الإيمان الأوسط 27

الإيمان الأوسط 27

الدرس السابع والعشرون:(وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أموراً كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج ... وذلك لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكناً من معرفة السنة ومتابعتها ).

توجيه حول العذر بالجهل وضلال الجاهل

يناقش توجيه قول المؤلف حول العذر بالجهل وضوابطه، ويفرق بين الجهل الذي يعذر صاحبه والذي لا يعذر. الجهل الذي يرافقه تفريط لا يعذر صاحبه.

انتقاد الباطنية وتأثيرهم السلبي

ينتقد ابن تيمية آراء الباطنية ويبين خلطهم في المفاهيم الإلهية وتأثيرهم على أتباعهم، ويشير إلى دعم أعداء الإسلام لهم. يوضح أن اتباعهم يأتي من الجهل أو تحقيق المصالح.

التحذير من ضلالات أهل الأهواء

يتناول أهمية فهم ضلالات أهل الضلال والاحتراز منها، ويشير إلى أمثلة منهم مثل ابن عربي والسهروردي. الهدف من ذكر ضلالهم هو التنبيه لتشابه رؤوس الضلال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا سؤال يقول: مر قول المؤلف، رحمه الله، في درس أمس، صفحة 130، قوله: «كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له وجاهلًا بالمطلوب وطريقه كان فيه من الضلال، وكان مستحقًا من اللعنة إلى آخره»، هل يفهم منه عدم العذر بالجهل؟ وما توجيه ذلك؟ قوله، رحمه الله: «كما أن من كان قاصدًا للحق...» قبله وهو يتكلم على طريقة جهم ومن أخذ طريقته مذهبه، قال: «وليس صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده يتبعه، كما أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله مقرًا بما يستحقه دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، وهذا ظاهر»، قال: «كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له وهو جاهل بالمطلوب وطريقه كان فيه من الضلال، وكان مستحقًا من اللعنة التي هي البعد عن رحمة الله ما لا يستحقه من ليس مثله». ثم ذكر الآيات في سورة الفاتحة. «ولهذا أمرنا الله أن نقول: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين»، وبه يعلم أنه أراد، رحمه الله، صنفين: الصنف الأول من علم ولم يعمل بعلمه، وهؤلاء كاليهود المغضوب عليهم، والصنف الثاني من عمل بجهل، كالنصارى الضالين. وضلال النصارى بعملهم بجهل هو بتفريط، وليس هو بعدم تفريط، فيكون قوله، رحمه الله: «وهو جاهل بالمطلوب وطريقه»، هذا الجهل هو الجهل الذي يكون معه التفريط والإعراض، الجهل الذي معه التفريط والإعراض، وليس فيه دليل على أن المؤلف، رحمه الله، لا يُعذر بالجهل، ولكن معناه أن بعض الجاهلين لا يُعذرون بسبب تفريطهم وإعراضهم عن العلم. فمن بلغته الحجة وأعرض عنها ورضي بجهله فإنه يعتبر مفرطًا، وظلال النصارى من هذا الجنس، والكثير من أهل الظلال ممن يُصرون على الجهل هم من هذا الصنف، كحال طوائف من المتصوفة وغيرهم، فقد بلغتهم حجج، ولو مجملة، وجب عليهم أن يبحثوا عن الحق، فإعراضهم عن الحق وإصرارهم على ما هم عليه من الجهل هذا مسلك كمسلك النصارى. فإذن، ليس كل جاهل يُعذر، ولكن الذي يُعذر هو الذي لم يحصل منه تفريط. وفي حق أمثال هؤلاء كان العذر بالجهل، «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا». ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». وتأمل قوله: «لا يسمع بي»، ما أنه ربما يسمع كلامًا مجملًا، لكن وجب على من سمع أن يبحث عن الحق المفصل، وبلوغ الحجة المجملة تكفي في لزوم البحث عن الحق وعدم الرضا بالجهل. وبعض الأمور قد يُعذر الإنسان فيها إذا حصل فيها شيء من الخفاء، فمسائل العلم لا تستوي، والعذر بالجهل كذلك ليس أمره شيء واحد. والله أعلم. قال، رحمه الله تعالى: «وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورًا كلية مطلقة، فظنوا أنها في الخارج وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في أنفسهم وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء». ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين البائن عن مخلوقات أجمعين هو من جنس وجود الإنسانية في الأناس والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، كوجود الوجود في الثبوت عند من يقول: المعدوم شيء. فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلًا تارة بالكليات، وتارة بالمادة والصورة، وتارة بالوجود المغاير للثبوت. وهذا كله لأنهم بالحقيقة محتارون متشككون مترددون، وذلك لأن مصدر التلقي عندهم ليس الشرع، وإنما هو الفلسفات، وكذلك الوجدانيات. تارة يقولون: قد قال نحو هذا الفيلسوف الفلاني، وتارة: قد وجد الشيخ وأوحي إليه وألهم بكذا وكذا. وربما ينقض الطالب كلام شيخه ويأتي بما يخالفه فيه. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. قال، رحمه الله: «وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج أو بالهواء في الصوفة»، يعني أنه فيه وليس فيه، فيزعمون أن ذلك لا ينافي إلهيته وصفته في نفسه، كالشعاع في الزجاج، فالشعاع في الزجاج أثره موجود، وأصل الضوء من مصدر آخر، وهكذا الهواء في الصوفة. وكله أمثال باطلة. وهو سبحانه قد قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولا يجوز ضرب هذه الأمثال التي تنافيها أدلة الكتاب والسنة والحس والفطرة والعقل. قال: «فضربوا لرب العالمين الأمثال فضلوا، فلا يستطيعون سبيلًا»، وهم في هذه الأمثال ضالون من وجوه. أحدها: أنما مثلوا به من المادة مع الصورة، والكليات مع الجزئيات، والوجود مع الثبوت، كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، كما جعلوا الاثنين واحدًا في مثل صفات الله، يجعلون العلم والعالم، والعلم هو المعلوم، والعلم هو القدرة، والعلم هو الإرادة. وهذا معروف عن المتكلمين، إذ ينفون الصفات، فيزعمون أن تعدد الصفات يستلزم تعدد الذات، وهذا باطل، لا يستلزم تعدد الصفات تعدد الذات، بل لله صفات لا كالصفات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أثبتها لنفسه، فنثبتها له كما أثبتها لنفسه على ما يليق بجلاله وعظمته. وهكذا كذلك العكس، فهنا كما ذكر، رحمه الله، جعلوا الواحد اثنين، وهو أنهم مثلوا به من المادة مع الصورة، وكذلك الكليات مع الجزئيات، والوجود مع الثبوت، لماذا؟ لأن المادة لها صورة فهو شيء واحد، والجزئي هو جزء من الكلي فهو شيء واحد واضح. وهكذا كذلك الموجود له ثبوت فهو شيء واحد، فإذا صار كلامهم كلام غير مقبول عقلًا، فضلًا أن ينسبوه للشرع. قال، رحمه الله: «فجعلوا الواحد اثنين كما جعلوا الاثنين واحدًا في مثل صفات الله، يجعلون العلم والعالم والعلم هو المعلوم والعلم هو القدرة»، قال: «والعلم هو الإرادة»، وأنواع هذه الأمور التي إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بالأمور الإلهية، وأعظم الناس قولًا للباطل، مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من الدعاوى الهائلة الطويلة العريضة، كما