الدرس في كتاب الحج 12، الدرس الثاني عشر : من : ( 3-باب الفدية الحديث الحادي عشر بعد المائتين ... ولما فيها من صفات الله تعالى الجليلة فإن زاد فلا بأس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ ابن بريك شرح حديث تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، مبيناً معاني التلبية وكلمة 'لبيك'. كما أوضح سبب ورودها بصيغة التثنية وتفصيل قراءة 'إن الحمد' بالكسر والفتح.
التلبية هي إجابة لدعاء إبراهيم للناس وأمر الله له، وتتضمن أفضل الذكر وعبادة الله وإجابة دعوته ومحبته والتذلل بين يديه، مع نفي الشريك لله وإثبات الملك المطلق له.
الإحرام له معنيان، والتلبية مشروعة في الحج والعمرة وتفيد إفراد الله بالعبادة والمحبة، مع الاقتصار على الصيغة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت، وسيتم استكماله في الدرس التالي إن شاء الله مع تقديم الشكر لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: باب التلبية. وهذا الباب كما مر معنا أنه من صنيع الشارع، وليس من صنيع الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى. قال: الحديث الحادي عشر بعد المائتين، قال عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: «لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل». أقرب الألفاظ إلى هذا اللفظ، ولفظ الإمام البخاري، وهكذا لفظ الإمام مسلم، وإسناد الإمام مسلم رحمه الله، قال: حدثنا يحيى بن يحيى الثميمي، قال: قرأت على مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لبيك» إلى آخره. فرواه البخاري مثله بحديث 1549، غير أنه لم يزد هذه الزيادة التي جاءت عن ابن عمر. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب، قال: «لبيك» مصدر محذوف العامل، جاء على صيغة التثنية، ولم يقصد به التثنية، وإنما قصد به التكثير. واختلفوا في معنى مشتق هذا اللفظ، قال: فهذه الإجابة بعد الإجابة، أو الإنقياد، أو الإقامة في المكان وملازمته، أو الحب بعد الحب إلى آخره. قال: ولا منافاة بينها - يعني بين هذه المعاني الأربعة -، فلا مانع أن تكون إجابة وإنقياد وإقامة وحب. قال: بل هي متلازمة؛ لأنها تفيد معنى الإقبال على الشيء والتوجه إليه. فمعنى ألبي بالمكان: أقام فيه ولزمه. أو ألب بالمكان. وهو كما قال رحمه الله: أنه لفظ اجتمع على هذه المعاني، ولم يقصد التثنية، وإنما قصد التكثير، مثل قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، فليس المراد العدد كرتين، وإنما المراد كره وكره وكره وكره - يعني كرر البصر - فرى آيات وعبر. ومنه كذلك «حنانيك»، ليس المراد حنانين اثنين، ولكن المراد كرر التحنن، كما قال ابن الأنباري: أي تحنن بعد تحنن. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «إن الحمد» بكسر الهمزة وفتحها يجوز. إن ويجوز أن. وهما وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة، ولكن أكثر أهل العلم رجح الكسر؛ لأن الكسر يفيد الإطلاق. قال رحمه الله: والكسر أجود وأشمل معنى. وعلمنا أجود وأشمل معنى؛ لأنه يفيد الإطلاق، فالحمد لله في كل حال. فلذلك كان الكسر أجود وأشمل. قال: لأن الفتح معنى تعليل الإجابة بسبب الحمد والنعمة فقط، بينما الله عز وجل يحمد لكماله ولعظيم إنعامه وإحسانه، فكونه بالكسر أحسن؛ لأنه يفيد الإطلاق، لا يفيد التعليل، بخلاف بالفتح، بالفتح يفيد التعليل. قال رحمه الله تعالى: والكسر للاستئناف، فيفيد الإجابة المجرّدة عن الأسباب. والإجابة المجرّدة عن الأسباب أعم. قال: فعلق من كسر الهمزة كان معناه: الحمد لك على كل حال. ومن فتح قال: «لبيك» لهذا السبب. ولهذا كان أكثر أهل العلم يرجحون الكسر «إن الحمد»؛ لأنه أبلغ في المعنى. قال: وقوله: «وسعديك» القول بتصريف لفظه مثل القول في «لبيك»، يعني أنه ليس من باب التثنية، وإنما من باب التكرار، مثل ما قلنا في «كرتين» و«حنانيك» ونحوها. قال: ومعناه: مساعدة في طاعتك بعد مساعدة. في قوله: عبد الله بن عمر في زيادته: «لبيك لبيك وسعديك»، يعني: ومساعدة منك ومساعدة منك. قال رحمه الله: قوله: «الرغباء» تقال بالمد والقصر. فإن مدت فتحت الراء «الرغباء»، وإن قصرت ضمت «الرغباء». قال: من الرغبة. فالنعمة والنعمة من النعمة، يجوز «النعمة» و«النعمة». وإلى «الرغباء» الضراعة والمسألة. وكلا المعنيين يصح، كلا المعنيين يصح في هذا الموضع. وأصل هذه التلبية إجابة لدعاء إبراهيم للناس، حين أمره الله عز وجل. قال: المعنى الإجمالي، قال: التلبية شعار الحج وعنوان الطاعة والمحبة والإقامة والاستجابة الدائمة إلى داع الله تعالى. وذلك كما قلنا حين دعا إبراهيم الناس، فالناس يلبون ما أمر ربنا عز وجل إبراهيم من ينادي الناس إليه، وأذن بالناس بالحج. فهذه إجابة لذلك النداء. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. قال: فتلبية الناس تحتوي على أفضل الذكر، من التزام عبادة الله، وإجابة دعوته، ومطاوعته بكل الأحوال، ومقترنا ذلك بمحبته، والقعود والتذلل بين يديه، ومن إفراده بالوحدانية المطلقة عن كل الشريك في إلهيته وربوبيته وسلطانه، كما تحتوي على إثبات كل المحامد له. وهذا مأخوذ من قوله: «لا شريك لك»، «لا شريك لك»، نفي في السياق، فتفيد العموم: لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته. قال رحمه الله تعالى: وبإثباتها تنتفي عنه النقائص، مع إسناد النعم كلها إليه، دقيقها وجليلها، ظاهرها وباطنها. كما تحتوي على إثبات الملك المطلق، يعني إثبات أنه فيها نفي إثبات. فلبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد فهي إجابة مع نفي الشريك له سبحانه، فكأنك تقول: الكمال لك يا رب وحدك. وهذا الإثبات، فلهذا نحن نحمدك ونشكرك، ونجيبك إجابة بعد إجابة. والنفي في قوله: «لا شريك لك»، قال: فهو المتصرف القاهر الذي بقبضته كل شيء، ولا ينازع أحد في ملكه، بل الجميع خاضع له، ذليل بين يديه. وفي قوله: التلبية شعار الحج، المراد بالشعار: يعني العلامة. كما أن التلبية يقع منها الإهلال، فعندنا الآن إهلال وتلبية وإحرام. فالإحرام يطلق على معنى، يطلق على الدخول في الإحرام، وهو الفعل الذي به يصير المُحْرِم محرما، وهو التلفظ باللفظ الذي به يدخل الإنسان في الإحرام. ويطلق الإحرام على اللبس والهيئة والحكم الذي يكون عليها المحرم. وهذا كذلك التلبية، التلبية، الأصل أنها هذا اللفظ: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك». وقد يراد بالتلبية كذلك الإحرام، ويراد بها كذلك الإهلال. فالإهلال رفع الصوت بالدخول بالإحرام، والدخول بالإحرام يكون بالتلفظ باللفظ الخاص الذي فيه معنى الدخول بالإحرام، وهو أن تقول مثلا: «لبيك اللهم عمرة»، ثم تقول: «لبيك اللهم لبيك». قال بعض أهل العلم: لو قال: «لبيك اللهم لبيك»، وأراد بذلك الدخول بالإحرام دون أن يتلفظ بعمرة أو بحج أو غير ذلك، أجزأه هذا؛ لأن الأعمال بالنيات. فهذا إذا نوى الدخول بالإحرام فيجزئه، لذا أن يكون به قد دخل في الإحرام. فعلمنا أن الإهلال ورفع الصوت في الدخول بالإحرام، والإحرام له معنيان: منه الدخول في فعل الإحرام، مثل قولك: «الله أكبر» في تحريم الصلاة. وهكذا كذلك التلبية قد تكون التلبية دخولا في الإحرام. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: «بما أهللت؟» قال: «بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم». فالمراد الإهلال بما دخلت في الإحرام. قال رحمه الله تعالى: قال: فهو المتصرف القاهر الذي بيديه كل شيء، ولا ينازع أحد في ملكه، بل الجميع خاضع له، ذليل بين يديه. قال: وإثبات هذه الصفات العلى التي فيها التنويه على الله، إثبات المحامد والوحدانية والتصرف، تفيد وصفه جل وعلا بها مفردة. كما أن اجتماعها يفيد معنى زائدا يليق بجلاله وعلوه وأهله. وذلك كمال ناشئ عن اجتماع صفة بصفة. وذلك في قوله: «إن الحمد والنعمة لك والملك»، فهذه محامد لله عز وجل، وثناء. وكل واحد لوحده يدل على كمال، واجتماع بعضه ببعض يدل على كمال فوق كمال. مثل ما تقول: «حكيم»، «عليم». فاجتماع هذين الاسمين يدل على معنى زائد من اجتماع هذين الوصفين. قال: فكونه مالكا كمال، وكون الحمد له كمال، واجتماعها كمال زائد على الكمالين. يعني: مالك وملكه يستحق الحمد؛ لأنه كمال في كمال. قال: فله الصفات العلى والمحامد الكاملة. قال: وإثبات هذه الصفات يجب للعبد إفراده بالعبادة والمحبة والتوجه والإقبال والخوف والرجاء وغير ذلك من متعلقات العبد ربه ومولاه. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا: مشروعية التلبية في الحج والعمرة، وتأكدها فيه؛ لأنها شعار الإحرام. ويأتي الخلاف: هل هي واجبة أو مستحبة؟ إن شاء الله تعالى - يعني فيما سيأتي من خلاف أهل العلم - سيأتي في الباب أو الفصل الذي سيذكره بعد. قال: ثانيا: الأفضل. وقوله: مشروعية التلبية في الحج والعمرة ليست فقط مشروعية تدل على الجواز، بل هو بين الاستحباب والوجوب. هو بين الاستحباب والوجوب؛ كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديثه على التلبية، فقال: «ما من مُلَبِّيٍ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا ومن هنا - أو من ها هنا ومن ها هنا - يعني عن شماله وعن يمينه». والحديث رواه البيهقي، وابن ماجه، والحاكم. وصحح الشيخ العلامة الألباني من حديث سهل بن سعد. وهذا يدل على مشروعية وأفضلية واستحباب - على أقل أحوال التلبية -، فهي من مستحبات الحج والعمرة على أقل الأحوال. فعلى هذا: أن الأفضل أن تكون بهذه الصيغة فقط؛ للاتباع، ولما تحتويه هذه الجمل من المعاني العظيمة، ولما فيها من صفات الله تعالى الجليلة. فإن زاد فلا بأس. يعني الأفضل: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». هذا هو الأفضل. وما زاد عبد الله بن عمر بن فعل الصحابة الذي أجازه بعض أهل العلم، وأنكره بعضهم. حتى الصحابة أنكر بعضهم ذلك. وسيأتي معنا إن شاء الله. فبعض الصحابة اقتصر على ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبعضهم زاد. ومن زاد رأى أن ذلك واسعا، فأترخص بالعموم فزاد. وأكثر أهل العلم على الاقتصار بما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، نكتب إلى هذا الحد انتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في الدرس اللاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.