من أسباب الإنحراف

الدرس في من أسباب الإنحراف، وكانت بمسجد القبلة بالديس الشرقية الجمعة 20 رجب 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الانحراف وأهمية مجالس الذكر

يُناقش أهمية مجالس الذكر والحذر من أسباب الانحراف في العصر الحديث بسبب كثرة الفتن والشهوات والشبهات. يُشدد على ضرورة الاجتهاد في أخذ أسباب الثبات والتحذير من مظاهر الانحراف.

أهمية العلم للثبات على الدين

يؤكد على أهمية الحرص على العلم والاستمرار فيه للثبات على الدين واتباع الكتاب والسنة وسلف الأمة. يحذر من الانقطاع عن العلم كأحد أسباب الانحراف.

الارتباط بأهل العلم والرجوع إليهم

يشدد على ضرورة استمرار المسلم في طلب العلم والارتباط بأهله والرجوع إليهم في مواضع الإشكال لتحقيق السلامة والثبات. يُبرز أهمية العلم في تزكية القلب والجوارح.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلًا الَّذِي وَفَقَنَا لِمِثْلِ هَذَا الْمَجْلِسِ الْمُبَارَكِ نَتَذَاكَرُ فِيهِ مَا يَنْفَعُنَا، خُصُوصًا فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي أَحَوْجَ مَا يَحْتَاجُ أَهْلُ الْحَقِّ وَالْهُدَى أَنْ يَجْلِسُوا فِي مَجَالِسَ يَكُونُ فِيهَا الْمُذَاكَرَةُ بِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَفِي دُنْيَاهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبَاتِ وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ السَّلَامَةِ. وَلِهَذَا حَثَّ دِينُنَا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ الْمُبَارَكَةِ. وَسَمِعْتُمْ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا الْمَوْضُوعُ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، مَوْضُوعٌ هَامٌّ وَعَظِيمٌ، خُصُوصًا فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي تَكَالَبَتْ فِيهِ أَسْبَابُ الِانْحِرَافِ الْكَثِيرَةِ، مُمَثَّلَةً بِطَرِيقَيْنِ عَظِيمَيْنِ: طَرِيقِ الشَّهَوَاتِ وَطَرِيقِ الشُّبُهَاتِ. فَإِنَّ الْمُتَتَبِّعَ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا وَكَانَ بِهَا انْحِرَافُ الْكَثِيرِ مِنْ النَّاسِ، يَجِدُهَا تَدُورُ حَوْلَ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَيَزْدَادُ الْأَمْرُ عَظَمًا بِعِظَمِ الْفَسَادِ وَكَثْرَةِ أَهْلِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَوَاتِ وَأَهْلِ الشُّبُهَاتِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُدْعِيًا لِلْحِيطَةِ أَكْثَرَ وَالِاجْتِهَادِ أَكْثَرَ فِي الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الثَّبَاتِ وَالْحَذَرِ مِنْ أَسْبَابِ الِانْحِرَافِ. وَنَسْمَعُ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَا يَتَعَجَّبُ لَهُ الْمَرْءُ مِنْ مَوَاضِعِ وَمَوَاطِنِ وَأَمْثِلَةِ الِانْحِرَافِ، مَا تَدْمَى لَهُ الْقُلُوبُ وَتَدْمَعُ لَهُ الْأَعْيُنُ، مِمَّا رُبَّمَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ الْكَثِيرِينَ. حَتَّى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَرَّتْ عَلَيْهَا مِثْلُ تِلْكَ الْأَخْبَارِ وَتِلْكَ الْأَحْدَاثِ، تَقُولُ بِلِسَانِ حَالِهَا قَبْلَ مَقَالِهَا: اللَّهُمَّ سَلِّمْ. وَصدق نبيُّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَقُولُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا يُؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حِينَ تَتَابَعُ عَلَيْهِمُ الْفِتَنُ فَتَكُونُ كَثِيرَةً حَتَّى إِنَّهَا تَمْلَأُ أُفُقَ السَّمَاءِ، فَتَكُونُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. مَنْ يَحْصِي قِطَعَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؟ لَا يَحْصِيهَا أَحَدٌ. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ النَّاسُ إِلَّا مَنْ حَفِظَ اللَّهُ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: يَمْسِي الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا وَيَمْسِي مُؤْمِنًا. عِنْدَهَا يَبِيعُ الْمُسْلِمُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلٍ. عِنْدَهَا تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ، وَيَكُونُ فِيهِ مَا هُوَ مَحَلُّ الْفَوَاجِعِ لِلْمُخْلِصِينَ. فَلِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَى كُلِّ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَأَحَبَّهُ وَرَغِبَ فِيهِ وَأَخْلَصَ لَهُ، أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الثَّبَاتِ، وَأَنْ يَحْذَرَ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنْ أَسْبَابِ الِانْحِرَافِ، خُصُوصًا وَأَنَّنَا نَرَى وَنَسْمَعُ أَنَّ مَوَاضِعَ الِانْحِرَافِ عَدَتْ فِئَاتٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى انْتَقَلَتْ إِلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْهُدَى وَيُرْجَى فِيهِ الْإِمَامَةُ وَالْإِصْلَاحُ لِلْمُجْتَمَعَاتِ. بَدَلًا مِنْ تِلْكَ الْأَمَانِ الَّتِي يَتَمَنَّاهَا الْمُصْلِحُونَ وَالْمُحِبُّونَ لِلْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، صَارَ بَعْضُ أُولَئِكَ هُمْ مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ، إِذْ كَانُوا مِثَالًا مِنْ أَمْثِلَةِ الِانْحِرَافِ. فَعِنْدَهَا يَزْدَادُ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَيَعْظُمُ وَيَكْبُرُ، وَلَكِنَّ فِي هَذَا دَرْسًا عَظِيمًا لَنَا جَمِيعًا أَنْ نَعْتَبِرَ بِمَا نَرَاهُ بِأَعْيُنِنَا وَنُشَاهِدُهُ وَنَحْضُرُهُ، وَبِمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ دِينِنَا وَنَصَائِحِ عُلَمَائِنَا، مَا يَكُونُ مُدْعِيًا لِإِقَامَةِ مَجَالِسِ الْمُذَاكَرَةِ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الشَّرِّ الْعَظِيمِ. رُبَّمَا رَجُلٌ كَانَ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَزَالُ فِي صُفُوفِ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا بِالْفَتَاوَى الشَّاذَّةِ. وَكَذَلِكَ الْمُجَارَاةُ لِلْمُجْتَمَعِ بِمَا يَكُونُ بِهِ انْحِرَافُ الْمُجْتَمَعِ قَبْلَ انْحِرَافِهِ. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مِثْلَ ذَلِكَ، عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ الْمَرْءُ الْحِصَانَةَ مِنْ هَذَا الشَّرِّ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ. فَقُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، يُقَلِّبُهُمَا كَيْفَ شَاءَ. رُبَّمَا يَكُونُ الرَّجُلُ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ دُعَاةِ التَّوْحِيدِ، وَفَجْأَةً إِذَا بِهِ تَصْدُرُ مِنْهُ الْفَتَاوَى الْمُنَافِيَةُ لِلتَّوْحِيدِ. وَرُبَّمَا يَكْفِيكُمْ فِي هَذَا بَعْضُ الْإِشَارَاتِ. رُبَّمَا تَسْمَعُونَ مَنْ يَجِيزُ حَلُّ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، وَآخَرَ يُنَادِي وَيَدْعُو إِلَى الِاخْتِلَاطِ، وَثَالِثٌ يَأْتِي فَيُجِيزُ الْغِنَاءَ وَيُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ الْأَدِلَّةَ وَالْبَرَاهِينَ فِيمَا يَظُنُّ. وَكُلُّهَا مِنْ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ الَّتِي دَخَلَتْ فَكَانَ بِهَا مِثْلُ هَذِهِ السَّقْطَةِ. فَالشَّاهِدُ مِنْ هَذَا، إِخْوَتِي فِي اللَّهِ: أَنَّ الْمُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الشَّرِّ، أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِيهِ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ، وَغَيْرُهُمْ فِي الْمُجْتَمَعِ مِنْ نَظَائِرِهِمْ كَثِيرٌ، وَمِنْ دُونِهِمْ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْتَرَّ بِخَيْرٍ وَفَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَحْرِصَ عَلَى الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ السَّلَامَةِ وَالْحَذَرِ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ. وَالْأَسْبَابُ بِالْحَقِيقَةِ كَثِيرَةٌ، كَثُرَتُهَا بِكَثْرَةِ مَوَاضِعِ التَّخَلُّفِ عَنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَوَاقِفِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ مِعْيَارُ الِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ، وَحَقِيقَةُ هَذَا الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ وَدُعِينَا إِلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. فَمَا مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ مَوَاضِعِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَوَاقِفِ الثَّبَاتِ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ، إِلَّا وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ مَوَاضِعِ الثَّبَاتِ، وَفِي ضِدِّهِ مَوْضِعٌ مِنْ مَوَاضِعِ الِانْحِرَافِ. وَلِهَذَا