كتاب الحج 44

كتاب الحج 44

الدرس في كتاب الحج 44، الدرس الرابع والأربعون : من : ( الحديث الحادي والثلاثون بعد المائتين ... أفضل الهدايا والأموال عند العرب وهي الأبل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإهداء إلى البيت الحرام وأحكامه

يشرح الحديث الوارد في إهداء النبي صلى الله عليه وسلم غنما إلى البيت الحرام، ويبين أهمية الإهداء والتصدق فيه. يشير إلى أن الإهداء من بهيمة الأنعام أفضل لإظهار شعائر الله تعالى.

أحكام الهدي والصدقة في الإسلام وتفضيل الإبل

يناقش أحكام إهداء الغنم إلى البيت الشريف وجوازه، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي الإبل وهي أفضل الهدايا عند العرب. يبين أهمية الإيثار لله عز وجل في الصدقة.

فضل الصدقة وتعليم الناس وأثر إرادة الله

يُشدد على أهمية الصدقة ولو بالقليل، ويُوضح أن تعليم الناس هو من أعظم الصدقات. يشير إلى دور إرادة الله تعالى في قدرة الإنسان على الصدقة أو عجزه عنها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في متن عمدة الأحكام، الحديث الحادي والثلاثون بعد المئتين: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة غنما». هذا الحديث هو أحد روايات الحديث المتقدم، وقد ورد في البخاري في حديث 1702، وهكذا كذلك ورد في مواضع أخرى، وفيه ألفاظ وزيادات. فمن ذلك قالت رضي الله عنها: «كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالا». قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: أكثر ما كان يهديه النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيت الإبل؛ لكونها أعظم نفعا وأكثر أجرا. وذكرت عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مرة غنما، وهذا يدل أنه كان يكثر الإهداء إلى البيت الحرام. وهكذا ينبغي للمسلم أن يتصدق ويرسل بالصدقة إلى البيت الحرام، ولو كان في بلده. فإن كان هو لا يذهب، يوكل من يذهب، إذا ذهب ناس حجاج، فيقول لهم: إذا قربتم من الحرام، اشتروا لي، اشتروا لي، وتصدقوا في الحرام. أو يقول مثلا: تصدقوا على الحجاج بذبح هدي هناك، أو كذلك بطعام في البلد الحرام، ونحو ذلك من أبواب الخير والبر. وإذا كان في بلده ناس أحوج، فلا شك أن من في بلده أولى بالتقديم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». وهنا في هذه اللفظة خلاف بين أهل العلم بالحديث، فقد زعم بعضهم أن هذه اللفظة تفرد بها الأسود، أي لفظة ذكر الغنم. وأجيب عن ذلك بأنه لو قدر أنه تفرد بها، فهو حافظ من الحفاظ كما قال المنذري، فهي ليست بعلة؛ لأنه حافظ وثقة، ولا يضره التفرد، فكيف أيضا ضابطا لذلك، كما أبانا الحافظ وغيره أنه لم يتفرد بهذه اللفظة، بل الصحيح أنه توبع عليها. قال رحمه الله تعالى: والإهداء من بهيمة الأنعام ومن غيرها جائز، ولكن الأنعام فيها إظهار شعائر الله تعالى، وإراقة الدماء بمرضاته، فهو عبادتان: صدقة، وصفك دم لوجه الكريم، بعد أن كان يسبك للأصنام والطواغيت -يعني بعدما كانت الدماء تسبك للأصنام والطواغيت- فينبغي أن تكون لله رب العالمين، وابتغاء مرضاته. ولهذا انظر من توجه بسفك الدماء للزيارات الشركية والبدع ونحوها، يحرم هذه السنة، لا يكاد يعرف الصدقة بسفك الدم لله سبحانه وتعالى، إما أن يكون في عيد أضحى فقط، أو في عقيقة، أو إذا جاء ضيف، وغير هذا ما يعرف. أو إذا ذهب الحج، أما أن يتصدق بهدي فما يعرف. أكثر هؤلاء بسبب ما هم فيه من ضلال وبدعة. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث: أولا، جواز إهداء الغنم إلى البيت الشريف. جواز إهداء الغنم إلى البيت الشريف، أي لهذا الحديث. وفي هذه المسألة خلاف كما مر معنا، والصحيح أنه يجوز، الصحيح أنه يجوز إهداء الغنم. فقد مر معنا أن بعض أهل العلم خالف في ذلك، وأكثر أهل العلم على جوازه؛ لما ثبت به الدليل، أي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهدى غنما. وقال في ذلك بعض الحنفية: ويرده حديث عائشة رضي الله عنها، وأثر عبد الله بن عباس، وأشياء أخرى تدل على صحة هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: ثانيا، أن الأكثر من هديه صلى الله عليه وسلم أفضل الهدايا والأموال عند العرب، وهي الإبل. يعني كان الأكثر من هديه الذي يهدي به عليه الصلاة والسلام هو الإبل؛ لأنها أوفر لحما وأكثر وأغلى. فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهدي بها، وهي من أعظم الهدايا عند العرب. اليوم أنت إذا واحد أعطاك هدية شاه، هل مثل إذا أعطاك هدية ناقة كاملة؟ لا، شك أن الناقة أعظم. فأنت ترى أن من يهدي ناقة هذا عجيب في الكرم، كرمه كرم عجيب. فكيف بصدقة لله عز وجل، يتصدق بناقة كاملة، أو ناقة وإبل كثير، يهدي بها إلى البيت الحرام. وفي هذا كذلك الحديث بيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الإيثار لله عز وجل ولنفسه أولا، أي في الصدقة. هذه الهدايا التي تهدى، وهم عليه الصلاة والسلام -أي النبي عليه الصلاة والسلام ومن معهم من الصحابة رضي الله عنهم- كانوا في غاية من الفقر، بيوتهم من طين، لاطئة قصيرة صغيرة، وطعامهم الأسودان: التمر والماء، أكثر الطعام التمر والماء، ولا يوقد في بيوتهم النار الهلال والهلال والهلال، كما كان حال نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قالت عائشة: ثلاثة أشهر يمر على البيت ولا يوقد فيه نار. ومع ذلك يتصدقون بمثل هذه الصدقات التي لا يفعلها اليوم الأثرياء والأغنياء. الأثرياء والأغنياء في هذا الزمان لا يفعلون ذلك. وكان في ذاك الزمان، وهم في تلك الحالة وذاك الفقر، يتصدقون بهذه الصدقات العظيمة. فينبغي للمسلم أن يعالج نفسه، وأن يصحح عمله على وفق ما علم من العلم، يسأل الله لعانا. وفي هذا كذلك ما سبق من أن من أرسل شيئا فلا يحرم، ولو كان غنما، فإنه لا يحرم؛ لهذا الحديث الذي مر معنا، فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم أرسل بهديه، ولم يحرم عليه الصلاة والسلام. وما رؤي بهذا الباب من أمر الإحرام عن بعض الصحابة أو التابعين، فهو خطأ، فهو خطأ اجتهدوا وأخطأوا. وما قال به بعض أهل العلم استدلوا ببعض الأحاديث، هي أحاديث إما ليست صريحة، وإما أنها صريحة لكنها ضعيفة، لم تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما بيّن ذلك الحفاظ. وقد كان يقول ابن الزبير رحمه الله تعالى حين يسأل عن ذلك -أي عن الإحرام- يقول: إنه بدعة، أي لما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك. يقول بعض طلبة العلم: يحثون على الصدقة ولا يتصدقون؛ لأنهم لا يجدون ما يتصدقون به، فهل يتركون تعليم الناس ويشتغلون ويتصدقون؟ والناس بحاجة إلى من يجلس ويعلمهم. لا، لا شك تعليم العلم هو من الصدقة، ومن أعظم الصدقة. إذا كان تصدقه بالمال سيكون سببا في حرمان الناس من العلم، فلا شك أن قعوده لتعليم الناس هو من الصدقة، وهو من أعظم الصدقة، وهو من طريق الأنبياء. إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم. لكن لا أظن أن الإنسان يعجز أن يتصدق بين الحين والآخر بما يتيسر. فإن الإنسان لا يعدم أن يتصدق بشيء، ولو بعمامة تملك عمامتين، عمامة تصدق بها، وعمامة أبقيها إلى أن يأتي اليوم الذي يتيسر لك تشتري عمامة أخرى. وقد ثبت أن عبد الله بن عمر لقي رجلا من أصدقاء أبيه في طريقه في مكة، وقد سمع أن من أبر البر -عن النبي صلى الله عليه وسلم- أن يكرم الرجل ود أبيه -يعني صاحب الأب- فلم يجد شيئا تصدق به، فنزع حلته وعمامته وأعطاها هذا الأعرابي وأهداها إياه. فتعجب الفتى، فسأله عن ذلك، فأخبره بحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن من أبر البر أن يكرم الرجل ود أبيه». فانظر كيف ما كان يعجزون عن الصدقة إذا ما وجدت شيئا معك. عمامتان تصدق بواحدة، وادخر واحدة عندك. نعلان تصدق بواحدة، وادخر واحدة، وهكذا. ما يعجز الإنسان إن شاء الله عن الصدقة.