يدعي إخوانهم القرامطة الباطنية أنهم أئمة معصومون مثل الأنبياء، وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم. مصيبة أن يكون من يظهر الكفر والزندقة والضلال وهو من أجهل الناس بدين الله مثل الأنبياء، هكذا عند أئمة الباطنية، ربما يكون ساحرًا فاعلًا للفواحش ومجاهرًا بالمعاصي، ضلاله وكفره ظاهر، وأبعد الناس عن العلم وأجهل الناس به، ومع ذلك يزعمون أن له منزلة أعظم من منزلة الأنبياء، وهي الولاية المزعومة. فهذا كما قال، رحمه الله، يبين لك أن هؤلاء القوم من أجهل الناس بالأمور الإلهية وأعظم الناس قولًا للباطل. فإن قال قائل: فكيف يتبعهم الناس مع هذا؟ الجواب: يتبعون بأحد أمرين: إما بالجهل، ولهذا يكثر في أتباعهم الجهال، يكثر في أتباعهم الجهال، ومن الجهال من لا معرفة له باللغة فضلًا عن الشرع، كالأعاجم وغيرهم. يكثر في أتباع هؤلاء الظلال. والمعنى الثاني: أنه يتبعهم من يوافقهم من أهل الشهوات، ومن يرغب في الفساد. وحال هذا الصنف الثاني كحال بعض المشركين، وهم يكذب بعضهم على بعض، كما يذكر عن مسيلمة الكذاب حين جاءه عمر بن العاص وقرأ عليه ما عنده من القرآن، فقال: ما رأيك؟ يعني كاذبًا يريد أن يعرض كذبه على من يعرف كذبه، فقال: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب، يعني ما يحتاج تسألني عن رأيي لأني أعرف أنك كاذب وأنت تعرف أني أعرف أنك كاذب. فحال هؤلاء كذلك. فالصنف الثاني من الناس إن،ما يوافقون هؤلاء لأنهم يجدون لهم أغراضًا من أغراض الدنيا، ويصلون إلى شهوات بواسطة هذه المذاهب الباطلة. وزاد في انتشارها قبول أعداء هذا الدين لهذه المذاهب وتأييدهم لها، فإنهم أعانوا قديمًا وحديثًا على نشر هذه المذاهب الباطلة، لعلمهم أن ذلك من أعظم ما يضر بالإسلام والمسلمين. ولو تأملت في حال هؤلاء وعلاقتهم بأعداء هذا الدين، تجد أنهم من أشد الناس أعوانًا لأعداء هذا الدين، حتى كانت منهم الخيانات، وكانت منهم الأمور العظيمة على الإسلام والمسلمين. قال، رحمه الله: «الثاني: أنهم على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطًا بوجود غيره الذي ليس هو مبدعًا له»، فإن وجود الكليات في الخارج مشروط بالجزئيات، ووجود المادة مشروط بالصورة، وكذلك بالعكس، ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم. وقد تقدم معنا أن هذا معلوم بالحس والفطرة والعقل. فكيف يدعون هذا التفريق فيجعلون الواحد اثنين، وهو إنما شيء واحد. فيلزمهم على كل تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس هو من مبدعاته. وما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي ليس هو مصنوعًا له لم يكن واجب الوجود بنفسه. وهذا بين. ويكفي في مثل هذا إضاح: أن هؤلاء من أجهل الناس، ومن أعظمهم فرية، فلم يخالفوا الشرع فقط، بل خالفوا العقل والحس والمشاهدة والفطرة. قال، رحمه الله: «الثالث: أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك». والكثير من أتباعهم لو كان عنده شيء من المعرفة اتهم نفسه بالجهل وأنه لم يفهم هذا، على اعتبار أنه فوق مستوى، كحال النصارى في قضية التثليث. لو تسأل أي واحد من النصارى فتقول له: فسر لي هذا التثليث، لقال لك: هذا ليس لنا، هذا للعلماء، نحن ما نستطيع أن نفسره، فيعزلون أنفسهم عن الفهم والعلم ويحيلون ذلك إلى غيرهم. وبهذا انقاد أمثال هؤلاء مع هذه الضلالات. وكذلك أتباع الباطنية يقرؤون الكلام المتناقض الذي لا يقبله العقل فضلًا عن الشرع، ويجدونه بأعينهم ويشاهدونه في الحس، ومع ذلك يقنعون أنفسهم أنهم دون مستوى الفهم، وأن هذا ليس لهم وإنما هو لرؤوسهم، فتستمر متابعتهم وانقيادهم مع وجود هذا الباطل الذي لا يقبله عقل فضلًا عن شرع. قال، رحمه الله تعالى: «وهم يصرحون بذلك، لكن يدعون المغايرة بين الوجود والثبوت أو بين الوجود والماهية، وبين الكل والجزء، وهو المغايرة بين المطلق والمعين». فلهذا كانوا يقولون بالحلول تارة، كانوا يقولون بالحلول تارة يجعلون الخالق حالًا في المخلوقات، وتارة محلا لها. وإذا حقق الأمر عليهم بعدم المغايرة كان حقيقة قولهم: أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه. إذن هم مرتابون في تحقيق هذه الماهية لواجب الوجود حتى جعلوها على هذه المعاني الثلاثة: تارة يقولون بالحلول والاتحاد، وتارة يقولون بوحدة الوجود، وهو قولهم: أن العالم كله واجب الوجود بنفسه. وتارة يقولون: أنه محلها، ليس الخالق يحل في المخلوق، ولكن المخلوق يحل في الخالق، المخلوق يحل في الخالق. وكل هذا معلوم الفساد، مردود بأدلة الشرع وغيرها من الأدلة الأخرى. قال، رحمه الله: «الرابع: أنهم يقرون بما يزعمونه من التوحيد عن التعدد في صفاته الواجب وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسما أو جوهرا». ثم هم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام الكائنة الفاسدة المستحدثة، ويصفونه بكل نقص، كما صرحوا بذلك. وهذا لازم قولهم، وقد التزموا به. قال: «قالوا: ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص وبصفات الذم». وقالوا: «العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا». وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة كما هو متصف بكل صفة محمودة. وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع، فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا. والمعنى: أن فساد قولهم أمر عظيم شنيع، وقد بينه، رحمه الله، في مواضع من كتبه في الرد على هذه الطائفة: أهل الحلول والاتحاد والقول بوحدة الوجود. وقد رد عليهم العلماء وكفروهم في عدد من المؤلفات والكتب، بل نصوا على تكفير رؤوسهم، بل قد ثبت أن الكثير من هؤلاء حكم عليه بالزندقة والكفر وقتل كذلك. قال، رحمه الله: «ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات». فهذه ثلاثة فوائد على وجه الاختصار ذكرها، يبين فيها ما قد يرد في إرادة، رحمه الله، لأقوال أهل الضلال في كتبه، وفي هذا الكتاب خاصة. لأن المقصود من ذلك ليس هو التعرف على الضلال، ولكن التنبيه على تشابه رؤوس الضلال. لأن التنبيه على تشابه رؤوس الضلال يجلي لك موارد القوم، وعلة هذا الضلال. وبه كما قال: «حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر». فأنت بهذا لا تفهم فقط قول هؤلاء المذكورين، بل تفهم ما يشبهه من أقوال أخرى. والمقصود من هذا الفهم ما هو؟ قال: «واحترز منهم في نفسه ولغيره، وبين ضلالهم». وهذا هو المقصود: الاحتراز وتبيين الضلال، خصوصًا. وهذا هو الأمر الثالث: «أنهم كثيرًا ما أوقعوا في الوجود الضلالات». كيف ذلك؟ أن من الناس من ينقل عن أمثال هؤلاء، ويكون في ذلك التغرير على بعض من لا خبرة له ومعرفة بهذه المذاهب الضالة، فيدخل الضلال على المسلمين بخفاء. فمثلًا تجد في كتب شروح الحديث نقولات عن بعض هؤلاء المتصوفة، وتتعجب كيف ينقل عن أمثال هؤلاء، وهؤلاء عندهم من الضلال ما يصل به من الكفر، مثل السهر وردي -على سبيل المثال- تجد في شروح الحديث كثيرًا ما ينقل عنه، حتى الحافظ بن حجر، رحمه الله، على فضله، تجده ينقل عنه أحيانًا في مواضع من الفتح. وبعض تلك النقولات فيها ما فيها من مذهب هؤلاء الباطنية. فإذا فهم الإنسان رؤوس الضلال وفرق وحصل له التمييز، عند ذلك أعين على هذا الاحتراز، وعند ذلك يستطيع أن يبين الضلال ويحذره ويحذر منه. قال، رحمه الله: «فابن عربي بزعمه إنما تجلَّى ذات عنده شهود مطلق هو وجود الموجودات مجردًا مطلقًا لا اسم له ولا نعت». ومعلوم أن من تصور هذا لم يكن أن يحصل له عنه خطاب، فلهذا زعم أن عند تجلي الذات لا يحصل خطاب. وقد اجتمع في هذا من الضلال الشيء الكثير: القول بالحلول والاتحاد، وكذلك نفي الأسماء والصفات، وكذلك تعطيل الكلام، وكذلك ما يكون من عدم تعظيم الرب، وكذلك تأليه المخلوقات، وغير ذلك من الضلالات، وكل واحد أكبر من الأخرى. قال: «وأما أبو حفص السهر وردي، وهو عمر بن محمد...» وهناك آخر سيأتي، وهو من هؤلاء، قال: «فكان أعلم بالسنة وأتبع للسنة من هذا وخير منه، لكن عنده بعض الأشياء». وهذا الذي ينقل عنه كثيرًا في شروح الحديث، لأنه سلك مسلك المتصوفة وحوره بالعلم، يعني حاول أن يستعين من عبارات المتصوفة ما يوافق السنة، فخرج كلامه فيه شيء من الحكمة، وفيه شيء من العدل. على أنه كذلك له شطحات وسقطات ينبغي لمن عرفه أن يحذر منه. قال: «وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده ويخاطبهم حين تجليه لهم، فآمن بذلك». لكن ابن عربي في فلسفته أشهر من هذا في سنته، يعني أن أتباع القوم يميلون لابن عربي أكثر من ميلهم للسهر وردي أبي حفص عمر بن محمد. قال: «ولهذا كان أتباعهما يعظمون ابن عربي عليه، مع إقرارهم بأن السهر وردي أتبع للسنة». كما حدثني شيخ، الملقب بحسام الدين، القادم السالك طريق ابن حمويه، الذي يلقبه أصحابه: سلطان الأقطاب. وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه والغلو فيهما أمر عظيم. فبينت له كثيرًا مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد، والأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم. وجرى في ذلك فصول، لما كان عنده من التعظيم ما عدم فهم حقيقة أقوالهما، وما تضمنته من الضلالات. وكان مما حدثني عن شيخه الطاووس، الذي كان بها مدان عن سعد الدين ابن حمويه: أنه قال: «محيي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء»، يعني: مهما تكلم فيه أحد أو أخذ من علمه وفهمه غلط، فإنه لا يضره ذلك. وهذا باطل. قال: «لكن نور المتابعة النبوي على وجه الشيخ شهاب الدين السهر وردي شيء آخر». فقلت له: هذا كما يقال: كان هؤلاء أوتوا من ملك الكفار ملكًا عظيمًا، لكن نور الإسلام الذي على شهاب غازي صاحب ما يا فارقين شيء آخر، وهو اسم موضع -كما أشار- في بلاد التركيا، فإنهم كانوا يعظمون ابن عربي، وذلك لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنًا من معرفة السنة ومتابعتها. وشهاب الدين هذا هو السهر وردي الآخر، ليس السهر وردي الأول، فهذا الثاني هو أشد ضلالًا، وهو قريب من ابن عربي: أبو الفتوح يحيى بن حبش الحكيم شهاب الدين السهر وردي. وهذا قد قتله الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين سنة سبعمائة وسبعة وثمانين للهجرة بحلب على زندقته وكفرياته وإلحاده، وهو صغير في السن، عمره ستة وثلاثون سنة. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.