أَجْمَلَ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الْمُتَمَثِّلِ بِلُزُومِ هَذَا الْمَسْلَكِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمٍ وَتَطْبِيقٍ وَعَمَلٍ، سَلَفِ الْأُمَّةِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 3]. إِنَّ اتِّبَاعًا غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَبَبٌ لِلِانْحِرَافِ. وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: 137]. إِنَّ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِالْإِيمَانِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فِي عَقَائِدِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ، مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى ذَلِكَ الْحَقِّ وَالْهُدَى وَالْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ عَلَى نَفْسِهِ أَسْبَابًا مِنْ أَسْبَابِ الِانْحِرَافِ شَعَرَ أَوْ لَمْ يَشْعُرْ. وَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَبِهَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ خَيْرًا لِنَفْسِهِ، أَنَّ حَقِيقَةَ السَّلَامَةِ تَكْمُنُ بِخِصَالٍ كَثِيرَةٍ. وَقَدْ تَجُمَّلُ هَذِهِ الْخِصَالُ بِمَا يَكُونُ بِهِ اجْتِمَاعُ تِلْكَ الْخِصَالِ فِيهَا. أَوَّلُ ذَلِكَ: الْحِرْصُ عَلَى الْعِلْمِ وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الِاتِّبَاعِ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ مُلَازَمَةِ الْأَصْلَيْنِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ السَّيْرِ بِسِيرِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ. كَمْ مِنْ النَّاسِ مَنْ عِنْدَهُ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ وَمَقْصِدٌ حَسَنٌ، سُرْعَانَ مَا يَضْعُفُ أَمَامَ دَوَاعِي الِانْحِرَافِ مِنْ شَهَوَاتٍ مُغْرِيَةٍ وَشُبُهَاتٍ مُضِلَّةٍ، يَكُونُ بِهَا زَيْغُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. لَكِنَّهُ إِذَا لَازَمَ طَرِيقَ الْعِلْمِ وَأَهْلَ الْعِلْمِ، وَانْتَبَهَ لِمَعْنًى لَازِمٍ. فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَلَازِمُ فَتْرَةً فَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَيَكُونُ سَبِيلُ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَى قَلْبِهِ وَإِلَى أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الَّتِي يَنْقَطِعُ فِيهَا. وَبِهِ تُعْرَفُ وَتُفَسَّرُ أَسْبَابُ انْحِرَافِ بَعْضِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْعِلْمِ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ، ثُمَّ صَارَ مِنْ الْمُنْحَرِفِينَ السَّاقِطِينَ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ الضَّلَالَاتِ: شُبُهَاتٍ أَوْ شَهَوَاتٍ. رُبَّمَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ انْقِطَاعُهُ عَنْ مُلَازَمَةِ طَرِيقِ الْعِلْمِ. كَمَا يُنْتَبَهُ هُنَا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّ مُلَازَمَةَ طَرِيقِ الْعِلْمِ لَا يَعْنِي أَنْ تَتَفَرَّغَ لِلْعِلْمِ وَأَنْ تَتْرُكَ أَسْبَابَ الْمَعِيشَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ خُلَصَاءِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ. لَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَطْلُوبَ. فَإِنَّ هَذَا لَا يَطِيقُهُ وَلَا يُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا شَرْعُنَا وَدِينُنَا. لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ سَلَفُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مَعَ قِيَامِهِمْ بِأُمُورِ مَعِيشَتِهِمْ، لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ مَجَالِسِ الْعِلْمِ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، وَمُلَازَمَةِ أَهْلِهِ لِعِلْمِهِمْ. أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ عَلِمَ أَهْلَهُ دَرْسًا عَظِيمًا، كَانَتْ بِهِ الْمَزِيَّةُ عَنْ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ. أَنَّ هَذِهِ الْأَجْسَادَ كَمَا تَحْتَاجُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَتَحْتَاجُ كَذَلِكَ إِلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ زَادُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ. فَإِذَا كَانَتِ الْأَجْسَادُ تَمُوتُ وَتَهْلِكُ أَوْ تَمْرَضُ بِنُقْصَانِ أَوِ انْتِفَاءِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَجْسَادُ تَهْلِكُ أَوْ تَمْرَضُ بِنُقْصَانِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشْعِرَ كُلُّ مُسْلِمٍ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَطُلَّابِهِ أَوْ كَانَ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ لَوَازِمِ الثَّبَاتِ عَلَى هَذَا الدِّينِ. فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْرِصْ عَلَيْهِ، دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَسْبَابُ الِانْحِرَافِ قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً. وَالنَّاسُ فِي هَذَا بَيْنَ مُسْتَقِلٍّ وَمُسْتَكْثِرٍ، شَعَرُوا أَوْ لَمْ يَشْعُرُوا. وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ جَمِيعًا أَنْ يَحْرِصُوا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ أَوْقَاتٌ يُصْرِفُونَهَا وَيَبْذُلُونَهَا فِي الصِّلَةِ بِالْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحُضُورِ مَجَالِسِهِمْ فِي بُيُوتِ اللَّهِ، وَلَوْ وَقْتًا فِي الْيَوْمِ، وَلَوْ يَوْمًا فِي الْأُسْبُوعِ، وَلَوْ لَحَظَاتٍ فِي الشَّهْرِ. لَكِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِمْرَارَ سَبَبٌ لِتَزْكِيَةِ وَطَهْرَةِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا فِي إِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَإِعَادَتِهَا إِلَى حَيَاضِ الِاسْتِقَامَةِ وَطَرِيقِ السَّلَامَةِ. وَمَنْ أَطْلَقَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الْوَاسِعَةِ، مَعَ كَثْرَةِ مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْفُسُوقِ وَالْفُجُورِ، فَضْلًا عَنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَقِلَّةِ أَهْلِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْحَيَاضِ قَدْ مُلِئَ بِالْجِرَاحِ وَتُلُوثَ بِأَنْوَاعِ الْأَدْرَانِ الَّتِي تُضِرُّهُ إِنْ لَمْ تُهْلِكْهُ. وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ. فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُسْلِمُ عَلَى مُلَازَمَةِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ. فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى مَجَالِسِهِمْ فِي بُيُوتِ اللَّهِ وَفِي دُورِ الْعِلْمِ، كَمَا قُلْنَا وَلَوْ حِينًا مِنْ الدَّهْرِ، حَتَّى وَلَوْ أَيَّامًا فِي السَّنَةِ، يُحْيِي بِهَا قَلْبَهُ وَيُصْلِحُ بِهَا أَعْمَالَهُ، كَانَ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْحَسَنِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلِأَدْنَى مِنْ وَسَائِلِ الْعِلْمِ الْأُخْرَى، الَّتِي تَكُونُ بِهَا حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَإِصْلَاحُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، مِنْ مُلَازَمَةِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، إِمَّا فِي كِتَابٍ يَقْرَأُهُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، أَوْ شَرِيطٍ أَوْ مَسْمُوعٍ يَسْمَعُهُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى. يَكُونُ فِيمَا يَسْمَعُهُ أَوْ يَقْرَأُهُ مَا يَكُونُ بِهِ حَيَاةُ قَلْبِهِ وَتَذْكِيرُهُ، وَإِعَادَتُهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَيَرْضَاهُ لَهُ. وَلِهَذَا تَجِدُ الْفَرْقَ أَخِي الْمُسْلِمِ بَيْنَ مُسْلِمٍ حَرَصَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَآخَرَ هُوَ فِي تَمَامِ الْغَفْلَةِ. كَيْفَ تَكُونُ حَيَاةُ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ؟ ذَاكَ حَيُّ الْقَلْبِ، وَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ فَسُرْعَانَ مَا يُرَاجِعُ الْحَقَّ لِكَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ لِطَرِيقِ الْعِلْمِ الَّتِي تَصِيرُ مَوَاعِظُهُ كَالصِّيَاطِ عَلَى الْجَسَدِ، فَتَكُونُ صِيَاطًا عَلَى هَذِهِ الْقُلُوبِ تُذَكِّرُهَا وَتُعِبُهَا بِمَا يَكُونُ بِهِ تَزْكِيَتُهَا. وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: 9]، زَكَّاهَا بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَدَنَّسَهَا بِالْجَهْلِ وَبِطَرِيقِ أَهْلِ الْجَهْلِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي. وَهَكَذَا كَذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الِاعْتِنَاءِ بِالْعِلْمِ، أَنْ تَكُونَ عَلَى صِلَةٍ بِالْعُلَمَاءِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ. أَنْ تَمُرَّ بِكَ أَخِي الْمُسْلِمِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَا هُوَ مِنْ مَوَاضِعِ الْإِشْكَالِ، وَمَا يَكُونُ بِهِ مَعْنَى التَّحَرِّي الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ. أَنْتَ مُسْلِمٌ رَفَعَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِسْلَامِ وَتَعْتَزُّ بِهِ، فَأَظْهِرْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِكَ: أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ وَمَوَاقِفِكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. تُوزَنُ بِمِيزَانِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ. إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، اسْتَطَعْتَ أَنْ تَزِنَ الْأُمُورَ بِنَفْسِكَ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ اسْتِيعَابًا كُلَّ مَا تَلْقَاهُ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ، فَسَتُفْتَقَرُ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ وَلَا بُدَّ. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَهَذَا أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ. فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُلْزِمًا لَكَ أَنْ تَكُونَ عَلَى صِلَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ بِأَهْلِ الْعِلْمِ، تُرَاجِعُهُمْ فِي كُلِّ مَا يَمُرُّ بِكَ فِي حَيَاتِكَ. إِنْ أَرَدْتَ حَيَاةً مُسْتَقِيمَةً تُغْبَطُ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ. إِنْ أَرَدْتَ حَيَاةً يَكُونُ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِقَامَةِ الصَّحِيحَةِ وَالثَّبَاتِ الْحَقِّ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَكَ. عِنْدَ ذَلِكَ يَلْزَمُكَ أَنْ تَسْأَلَ فِي كُلِّ مَا يَمُرُّ بِكَ مِنْ مَوَاضِعِ الْإِشْكَالِ وَالشَّكِّ، أَنْ تَصِلَ إِلَى الْيَقِينِ بِعِلْمِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَمَرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: 43]، وَكَمَاءَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: 83]. مَا أَكْثَرَ النَّاسَ الَّذِينَ يَقْتَحِمُونَ الْمَوَاقِفَ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ وَانْحِرَافِهِمْ. يَضْعُفُ أَمَامَ شَهْوَةٍ، وَيَجْبُنُ أَمَامَ شُبْهَةٍ، فَيَكُونُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَوَاضِعُ الزَّلَلِ شَعَرَ أَوْ لَمْ يَشْعُرْ. لَكِنَّهُ لَوْ رَاجَعَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَسَأَلَهُمْ، رُبَّمَا بِاسْتِنْصَاحِهِ لَهُمْ، نَصَحُوهُ وَأَخَذُوا بِيَدِهِ إِلَى مَا فِيهِ سَلَامَتُهُ فِي دُنْيَاهُ وَفِي أُخْرَاهُ. لَا تَظُنَّ أَنَّ الْحُلُولَ انْقَطَعَتْ فِيمَا رَأَيْتَ وَفِيمَا حَسِبْتَ. فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الدِّينِ مِنْ الْفُسْحَةِ مَا يُغْنِيكَ فِيهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْحَلَالِ عَنِ الْحَرَامِ، وَبِالشُّبُهَاتِ عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَبِمَوَاضِعِ السَّلَامَةِ عَنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَطَرِيقِهِمْ، بِأَهْلِ الْحَقِّ وَطَرِيقِهِمْ. لَكِنَّكَ رُبَّمَا لَا تَصِلُ إِلَى ذَلِكَ بِجَهْلِكَ. كَمْ يَقَعُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَهْلِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَإِخْوَانِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَمَلِهِ، وَمَا يَمُرُّ بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، مِمَّا يَكُونُ مُدْعِيًا لِفِتْنَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْهُ اللَّهُ بِعِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ، زَلَّ. وَمَا أَكْثَرَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا لَزِمَ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَرْجِعَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ. فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَّا إِلَّا وَفَوْقَهُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَّا إِلَّا وَفَوْقَهُ مَنْ هُوَ أ