المتقين المؤمنين في الدنيا والآخرة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.