التحذير من أعياد الكفار والتشبه بهم 19 ذي الحجة 1428هـ

الدرس في التحذير من أعياد الكفار والتشبه بهم 19 ذي الحجة 1428هـ، التحذير من أعياد الكفار والتشبه بهم 19 ذي الحجة 1428هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من التشبه بالكفار في أعيادهم

المحاضرة تحذر من التشبه بالكفار والمشركين في أعيادهم وعاداتهم، وتؤكد على أهمية الولاء والبراء في الإسلام. يُشدد على مخالفة الكفار لما في ذلك من إظهار لقوة الإسلام.

تحريم المشاركة في أعياد الكفار وأدلته

يُناقش التحريم الدقيق للمشاركة في أعياد الكفار مثل رأس السنة الميلادية، مستندًا إلى الكتاب والسنة وإجماع السلف. يُحذر من المشاركة أو التهاني بهذه الأعياد.

عقوبة مخالطة أهل الباطل وعدم الإنكار

يجب على المسلم تجنب مخالطة أهل الباطل وإنكار المنكر لتجنب العذاب الإلهي. استدلال بالقرآن الكريم والسنة النبوية على خطورة ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني في الله، فهذه مقدمة بين يدي كلمة شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى ورعاه. وكما علمتم وسمعتم، إخواني في الله، أن عنوان المحاضرة: التحذير من أعياد الكفار والتشبه بهم. وهذه المسألة - أي التشبه بالكفار - من الأمور العظيمة ومن المسائل الخطيرة التي فشت وطُرحت وظَهَرت على هذه الأمة المحمدية، وبالأخص في هذه الأزمنة المتأخرة. وتكمن الخطورة لهذه المسألة أنها متعلقة ومنبثقة من أصل عظيم من أصول ديننا ومبدأ عظيم من مبادئ شريعتنا، ألا وهو الولاء والبراء. فإن الولاء والبراء من أعظم عقائد أهل الإسلام، بل عليها يقوم الإسلام والإيمان. ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. فربنا عز وجل نفى الإيمان عن من ألقى المودة للكفار والمشركين، فلا يجوز بحال من الأحوال أن يوقع المرء في قلبه المودة للكفار والمشركين في أي زمان وفي أي مكان. ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَأَبْدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. فتأملوا، إخواني في الله، في هذه الآية العظيمة والتي فيها مبدأ من المبادئ التي سار عليها الأنبياء وسار عليها الرسل، وهو الولاء والبراء. قال علماء، رحمهم الله تعالى، في ذكر فوائد هذه الآية: إنه ينبغي النظر والتأمل كيف أن الله عز وجل قدم العداوة على البغضاء، حيث قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَبْدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾. قال علماء: وذلك لأن الأولى أهم من الثانية، أي أن العداوة أهم من البغضاء. وذلك لأن المسلم قد يبغض المشرك ولا يعاديه. فالواجب على المسلم أن يجمع بين العداوة وبين البغضاء. وهكذا قال علماء: وشرط ذلك - أي شرط العداوة والبغضاء - أن تكونا باديتين، أي ظاهرتين، ماذا ليس فيهما خفاء وليس فيهما ستر ولا سر، بل ينبغي أن تظهر تلكم العداوة وتلكم البغضاء أمام الملأ. وذلك حتى يعلم الكفار أننا كارهون لما هم فيه من شرك ولما هم فيه من كفر. «خالفوا المشركين». «خالفوا المجوس». «خالفوا اليهود». «خالفوا النصارى». أمر نبينا عليه الصلاة والسلام بمخالفة الكفار وبمخالفة المشركين، وبمخالفة اليهود وبمخالفة النصارى وبمخالفة المجوس. وعلى هذا استفاد العلماء، رحمهم الله تعالى، أنه - أي شيء يعتبر من خصائص الكفار - فلا يجوز التشبه بهم. ما كان من عقائدهم، وما كان من عباداتهم، وما كان من عاداتهم، وما كان من أنماط سلوكهم التي قد اختصوا بها، فلا يجوز أن نشابه القوم فيها. والأدلة على ذلك كثيرة ومتكاثرة. وقد يقول قائل: ما هي العلة وما هي الحكمة من التحذير من التشبه بالكفار والمشركين؟ فيقال: إن في ذلك إظهارًا لعزة الإسلام وقوته، وإظهارًا لتميز المسلمين عن الكفار والمشركين. ومن ذلكم ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وجاء عند أبي داود، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، فإن اليهود والنصارى يؤخرون». أمر نبينا عليه الصلاة والسلام بمخالفة الكفار في هذه الحيثية، فقد كان من هديهم ومن جأبهم أن إفطارهم يؤخرونه حتى تشتبك النجوم. فأمر نبينا عليه الصلاة والسلام بالتعجيل. والعلة في ذلك، كما قال: «لا يزال الدين ظاهرا». فمن علامة إظهار الدين وقوة الدين مخالفة الكفار. فهذا مقصد شرعي. ومن تأمل في جميع الأحاديث التي فيها المخالفة لما عليه الكفار، يظهر هذا الحكم ظهورًا جليًا. فالمقصد، إخواني في الله، ومن العلل ومن الحكم التي أمرنا بمخالفة الكفار: إظهار هذا الدين وإعزازه. وهكذا، إخواني في الله، ومن أعظم ما كان من خصائص الكفار، وأمرنا شرعنا بعدم التشبه بهم: ما كان من أعيادهم. فكل عيد عُرف وعُلم أنه قد أُخذ من الشرق والغرب، فنحن أمرنا بمخالفته وعدم الاحتفال به. وهذه مسألة، إخواني في الله، من المسائل التي خفيت على كثير من الناس. كم من المسلمين من لربما لا يدري بحكم هذه المسألة، أو بعضهم لربما استخف بقدرها. بل إن بعضًا من أهل الإسلام من يظن أن الاحتفال بأعياد الكفار وبأعياد المشركين أنه لا حرج فيه، ولا غضاضة في أن يحتفل وأن يشارك هو وعياله وأبناؤه في هذه الاحتفالات المقامة هنا وهنا. وهذا كله من الجهل بدين الله سبحانه وتعالى. فاعلموا، إخواني في الله، أن الاحتفال بأعياد الكفار من الأمور العظيمة التي حرمها ربنا عز وجل في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. فقد نقل عن كثير من السلف، رحمهم الله تعالى، أنهم ذكروا أن معنى الزور هنا هو الاحتفال بأعياد الكفار. وهكذا، من السنة ما يدل على ذلك، ما مر معنا من حديث أنس، حينما منع نبينا عليه الصلاة والسلام أهل المدينة من الاحتفال بغير عيد الفطر وعيد الأضحى. ويؤيده كذلك ما جاء عند أبي داود، من حديث السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه، أن رجلا نذر أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقال نبينا: «أفي هذا المكان وثن يعبد؟». قال: «لا». قال: «أفي عيد من أعيادهم؟». قال: «لا». قال: «أوفي نذرك؟ فإن النذر لا يجوز في معصية الله». فاستنبط العلماء أن من الموانع من إيفاء النذر أن يكون النذر في محل يعتبر عيدًا من أعياد الجاهلية. فدل ذلك على أن ذلك من المعاصي العظيمة، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يفعلوا عبادة في عيد قد اندرست، وفي عيد قد ذهب ومضى. فكيف، إخواني في الله، في عيد لا زال باقيًا حيًا بين الناس؟ فكيف يشارك فيه؟ فإنه من باب أولى وأولى. وهكذا، أجمع السلف، فإن من تتبع إلى آراء العلماء وقول الصحابة من قبل، يرى ذلكم التحريم الصريح بالمنع من الاشتراك في هذه الأعياد. فإن بإخواني في الله أن يعلموا حكم هذه المسألة، وأن ذلك من دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا، ما نحن بصدده - وهو ما يسمى برأس السنة - وكم نرى من أناس من أهل الإسلام من يعد العدة لاحتفال بهذه الأيام. فإن ذلك، إخواني في الله، من الأعياد التي هي من خصائص اليهود والنصارى. فما سمعنا أن نبينا عليه الصلاة والسلام احتفل بمثل هذه الأعياد، وما كان على ذلك أصحاب رسول الله، ولا عليه التابعون، ولا أحد من الثلاثة الصالحين. وإنما هي سنة شرقية غربية كافرة ماجنة، جاءتنا من الشرق والغرب. ينبغي لأهل الإسلام أن يترفعوا عن احتفال بهذه الأعياد. وقد مر معنا من الكتاب والسنة والإجماع ما يدل على تحريم الاشتراك في هذه الأعياد. أضف إلى ذلك، يا عبد الله، أن أعياد الكفار أنها لا تخلو: إما أن تكون قائمة على شبهات، أو قائمة على شهوات. فهذا الأصل، وهذا الغالب في أعياد الكفار. فإما أن تكون قائمة على اعتقادات فاسدة، أو أفكار منحلة. أو أعياد قائمة على الشهوات، من إثارة الشهوات ومن فعل المجون والفسوق. وفي أعياد الميلاد اجتمعت فيها الأمران: الشبهات والشهوات. فذكر من ذكر أن الناس في الشرق والغرب يعتقدون في هذه الأعياد - في عيد رأس السنة - مثل تلكم الاعتقادات الفاسدة. فمن اعتقاداتهم: أن الرجل إذا دخل إلى منزل من المنازل ولم يصطحب معه هدية لصاحب المنزل، فإن الشؤم يلحقه. وهكذا، عندهم: أن في ليلة رأس السنة أنه لا يكنس البيت، وأن الكنس الغبار إلى خارج المنزل اعتباره أنه قد ينس الحظ السعيد. فلهذا هم لا يكنسون، بل يتشاءمون من الكنس في ليلة النصف من رأس السنة. وهم يعتقدون أن شرب آخر كأس من قنينة خمر في ليلة النصف من رأس السنة، فإن ذلك يأتي بالحظ السعيد. وهكذا، إخواني في الله، اعتقادات كثيرة. فيع، لا يعلم أن الغالب في أعياد الكفار أنها قائمة على الفساد والإفساد. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ثم، إخواني في الله، حديثي بأن نعلم أن التحريم لمثل هذه الأعياد لا يستحيل فقط بترك الاحتفال أو المشاركة، بل كذلك من التحريم بالاحتفال بهذه الأعياد: أنك لا تعاون فيها، أنك لا تعاون فيها. فقد ذكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، في فتاويه: أنه لما ذكر حكم الشرع في التحريم في مشاركة في الاحتفالات القائمة من اليهود والنصارى، قال: «ولا يجوز معاونتهم ولا مساعدتهم بأي شيء، ولو بالشاي، ولو بالقهوة، ولو بشيء من الأواني». أي: لا يجوز أن تدعم هذه الاحتفالات. وهكذا، مما يحرم: التهنئة بمثل هذه الأعياد. فإن بعضًا من المسلمين من ربما لا يحضر مثل هذه الاحتفالات، لكنه يتنازل لدرجة أنه يبارك أو يهنئ بعض الكفار بأعيادهم. فإن هذا الأمر من المحرمات. قال ابن القيم، رحمه الله تعالى، في «أحكام أهل الذمة»: «وأما التهنئة بشعائر الكفر، فإنها محرمة بالاتفاق». مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم. فيقول: «بارك الله عليك في العيد». أو يقول: «ليهنئك العيد». قال: «وقائل هذه العبارة، إن سلم من الكفر، فلا يسلم من التحريم». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعني بما قلت. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفع بما قلت، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والكلمة الآن لشيخنا أبي عبد الرحمن حفظه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سمعنا في كلمة أخينا بهاشم حفظه الله تعالى: هذه الضوابط والنصائح والتوجيهات فيما يتعلق بموضوع هذه الكلمة والمحاضرة، وهي في التحذير من أعياد المشركين. ولقد علمنا أن أدلة الكتاب والسنة، والمروي عن سلف الأمة، والمنقول عن عدد من العلماء والأئمة، يدل على تشديد التحريم في هذا الباب. وذلك لأن مواطأة المشركين في أعيادهم: إظهار لأديانهم، وهو منافي لكلمة التوحيد، ومنافي كذلك بدين الإسلام الذي ختم الله عز وجل به الأديان. فإن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، إن مقتضى ذلك ولازمه: أنه يقنع ويرضى بما في هذا الدين. وليس من القناعة والرضا: أن يحتفل المسلم بأعياد الكافرين، أو يعظمها، أو يواطئ على تعظيمها. كما سمعتم. وقد حرص العلماء على التحذير من هذا الباب، بالتبويب بأبواب كثيرة، بمؤلفاتهم وكتبهم، لأجل أن يحذر أهل الإسلام من هذا الفعل الشنيع الذي يبرئ عقيدة المسلم وعبادته ومنهاجه وسلوكه ودينه. فالإمام الخلال، رحمه الله تعالى، ذكر فصلًا في «جامعه»، وجعله في التحذير من أعياد المشركين وممالأتهم عليه. وذكر عددًا من الآثار، وكلام أهل العلم فيه. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. فسروا: «الذين لا يشهدون الزور»: أي لا يشهدون أعياد المشركين. ورووا: «لا يشهدون النيروز»، وهو عيد القبطيين، وهو ما يسمى اليوم «بيوم شم النسيم». يحتفل الكفار بأيام مختلفة في سنوات متنوعة: السنة الميلادية للنصارى، أو كذلك السنة القبطية، أو السنة العبرية، أو غير ذلك من أعياد المشركين. فإن ذلك يدخل في معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. لا يحبون كل معنى باطل قولي أو فعلي، وكل مجمع باطل في عقيدة أو في عبادة أو في أخلاق وآداب أو غير ذلك. بل هم يحرصون على عقيدة أهل الإسلام، وعلى عبادة أهل الإسلام، وعلى خلق وأدب أهل الإسلام، وعلى منهاج وعادة أهل الإسلام. هذا هو مقتضى من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. وأنت لو تأملت هذه الأعياد، تجدها أعيادًا تقوم على معاني باطلة. إما معاني فيها من الشرك والكفر ما ينافي أصل التوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم. كعقيدة النصارى: عبدة الصلبان، الذين تقوم أعيادهم - خصوصًا في مثل هذا اليوم - على معنى هذه العقيدة الفاسدة. ولهذا، نص بعض أهل العلم: أن من احتفل فيه تعظيمًا لعيدهم، أنه يكفر بالله عز وجل، والعياذ بالله. ومعناه: أنه يجب على المسلم أن يحذر من أن يكون عنده تعظيم واحتفاء لهذا اليوم، كتعظيم المشركين في ذلكم العيد. وذكر صاحب «الدر المختار»: عن عدد من أهل العلم ما فيه معنى ذلك. ثم ذكر: أن من أهدى فيه بيضة - من أهدى فيه بيضة - فإنه يقع في الكفر والشرك، يعني: إذا أهدى لرجل من المشركين في عيده تعظيمًا لعيده، ولو بيضة، فإنه يقع في الكفر والشرك، والعياذ بالله. فالأمر ليس بالسهل، بل الأمر دين، ويضر بالعقيدة، ويضر كذلك بمنهج هذا المسلم. فإنك إن لم تفعل ذلك على وجه التعظيم لهؤلاء المشركين وأعيادهم، فإنك تقع في نوع آخر، وهو أنك وقعت في كبيرة من الكبائر، ومعصية عظيمة من المعاصي. فإن ذلك من كبائر الذنوب. فإن الكبائر عند أهل العلم: ما أكد بوعيد، أو هُدد كذلك بحد، أو ما كان بمعناه في الدنيا. وهذا قد أكد بوعيد في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل. حذرنا ربنا جل وعلا من مواطأة المشركين على شركهم وعلى باطلهم، سواء في عقيدة أو عبادة أو معاملة، حتى ولو كان في زي، حتى ولو كان في لباس. فكيف بأعيادهم؟ وقد سمعتم بعض الآيات والأحاديث بهذا الباب. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. وإن من معاني الركون إلى الكافرين: الركون إليهم في أعيادهم. فإن ذلك مما يعينهم على باطلهم، وهو مما يوجب غضب الله جل وعلا وصخته. فهو كبيرة من كبائر الذنوب، ليس كسائر الذنوب، بل هو كبيرة من الكبائر. وأكد كذلك: إن مواطأة المشركين وإعانتهم على أعيادهم: سبب لنشر باطلهم. وروي عن إمام مالك، رحمه الله تعالى، أنه سئل عن الرجل ينقل في السفينة بعض المشركين إلى أعيادهم: أن يجوز له ذلك؟ فأفتى رحمه الله تعالى: أنه لا يحل له، ولا يجوز له ذلك. فلا يجوز لك، أخي المسلم، أن تعينهم على ما فيه إقامة باطلهم. فكيف أن تهنئهم، أو أن تشاركهم، أو أن تهديهم شيئًا في هذا العيد؟ فإن هذا كله مما حرمه الله وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم. ونقل عن عمر رضي الله عنه: أنه أرسل في كتاب أهل الذمة الذي بلغه إلى أمراء الأمصار: أن يمضوا في العمل به: «أن لا يظهر المشركون شيئًا من أعيادهم». قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: «فإذا كان هذا في إظهارها، فكيف في مواطأتهم عليها؟» أي: أنه أشد. والبيهقي، رحمه الله تعالى، بإسناده عن شيخ عن الإمام البخاري، رحمه الله، بإسناده إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنه «عن مواطأة المشركين في أعيادهم». فهذه من سنة الخلفاء الراشدين، التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». فينبغي للمسلم أن يحذر أشد الحذر من أعياد المشركين، بأي كيفية وصورة من صور التواطؤ والإعانة لهم على أعيادهم. ومن هذه الصور التي فيها ممالأة المشركين على أعيادهم: أولًا: الاحتفال بها، كما يفعله بعض الجهلة من المسلمين. إما أن يجتمعوا في بيت، أو يجتمعوا في مقر شركة أو مؤسسة أو دائرة، أو يجتمعوا في مسبح من المسابح، أو فندق من الفنادق، أو كذلك مجلس من المجالس، أو غير ذلك. فيقيمون في ذلك احتفالًا، إما لأنفسهم فقط، أو لهم ولبعض من يجاملون من الكافرين. فهذا لا يجوز، وهو فيه ما سمعنا من الوعيد الشديد والتحذير بنص أدلة الكتاب والسنة. وهو طعن في إسلام المرء وفي إيمانه. فإن المرء بفعله ذلك يخدش ويطعن في إيمانه، كأنه ما رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. والله جل وعلا أمرك أن تقنع وترضى بالإسلام. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام - كما سمعنا - بحديث أنس: من أعياد الجاهلية. وأخبر أن أهل الإسلام قد كفوا وأغنوا بعيدين اثنين: عيد الفطر وعيد الأضحى. فلأهل الإسلام غني في أعيادهم عن أعياد المشركين. وهكذا، كذلك: هو منافي لما أمر الله جل وعلا به من التبرأ من المغضوب عليهم والضالين. وأنت، يا أخي المسلم، تقرأ في صلاتك وتكرر: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. من المغضوب عليهم ومن الضالين: الذين تتبرأ من طريقهم. وتكرر: ﴿إِنَّهُمْ أَعْدَاءٌ فَاحْذَرْهُمْ﴾. إنهم اليهود والنصارى، إنهم من غضب الله عليهم، من المشركين والكافرين. فكيف بعد ذلك تحتفي بأعيادهم وتعظمها وتجعل لها ما تجعل من البهج والسرور والفرحة والمجاملة فيها؟ وهكذا، كذلك: من مظاهر ممالأة المشركين ومواطأتهم على هذه الأعياد المحرمة: ما يفعله بعض الناس من إهداء الهدايا والتهنئة في هذا اليوم، سواء بالمسموع أو بالمكتوب، أو كذلك بإرسال الرسائل أو الورود أو غير ذلك. بل جعل بعض أهل العلم: أن شعرة واحدة لو قُرنت على وجه الهدية لهذا اليوم، فإنه يدخل في معنى ما سمعنا من كلام أهل العلم في هذا الباب. فإنه إن فعل ذلك تعظيمًا لذلكم العيد، فإنه يكفر، والعياذ بالله. لأن معناه: تعظيم لعقيدة أهل الشرك والكفر. فتدري أن هؤلاء أهل الشرك وأهل الكفر، وأعيادهم قائمة على معاني الشرك والكفر. فكيف تعظمها؟ وكيف تبتهج وتفرح بها؟ وكيف تهنئهم وتهديهم فيها؟ فكل هذا ينافي الإيمان. فإن لم يكن على وجه التعظيم، فإنه لا يخلو أن يكون كبيرة من الكبائر، ومعصية من المعاصي. ومن معاني كذلك الاحتفاء بهذه الأعياد المحرمة: إعانتهم فيما يعينهم على إقامة هذه الأعياد، كإيجار الفنادق لهم، وإيجار صالات الأفراح لهم، وهكذا صناعة الحلوى وسائر المأكولات لهم. فإن ذلك مما يحرم كذلك. ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وهكذا، كذلك: مما يدخل من معنى مواطئتهم في هذا الباب: حضور المواضع التي يحتفلون فيها، ولو كان هذا الحضور لغير الاحتفال، كالحضور للبيع والشراء. فإن بعض الناس ربما يستغل مجامع هذه الاحتفالات - من فنادق أو استراحات أو كذلك صالات أو ساحات أو غير ذلك مما يحتفل به - وفيه المشركون والجاهلون. فيأتي فيستغل هذا المجمع للبيع والشراء، أو يستغله كذلك في إيجار السيارات، أو غير ذلك. هذا يدخل كذلك بالتعاون على الإثم والعدوان الذي حرمه ربنا جل وعلا. ويدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم - كما سمعتم - في حديث ثابت بن الضحاك: «أفي عيد من أعياد المشركين؟». سأل الرجل نذرًا أن ينحر إبلًا ببوانة، نذرًا لله جل وعلا، وأن يذبح ذبيحة يتصدق بها لله جل وعلا. ومع ذلك لم يتركه النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، إذا كان في ذلك المكان عيد من أعياد المشركين. فكيف بمباح من بيع وشراء، أو إيجارة، أو غير ذلك؟ فإنه لا يجوز من باب أولى. فيجب على المسلم أن يحذر، وأن يعلم أن هذا مما سيسأل عنه يوم القيامة. وأنه ليس من التعاون على البر والتقوى، بل من التعاون على الإثم والعدوان. وأنه كذلك من تكثير سواد أهل الباطل، ومن الركون إليهم. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. فلا يجوز للمسلم أن يقعد مع أهل الزور، والذين لا يشهدون الزور لا يقعد معهم، ولو قال: «أنا لست موافقًا لهم». فإنك تصاب بمصيبتهم، ويلحقك ما يلحقهم. وهذا منافي لما أمرك الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإلا، فارق موضع المنكر، فارقه. لا تجالسهم، ولا تخالطهم. وإلا، فإنك لا تأمن أن يصيبك الله عز وجل معهم بعذاب، فيشملك ويشملهم، ولو كنت لست راضيًا. لكنك ما دمت قد حضرت، فأنت كثرت سواد أهل الباطل. والله جل وعلا يعم الجميع بعقابه وعذابه. فإن العذاب يصيب مواقع الظالمين، ويصيب من خالطهم، ويصيب من خالطهم. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. ما أن الظلم لا يكون من جميع القرية، الظلم يكون من أكثرها، يكون من بعضها. لكن إذا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومجانبة ومفارقة للمبطلين، فإن العذاب يعم. كما مثل النبي عليه الصلاة والسلام بحديث النعمان بن بشير: جعل أهل الأرض كأهل السفينة، قوم في أعلاها، وقوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: «لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا» - يعني من أسفل إلى الماء - «ولم نؤذي من فوقنا». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تركوهم وما أرادوا - يعني لو أن أهل الأعلى تركوا أهل الأسفل يفعلون ما يريدون - لهلكوا وهلكوا جميعًا». «ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». إذن، لا نجاة إلا بأحد أمرين: إما أن تمنع أهل السوء عن فعل السوء، فإن لم تستطع، فلا تجالسهم ولا تخالطهم. بل جانبهم، وابتعد عنهم. وبهذا تكون السلامة. وبهذا تكون السلامة. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أمراء السوء الذين يكونون في آخر الزمان، وأن الناس معهم على ثلاثة أصناف. صنف يوافقهم ويتابعهم، فهو يناله ما ينالهم. وصنف ينكر عليهم، وهذا يسلم وينجو. وصنف لم يرض بما هم عليه، ولكنه بقي معهم. فهذا: «برئ»، برئ. وقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الصنف: «أنه برئ»، مع عدم ذكر السلامة: دليل على أن هؤلاء إذا لم يجانبوا هؤلاء الظالمين، فإنه لا يؤمن عليهم أن ينالهم ما ينالهم، بخلاف من أنكر، ومن جانب أهل الباطل، فإنه يسلم. ثم كذلك مثل هذا كثير في شريعة الله. وانظر إلى أصحاب السبت، فإن الله جل وعلا لما ذكر أصحاب السبت، جعلهم ثلاثة أقسام كذلك. قوم فعلوا تلك الحيلة الشنعاء، وقوم أنكروا عليهم، وقوم سكتوا. فذكر مصير الذين نجوا - الذين أنكروا - أنهم نجوا. وذكر مصير الذين فعلوا الحيلة، وأنه أصابهم ما أصابهم. ولم يذكر حال الذين سكتوا. قال بعض المفسرين في هذا: تخويف لعدم إنكار المنكر، ومجالسة أهله. فإن من لم ينكر المنكر، وجالس أهله، لا يأمن من عذاب الله، من عذابه في الدنيا وعذابه في الآخرة. فيجب عليك أن تحذر أن تحذر من عذاب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة. وهكذا، كذلك: من مظاهر ممالأة المشركين ومواطئتهم على أعيادهم: كذلك الرضا بهذه الأعياد، ولو لم يعين. فإنه يعين بالرضا. فمثلًا، بعض الناس ربما لا يشارك، ولا يهنئ، ولا يهدي. ولكنه ربما يرضى، ويأذن بما يكون به هذا الباطل، بما يكون به هذا الباطل. وربما استدل ببعض الأدلة العامة التي في الحقيقة لو تأملها وحقق الحق فيها لم ينجُ من تبعة ما يفعل. فمثلًا، ربما بعضهم يستدل بأدلة الكتاب والسنة التي فيها الإشارة إلى أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لهم دينهم، والمشركون لهم دينهم، وأهل الإسلام لهم دينهم. فيستدل مثلًا بقوله جل وعلا في سورة «الكَافِرُونَ»: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فيقول: كذلك بلسانه. لكن هل فعل ذلك بفعله؟ فكونك، يا أخي المسلم، تأذن وتسكت، وأنت تستطيع الإنكار: هذا من الممالأة والمواطأة في نشر باطلهم. ومن ذلك: عدم الإنكار على أهل بيتك، وأنت ترى فيهم من يفعل هذا المعنى. من بنت في البيت، أو شاب، أو زوجة، أو حتى بعض الأقربين الذين لك سلطة عليهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». فينبغي عليك أن تقوم بهذه المسؤولية، وهذه الرعاية. وليس الأمر بالسهل. فإنهم كما أنهم يعذبون ومهددون بعذاب الله على معاصيهم، فأنت كذلك؛ لأنك مسؤول عنهم مهدد عن ذلك. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَن